لم تبدأ الحكاية في الملعب.
ولم تبدأ في أيرلندا.
وربما لم تبدأ حتى بالرياضة.
لكن مساء الأحد 27 أيلول 2026، في مدينة ديبرتسن المجرية، ظهرت أمامنا واحدة من أبسط صورها وأكثرها دلالة.
يد كان يفترض أن تمتد للمصافحة.
ولم تمتد.
بقيت خلف الظهر.
قبل ذلك بساعات طويلة، كان لاعبو المنتخب الأيرلندي يجلسون في فندقهم أمام سؤال لم يكن موجوداً في جدول مباريات دوري الأمم الأوروبية:
هل نلعب أمام إسرائيل أصلاً؟
تأجل المؤتمر الصحفي.
تأجل التدريب.
واستمر النقاش الداخلي قرابة أربع ساعات.
لم يكن النقاش حول طريقة اللعب، ولا حول المهاجم الذي يجب مراقبته، ولا عن الخطة التي يمكن بها هزيمة الخصم.
كان السؤال أكبر من كرة القدم:
هل يمكن أن ندخل الملعب وكأن ما يحدث في غزة لا يحدث؟
غافين بازونو، حارس المنتخب الأيرلندي، وجد جوابه.
لن ألعب.
لم يقل إنه مصاب.
لم يطلب الجلوس على مقاعد الاحتياط.
انسحب من المباراتين أمام إسرائيل، وقال إن تمثيل بلاده يعني له الكثير، لكنه يشعر بأن المشاركة ستكون خطأ.
واختصر موقفه بجملة أبسط من كل اللغة السياسية التي أحاطت بالمباراة:
قتل الأبرياء خطأ.
وقال إن في حياة الإنسان لحظات قليلة يستطيع فيها أن يقف من أجل شيء أكبر منه، وإن هذه واحدة منها.
أما بقية اللاعبين فبقوا في الغرفة.
نقاش.
اختلاف.
ثم تصويت.
أغلبية كبيرة قررت أن تلعب.
لكنها لم تقرر أن تتصرف وكأنها مباراة عادية.
كان وراءهم بلد يناقش السؤال نفسه.
أكثر من 160 رياضياً أيرلندياً وقعوا رسالة تطالب بعدم خوض المباراتين. والاتحاد الأيرلندي لكرة القدم نفسه كان قد طالب الاتحاد الأوروبي بتعليق مشاركة إسرائيل في المسابقات الأوروبية.
حتى التلفزيون الوطني الأيرلندي RTÉ وجد نفسه أمام السؤال.
كان ملزماً تعاقدياً ببث المباراة.
فقرر أن يبثها.
ولكن بأقل حضور ممكن.
لا استوديو.
لا محللون.
لا معلق من التلفزيون الأيرلندي.
لا إعلانات.
لا رعاية مرتبطة بالمباراة.
الصورة فقط.
كأن الشاشة نفسها تقول:
سننقل ما نحن ملزمون بنقله، لكننا لن نصنع حوله احتفالاً.
ثم جاء المساء.
ملعب ناجيردي في ديبرتسن يتسع لأكثر من عشرين ألف متفرج.
لكن المقاعد الفارغة كانت أكثر حضوراً من البشر.
نحو 225 متفرجاً فقط في ذلك الفضاء الكبير.
ملعب واسع.
وصوت صغير.
وفراغ يحيط بمباراة أصبح مجرد إقامتها سؤالاً سياسياً وأخلاقياً.
دخل اللاعبون.
الأيرلنديون بالأخضر.
وعلى الأذرع شيء صغير أسود.
شارات حداد.
اصطف الفريقان.
عُزف النشيد الإسرائيلي.
وقف لاعبو أيرلندا.
لكن رؤوسهم اتجهت نحو الأرض.
وأيديهم بقيت خلف ظهورهم.
أحد عشر لاعباً.
أحد عشر قميصاً أخضر.
شارات سوداء.
رؤوس منحنية.
وأيدٍ لا تتحرك.
انتهى النشيد.
وجاء ذلك الطقس الصغير الذي يحدث آلاف المرات في ملاعب العالم حتى إننا لم نعد نراه:
المصافحة.
ثانية واحدة.
يد تذهب إلى يد.
لكن هذه الثانية لم تحدث.
وصل قائد أيرلندا دارا أوشي إلى الحكام.
صافحهم.
كان قائد المنتخب الإسرائيلي مانور سولومون هناك.
لكن يد أوشي لم تمتد إليه.
حتى تبادل الرايات التذكارية بين القائدين لم يحدث.
ولم يكن الأمر ارتجال لاعب غاضب في لحظة عابرة.
كان قراراً معروفاً مسبقاً.
ثم دارت الكرة.
الدقيقة الرابعة عشرة.
تروي باروت.
الهدف الأول.
وبعدها بدقائق آدم إيداه.
الثاني.
ثم جاك مويلان.
الثالث.
ثلاثة أهداف في أقل من نصف ساعة.
لكن مويلان فعل بعد الهدف شيئاً جعل المباراة تخرج من حدود النتيجة.
ذهب إلى ذراعه.
إلى الشارة السوداء.
قبّلها.
ورفعها.
صار ما كان قطعة قماش صغيرة قبل المباراة جزءاً من الحكاية.
3 ـ 0.
لكن لوحة النتائج لم تكن تسجل كل ما يجري في الملعب.
لو أخذنا هذه الصورة وحدها لقلنا:
أيرلندا اتخذت موقفاً من إسرائيل.
لكنني لا أراها وحدها.
فحين أبتعد قليلاً عن الملعب تبدأ صور أخرى بالدخول إلى المشهد.
وأكتشف أن اليد التي بقيت خلف الظهر في ديبرتسن لم تكن أول شيء ينسحب من المشهد الإسرائيلي.
قبل ثلاثة أيام فقط كان هناك شيء آخر ينسحب.
المقاعد.
نيويورك.
الجمعية العامة للأمم المتحدة.
نتنياهو يصل إلى المدينة، وفوق صورته لم تعد هناك فقط صفة رئيس حكومة إسرائيل. هناك مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحقه بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي الخارج مدينة لا تستقبله كما كان يمكن أن تستقبله قبل سنوات.
مظاهرات حاشدة.
حواجز الشرطة.
أصوات تطالب باعتقاله.
متظاهرون يرون في وجوده نفسه في نيويورك مفارقة: رجل تلاحقه مذكرة توقيف من محكمة دولية يدخل أحد أهم مباني الشرعية الدولية ليخاطب العالم.
ثم يدخل القاعة.
يتقدم نحو المنصة.
ويبدأ شيء آخر.
مندوب ينهض.
ثم آخر.
ثم وفود تتحرك نحو الأبواب.
وتبدأ المقاعد تفرغ أمامه.
لا أحتاج هنا إلى كثير من التفسير.
الصورة تكفي.
خارج الأمم المتحدة شارع يحتج على وجوده.
وداخلها مندوبون يرفضون البقاء في مقاعدهم وهو يتحدث.
وفي ديبرتسن، بعد ثلاثة أيام، لاعبون يرفضون مد أيديهم.
مقعد يُترك فارغاً.
يد تبقى خلف الظهر.
صورتان بعيدتان جغرافياً.
لكنني لا أراهما منفصلتين.
وأعود قليلاً إلى الوراء.
فيينا.
أضواء.
موسيقى.
مسرح.
يوروفيجن 2026.
المسابقة التي يفترض أنها واحدة من أكبر حفلات الموسيقى التلفزيونية في أوروبا وجدت نفسها أمام السؤال نفسه:
ماذا نفعل بإسرائيل؟
خمس دول ـ إسبانيا وهولندا وأيرلندا وآيسلندا وسلوفينيا ـ انسحبت احتجاجاً على استمرار مشاركتها.
وخرج الآلاف في فيينا للاحتجاج.
لم يعد ممكناً فصل الأغنية عن غزة.
ولا المسرح عن السياسة.
ولا الأضواء عن السؤال الذي صار يلاحق المؤسسات الأوروبية:
إذا استطاعت أوروبا أن تقرر أن هناك لحظة تصبح فيها المشاركة الثقافية والرياضية غير قابلة للفصل عما تفعله دولة ما، فأين تقف إسرائيل من هذا المعيار؟
لم يعد السؤال فلسطينياً موجهاً إلى أوروبا.
أصبح سؤالاً أوروبياً توجهه أوروبا إلى نفسها.
وقبل الموسيقى وحولها كانت السينما قد بدأت تكتب مشاهدها.
مهرجانات.
عرائض.
رسائل مفتوحة.
مخرجون.
ممثلون.
كتاب.
عاملون في صناعة السينما يعلنون رفض التعاون مع مؤسسات إسرائيلية يرونها متواطئة في الحرب على غزة.
أسماء كانت قبل سنوات تخشى الاقتراب من كلمة فلسطين أصبحت تضع أسماءها تحت بيانات علنية.
ولم تعد فلسطين دائماً هي التي تطرق باب المهرجان كي تشرح قضيتها.
الصورة القادمة من غزة صارت تدخل المهرجان بنفسها.
دخلت شاشة السينما.
ودخلت المسرح.
ودخلت الجامعات.
ودخلت الحفل الموسيقي.
ودخلت البرلمان.
ودخلت محطة التلفزيون.
ودخلت الأمم المتحدة.
حتى وصلت إلى غرفة ملابس فريق كرة قدم.
---
ثم أنظر إلى بريطانيا.
البلد الذي لا يمكن فصل تاريخه الحديث في فلسطين عن وعد بلفور والانتداب وما ترتب عليهما.
حتى هناك بدأت اللغة تتغير.
اعتراف بريطاني بدولة فلسطين.
موقف أشد من الاستيطان.
وإجراءات ضد بضائع المستوطنات ومن يساهم في توسعها.
ليس هذا انقلاباً بريطانياً كاملاً على تاريخ طويل من العلاقة مع إسرائيل.
لكنه ليس بريطانيا التي عرفناها قبل سنوات أيضاً.
هناك شيء يتحرك.
وفي هولندا تتحول الصورة من البيان السياسي إلى رف المتجر والحدود.
منتجات المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية لم تعد مجرد بضائع تحمل بطاقة منشأ يمكن للمتسوق أن يشتريها أو يقاطعها وفق موقفه الشخصي.
دخلت دائرة الحظر.
استيرادها وبيعها وشراؤها أصبح محظوراً، وحتى ما يحمله المسافر منها يخضع للقواعد الجديدة عند الحدود.
علبة صغيرة قادمة من مستوطنة يمكن أن تحمل معها الآن سؤالاً قانونياً كاملاً.
السياسة وصلت إلى حقيبة المسافر.
وإسبانيا تمضي أبعد.
فلسطين لم تعد هناك مجرد علم يرفعه المتظاهرون في مدريد.
أصبحت جزءاً من خطاب الدولة ومن إجراءاتها ومواجهتها السياسية المفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية.
وإسبانيا ليست وحدها.
أيرلندا.
هولندا.
النرويج.
بلجيكا.
ودول أوروبية أخرى تتحرك بدرجات مختلفة تجاه المستوطنات والعلاقة مع إسرائيل.
لا تسير جميعها بالسرعة نفسها.
ولا تصل إلى النقطة نفسها.
لكن الاتجاه الذي كان قبل سنوات هامشياً أصبح موجوداً داخل حكومات أوروبا نفسها.
هنا أتوقف.
لا لكي أعد الدول.
ولا لكي أحصي البيانات.
أنا مخرج.
وما يعنيني هو أن أضع الصور إلى جانب بعضها.
مهرجان سينما.
عريضة تحمل أسماء فنانين.
طلاب في جامعة.
أضواء يوروفيجن.
منتج مستوطنة يتوقف عند حدود أوروبية.
شارع في مدريد.
قرار في لندن.
مظاهرة في نيويورك.
نتنياهو يتقدم نحو منصة الأمم المتحدة.
مندوبون ينهضون من مقاعدهم.
قاعة تبدأ تفرغ.
ثم ملعب في مدينة مجرية.
نشيد يعزف.
رؤوس تنخفض.
ويد لا تمتد.
إذا فصلنا هذه الصور عن بعضها تصبح أخباراً.
خبراً ثقافياً.
خبراً موسيقياً.
خبراً تجارياً.
خبراً دبلوماسياً.
خبراً رياضياً.
لكن ضعها على شريط واحد.
راقب حركتها.
وهنا يظهر شيء آخر.
العالم يستدير.
لا أقول إن العالم أصبح فلسطينياً.
ولم يصبح.
ولا أقول إن إسرائيل أصبحت بلا حلفاء.
لديها حلفاء أقوياء.
ومصالح عسكرية واقتصادية وسياسية عميقة.
والولايات المتحدة ما زالت تمثل مركز الثقل الأكبر في هذه الحماية.
ولا أقول إن الحكومات الغربية أصبحت فجأة ترى فلسطين كما نراها نحن.
ذلك أيضاً لم يحدث.
أنا أقول شيئاً أبسط.
وأعمق.
العالم يستدير.
ببطء أحياناً.
بتردد أحياناً.
بتناقض أحياناً.
يتقدم خطوة ويتراجع أخرى.
لكنه لم يعد واقفاً في المكان نفسه.
وهذا هو الذي يعنيني.
---
قبل سنوات، حين كان فنان عالمي يعلن دعمه لفلسطين، كان الخبر هو اسم الفنان.
اليوم يصبح السؤال:
كم فناناً؟
حين كان طالب يرفع العلم الفلسطيني في جامعة أميركية كان الأمر خبراً.
ثم أصبحت المخيمات الطلابية نفسها حدثاً عالمياً.
حين كانت مجموعة صغيرة تطالب بمقاطعة إسرائيل كان يمكن وضعها على هامش المشهد.
ثم بدأت العرائض تحمل أسماء من قلب الثقافة الغربية.
ثم دخل السؤال إلى المهرجانات.
ثم إلى يوروفيجن.
ثم إلى البرلمانات والحكومات.
ثم رأينا مندوبين يغادرون قاعة الجمعية العامة أثناء خطاب نتنياهو.
ثم وصلنا إلى مساء 27 أيلول.
إلى ملعب شبه فارغ في المجر.
إلى منتخب أيرلندي قضى ساعات يسأل نفسه إن كان سيدخل الملعب.
إلى حارس قال:
لن أدخل.
وإلى لاعبين قالوا:
سندخل.
لكننا لن نتصرف وكأن شيئاً لم يحدث.
وهنا تصبح المصافحة عندي أهم من الشارة السوداء.
الشارة تقول:
نحن نحزن.
أما اليد خلف الظهر فتقول شيئاً آخر:
لن نمنح المشهد صورة الحياة الطبيعية.
وهذا فرق كبير.
فالعزلة لا تبدأ دائماً بإغلاق سفارة.
ولا تبدأ دائماً بعقوبات اقتصادية.
ولا تحتاج في لحظتها الأولى إلى قرار من مجلس الأمن.
تبدأ أحياناً عندما يصبح الطبيعي نفسه موضع سؤال.
هل أشتري هذا المنتج؟
هل أوقع هذه العريضة؟
هل أعرض هذا الفيلم؟
هل أغني على المسرح نفسه؟
هل أمثل هذه المؤسسة؟
هل أجلس في القاعة وهو يتحدث؟
هل ألعب أمام منتخبه؟
هل أصافحه؟
أسئلة صغيرة.
لكن ضعها إلى جانب بعضها.
فنان.
طالب.
مخرج.
متظاهر.
مستهلك.
وزير.
دبلوماسي.
لاعب كرة قدم.
وفجأة لا تعود التفاصيل صغيرة.
إسرائيل عملت عقوداً كي تصبح جزءاً طبيعياً من الغرب.
في الثقافة.
في الجامعات.
في الاقتصاد.
في الموسيقى.
في الدبلوماسية.
وفي الرياضة.
واليوم لا أقول إنها خرجت من هذا العالم.
لكن شيئاً أكثر إثارة للاهتمام يحدث.
وجودها الطبيعي داخله لم يعد طبيعياً كما كان.
وهذا هو التحول.
ليس أن العالم اتخذ قراراً واحداً ضد إسرائيل.
بل أن السؤال بدأ يظهر في كل مكان تقريباً.
في السينما:
هل نتعاون؟
في الجامعة:
هل نصمت؟
في المتجر:
هل نشتري؟
في يوروفيجن:
هل نشارك؟
في الأمم المتحدة:
هل نبقى في مقاعدنا؟
وفي الملعب:
هل نصافح؟
وأعود إلى غزة.
لأن كل الطرق في هذه الحكاية تعود إليها.
ما الذي فعل كل هذا؟
لم يكن بياناً فلسطينياً واحداً.
ولا حزباً.
ولا حكومة.
ولا حملة علاقات عامة خارقة.
كانت الصورة.
طفل.
أم.
مستشفى.
صحفي.
خيمة.
جوع.
جامعة مدمرة.
مدينة تتحول إلى ركام.
الصورة خرجت من غزة.
دخلت الهاتف.
ومن الهاتف إلى البيت.
ومن البيت إلى الشارع.
ومن الشارع إلى الجامعة.
ومن الجامعة إلى المهرجان.
ومن المهرجان إلى المسرح.
ومن المسرح إلى البرلمان.
ومن البرلمان إلى الحكومة.
ومن الشارع المقابل للأمم المتحدة إلى داخل قاعتها.
ومن الأمم المتحدة إلى الملعب.
حتى وصلت إلى يد لاعب كرة قدم.
يد لا تحمل علماً.
لا ترفع لافتة.
لا تلقي خطاباً.
فقط تبقى خلف الظهر.
بعد ثلاثة أيام من خروج المندوبين من قاعة الأمم المتحدة، وقف أحد عشر لاعباً أيرلندياً أمام النشيد الإسرائيلي.
خفضوا رؤوسهم.
بقيت أيديهم خلف ظهورهم.
ثم رفضوا المصافحة.
لعبوا.
سجلوا ثلاثة أهداف.
وقبّل جاك مويلان الشارة السوداء ورفعها.
انتهت المباراة.
لكن المشهد لم ينته.
لأن السؤال الحقيقي بالنسبة إليّ ليس:
لماذا رفض لاعبو أيرلندا مصافحة لاعبي إسرائيل؟
بل:
كيف وصلنا إلى اللحظة التي أصبح فيها رفض المصافحة مفهوماً في أجزاء واسعة من العالم من دون حاجة إلى شرح طويل؟
هنا حدث شيء.
ليس في الملعب.
بل في الصورة التي يحملها العالم في رأسه.
ولهذا عندما أنظر إلى مساء ديبرتسن لا أرى مباراة كرة قدم.
أرى كل الصور السابقة تدخل الملعب معها.
مهرجان السينما.
العريضة.
الجامعة.
يوروفيجن.
رف المتجر.
الشارع الأوروبي.
المظاهرة في نيويورك.
قاعة الأمم المتحدة.
المقاعد الفارغة.
ثم خط المنتصف.
وهناك لا يحتاج المشهد إلى كلمة.
يد واحدة كان يفترض أن تمتد.
وبقيت خلف الظهر.
هذه ليست بداية الحكاية.
وليست نهايتها.
إنها لقطة أخرى في فيلم طويل يكتب العالم مشاهده أمام أعيننا.
العالم يستدير.
وليس السؤال عندي اليوم إن كان يستدير.
السؤال الأصعب:
إلى أي مدى ستصل هذه الاستدارة… ومتى تنتقل من الصورة والموقف والرمز إلى ميزان القوة والسياسة نفسها؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
28/9/2026
ولم تبدأ في أيرلندا.
وربما لم تبدأ حتى بالرياضة.
لكن مساء الأحد 27 أيلول 2026، في مدينة ديبرتسن المجرية، ظهرت أمامنا واحدة من أبسط صورها وأكثرها دلالة.
يد كان يفترض أن تمتد للمصافحة.
ولم تمتد.
بقيت خلف الظهر.
قبل ذلك بساعات طويلة، كان لاعبو المنتخب الأيرلندي يجلسون في فندقهم أمام سؤال لم يكن موجوداً في جدول مباريات دوري الأمم الأوروبية:
هل نلعب أمام إسرائيل أصلاً؟
تأجل المؤتمر الصحفي.
تأجل التدريب.
واستمر النقاش الداخلي قرابة أربع ساعات.
لم يكن النقاش حول طريقة اللعب، ولا حول المهاجم الذي يجب مراقبته، ولا عن الخطة التي يمكن بها هزيمة الخصم.
كان السؤال أكبر من كرة القدم:
هل يمكن أن ندخل الملعب وكأن ما يحدث في غزة لا يحدث؟
غافين بازونو، حارس المنتخب الأيرلندي، وجد جوابه.
لن ألعب.
لم يقل إنه مصاب.
لم يطلب الجلوس على مقاعد الاحتياط.
انسحب من المباراتين أمام إسرائيل، وقال إن تمثيل بلاده يعني له الكثير، لكنه يشعر بأن المشاركة ستكون خطأ.
واختصر موقفه بجملة أبسط من كل اللغة السياسية التي أحاطت بالمباراة:
قتل الأبرياء خطأ.
وقال إن في حياة الإنسان لحظات قليلة يستطيع فيها أن يقف من أجل شيء أكبر منه، وإن هذه واحدة منها.
أما بقية اللاعبين فبقوا في الغرفة.
نقاش.
اختلاف.
ثم تصويت.
أغلبية كبيرة قررت أن تلعب.
لكنها لم تقرر أن تتصرف وكأنها مباراة عادية.
كان وراءهم بلد يناقش السؤال نفسه.
أكثر من 160 رياضياً أيرلندياً وقعوا رسالة تطالب بعدم خوض المباراتين. والاتحاد الأيرلندي لكرة القدم نفسه كان قد طالب الاتحاد الأوروبي بتعليق مشاركة إسرائيل في المسابقات الأوروبية.
حتى التلفزيون الوطني الأيرلندي RTÉ وجد نفسه أمام السؤال.
كان ملزماً تعاقدياً ببث المباراة.
فقرر أن يبثها.
ولكن بأقل حضور ممكن.
لا استوديو.
لا محللون.
لا معلق من التلفزيون الأيرلندي.
لا إعلانات.
لا رعاية مرتبطة بالمباراة.
الصورة فقط.
كأن الشاشة نفسها تقول:
سننقل ما نحن ملزمون بنقله، لكننا لن نصنع حوله احتفالاً.
ثم جاء المساء.
ملعب ناجيردي في ديبرتسن يتسع لأكثر من عشرين ألف متفرج.
لكن المقاعد الفارغة كانت أكثر حضوراً من البشر.
نحو 225 متفرجاً فقط في ذلك الفضاء الكبير.
ملعب واسع.
وصوت صغير.
وفراغ يحيط بمباراة أصبح مجرد إقامتها سؤالاً سياسياً وأخلاقياً.
دخل اللاعبون.
الأيرلنديون بالأخضر.
وعلى الأذرع شيء صغير أسود.
شارات حداد.
اصطف الفريقان.
عُزف النشيد الإسرائيلي.
وقف لاعبو أيرلندا.
لكن رؤوسهم اتجهت نحو الأرض.
وأيديهم بقيت خلف ظهورهم.
أحد عشر لاعباً.
أحد عشر قميصاً أخضر.
شارات سوداء.
رؤوس منحنية.
وأيدٍ لا تتحرك.
انتهى النشيد.
وجاء ذلك الطقس الصغير الذي يحدث آلاف المرات في ملاعب العالم حتى إننا لم نعد نراه:
المصافحة.
ثانية واحدة.
يد تذهب إلى يد.
لكن هذه الثانية لم تحدث.
وصل قائد أيرلندا دارا أوشي إلى الحكام.
صافحهم.
كان قائد المنتخب الإسرائيلي مانور سولومون هناك.
لكن يد أوشي لم تمتد إليه.
حتى تبادل الرايات التذكارية بين القائدين لم يحدث.
ولم يكن الأمر ارتجال لاعب غاضب في لحظة عابرة.
كان قراراً معروفاً مسبقاً.
ثم دارت الكرة.
الدقيقة الرابعة عشرة.
تروي باروت.
الهدف الأول.
وبعدها بدقائق آدم إيداه.
الثاني.
ثم جاك مويلان.
الثالث.
ثلاثة أهداف في أقل من نصف ساعة.
لكن مويلان فعل بعد الهدف شيئاً جعل المباراة تخرج من حدود النتيجة.
ذهب إلى ذراعه.
إلى الشارة السوداء.
قبّلها.
ورفعها.
صار ما كان قطعة قماش صغيرة قبل المباراة جزءاً من الحكاية.
3 ـ 0.
لكن لوحة النتائج لم تكن تسجل كل ما يجري في الملعب.
لو أخذنا هذه الصورة وحدها لقلنا:
أيرلندا اتخذت موقفاً من إسرائيل.
لكنني لا أراها وحدها.
فحين أبتعد قليلاً عن الملعب تبدأ صور أخرى بالدخول إلى المشهد.
وأكتشف أن اليد التي بقيت خلف الظهر في ديبرتسن لم تكن أول شيء ينسحب من المشهد الإسرائيلي.
قبل ثلاثة أيام فقط كان هناك شيء آخر ينسحب.
المقاعد.
نيويورك.
الجمعية العامة للأمم المتحدة.
نتنياهو يصل إلى المدينة، وفوق صورته لم تعد هناك فقط صفة رئيس حكومة إسرائيل. هناك مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحقه بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي الخارج مدينة لا تستقبله كما كان يمكن أن تستقبله قبل سنوات.
مظاهرات حاشدة.
حواجز الشرطة.
أصوات تطالب باعتقاله.
متظاهرون يرون في وجوده نفسه في نيويورك مفارقة: رجل تلاحقه مذكرة توقيف من محكمة دولية يدخل أحد أهم مباني الشرعية الدولية ليخاطب العالم.
ثم يدخل القاعة.
يتقدم نحو المنصة.
ويبدأ شيء آخر.
مندوب ينهض.
ثم آخر.
ثم وفود تتحرك نحو الأبواب.
وتبدأ المقاعد تفرغ أمامه.
لا أحتاج هنا إلى كثير من التفسير.
الصورة تكفي.
خارج الأمم المتحدة شارع يحتج على وجوده.
وداخلها مندوبون يرفضون البقاء في مقاعدهم وهو يتحدث.
وفي ديبرتسن، بعد ثلاثة أيام، لاعبون يرفضون مد أيديهم.
مقعد يُترك فارغاً.
يد تبقى خلف الظهر.
صورتان بعيدتان جغرافياً.
لكنني لا أراهما منفصلتين.
وأعود قليلاً إلى الوراء.
فيينا.
أضواء.
موسيقى.
مسرح.
يوروفيجن 2026.
المسابقة التي يفترض أنها واحدة من أكبر حفلات الموسيقى التلفزيونية في أوروبا وجدت نفسها أمام السؤال نفسه:
ماذا نفعل بإسرائيل؟
خمس دول ـ إسبانيا وهولندا وأيرلندا وآيسلندا وسلوفينيا ـ انسحبت احتجاجاً على استمرار مشاركتها.
وخرج الآلاف في فيينا للاحتجاج.
لم يعد ممكناً فصل الأغنية عن غزة.
ولا المسرح عن السياسة.
ولا الأضواء عن السؤال الذي صار يلاحق المؤسسات الأوروبية:
إذا استطاعت أوروبا أن تقرر أن هناك لحظة تصبح فيها المشاركة الثقافية والرياضية غير قابلة للفصل عما تفعله دولة ما، فأين تقف إسرائيل من هذا المعيار؟
لم يعد السؤال فلسطينياً موجهاً إلى أوروبا.
أصبح سؤالاً أوروبياً توجهه أوروبا إلى نفسها.
وقبل الموسيقى وحولها كانت السينما قد بدأت تكتب مشاهدها.
مهرجانات.
عرائض.
رسائل مفتوحة.
مخرجون.
ممثلون.
كتاب.
عاملون في صناعة السينما يعلنون رفض التعاون مع مؤسسات إسرائيلية يرونها متواطئة في الحرب على غزة.
أسماء كانت قبل سنوات تخشى الاقتراب من كلمة فلسطين أصبحت تضع أسماءها تحت بيانات علنية.
ولم تعد فلسطين دائماً هي التي تطرق باب المهرجان كي تشرح قضيتها.
الصورة القادمة من غزة صارت تدخل المهرجان بنفسها.
دخلت شاشة السينما.
ودخلت المسرح.
ودخلت الجامعات.
ودخلت الحفل الموسيقي.
ودخلت البرلمان.
ودخلت محطة التلفزيون.
ودخلت الأمم المتحدة.
حتى وصلت إلى غرفة ملابس فريق كرة قدم.
---
ثم أنظر إلى بريطانيا.
البلد الذي لا يمكن فصل تاريخه الحديث في فلسطين عن وعد بلفور والانتداب وما ترتب عليهما.
حتى هناك بدأت اللغة تتغير.
اعتراف بريطاني بدولة فلسطين.
موقف أشد من الاستيطان.
وإجراءات ضد بضائع المستوطنات ومن يساهم في توسعها.
ليس هذا انقلاباً بريطانياً كاملاً على تاريخ طويل من العلاقة مع إسرائيل.
لكنه ليس بريطانيا التي عرفناها قبل سنوات أيضاً.
هناك شيء يتحرك.
وفي هولندا تتحول الصورة من البيان السياسي إلى رف المتجر والحدود.
منتجات المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية لم تعد مجرد بضائع تحمل بطاقة منشأ يمكن للمتسوق أن يشتريها أو يقاطعها وفق موقفه الشخصي.
دخلت دائرة الحظر.
استيرادها وبيعها وشراؤها أصبح محظوراً، وحتى ما يحمله المسافر منها يخضع للقواعد الجديدة عند الحدود.
علبة صغيرة قادمة من مستوطنة يمكن أن تحمل معها الآن سؤالاً قانونياً كاملاً.
السياسة وصلت إلى حقيبة المسافر.
وإسبانيا تمضي أبعد.
فلسطين لم تعد هناك مجرد علم يرفعه المتظاهرون في مدريد.
أصبحت جزءاً من خطاب الدولة ومن إجراءاتها ومواجهتها السياسية المفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية.
وإسبانيا ليست وحدها.
أيرلندا.
هولندا.
النرويج.
بلجيكا.
ودول أوروبية أخرى تتحرك بدرجات مختلفة تجاه المستوطنات والعلاقة مع إسرائيل.
لا تسير جميعها بالسرعة نفسها.
ولا تصل إلى النقطة نفسها.
لكن الاتجاه الذي كان قبل سنوات هامشياً أصبح موجوداً داخل حكومات أوروبا نفسها.
هنا أتوقف.
لا لكي أعد الدول.
ولا لكي أحصي البيانات.
أنا مخرج.
وما يعنيني هو أن أضع الصور إلى جانب بعضها.
مهرجان سينما.
عريضة تحمل أسماء فنانين.
طلاب في جامعة.
أضواء يوروفيجن.
منتج مستوطنة يتوقف عند حدود أوروبية.
شارع في مدريد.
قرار في لندن.
مظاهرة في نيويورك.
نتنياهو يتقدم نحو منصة الأمم المتحدة.
مندوبون ينهضون من مقاعدهم.
قاعة تبدأ تفرغ.
ثم ملعب في مدينة مجرية.
نشيد يعزف.
رؤوس تنخفض.
ويد لا تمتد.
إذا فصلنا هذه الصور عن بعضها تصبح أخباراً.
خبراً ثقافياً.
خبراً موسيقياً.
خبراً تجارياً.
خبراً دبلوماسياً.
خبراً رياضياً.
لكن ضعها على شريط واحد.
راقب حركتها.
وهنا يظهر شيء آخر.
العالم يستدير.
لا أقول إن العالم أصبح فلسطينياً.
ولم يصبح.
ولا أقول إن إسرائيل أصبحت بلا حلفاء.
لديها حلفاء أقوياء.
ومصالح عسكرية واقتصادية وسياسية عميقة.
والولايات المتحدة ما زالت تمثل مركز الثقل الأكبر في هذه الحماية.
ولا أقول إن الحكومات الغربية أصبحت فجأة ترى فلسطين كما نراها نحن.
ذلك أيضاً لم يحدث.
أنا أقول شيئاً أبسط.
وأعمق.
العالم يستدير.
ببطء أحياناً.
بتردد أحياناً.
بتناقض أحياناً.
يتقدم خطوة ويتراجع أخرى.
لكنه لم يعد واقفاً في المكان نفسه.
وهذا هو الذي يعنيني.
---
قبل سنوات، حين كان فنان عالمي يعلن دعمه لفلسطين، كان الخبر هو اسم الفنان.
اليوم يصبح السؤال:
كم فناناً؟
حين كان طالب يرفع العلم الفلسطيني في جامعة أميركية كان الأمر خبراً.
ثم أصبحت المخيمات الطلابية نفسها حدثاً عالمياً.
حين كانت مجموعة صغيرة تطالب بمقاطعة إسرائيل كان يمكن وضعها على هامش المشهد.
ثم بدأت العرائض تحمل أسماء من قلب الثقافة الغربية.
ثم دخل السؤال إلى المهرجانات.
ثم إلى يوروفيجن.
ثم إلى البرلمانات والحكومات.
ثم رأينا مندوبين يغادرون قاعة الجمعية العامة أثناء خطاب نتنياهو.
ثم وصلنا إلى مساء 27 أيلول.
إلى ملعب شبه فارغ في المجر.
إلى منتخب أيرلندي قضى ساعات يسأل نفسه إن كان سيدخل الملعب.
إلى حارس قال:
لن أدخل.
وإلى لاعبين قالوا:
سندخل.
لكننا لن نتصرف وكأن شيئاً لم يحدث.
وهنا تصبح المصافحة عندي أهم من الشارة السوداء.
الشارة تقول:
نحن نحزن.
أما اليد خلف الظهر فتقول شيئاً آخر:
لن نمنح المشهد صورة الحياة الطبيعية.
وهذا فرق كبير.
فالعزلة لا تبدأ دائماً بإغلاق سفارة.
ولا تبدأ دائماً بعقوبات اقتصادية.
ولا تحتاج في لحظتها الأولى إلى قرار من مجلس الأمن.
تبدأ أحياناً عندما يصبح الطبيعي نفسه موضع سؤال.
هل أشتري هذا المنتج؟
هل أوقع هذه العريضة؟
هل أعرض هذا الفيلم؟
هل أغني على المسرح نفسه؟
هل أمثل هذه المؤسسة؟
هل أجلس في القاعة وهو يتحدث؟
هل ألعب أمام منتخبه؟
هل أصافحه؟
أسئلة صغيرة.
لكن ضعها إلى جانب بعضها.
فنان.
طالب.
مخرج.
متظاهر.
مستهلك.
وزير.
دبلوماسي.
لاعب كرة قدم.
وفجأة لا تعود التفاصيل صغيرة.
إسرائيل عملت عقوداً كي تصبح جزءاً طبيعياً من الغرب.
في الثقافة.
في الجامعات.
في الاقتصاد.
في الموسيقى.
في الدبلوماسية.
وفي الرياضة.
واليوم لا أقول إنها خرجت من هذا العالم.
لكن شيئاً أكثر إثارة للاهتمام يحدث.
وجودها الطبيعي داخله لم يعد طبيعياً كما كان.
وهذا هو التحول.
ليس أن العالم اتخذ قراراً واحداً ضد إسرائيل.
بل أن السؤال بدأ يظهر في كل مكان تقريباً.
في السينما:
هل نتعاون؟
في الجامعة:
هل نصمت؟
في المتجر:
هل نشتري؟
في يوروفيجن:
هل نشارك؟
في الأمم المتحدة:
هل نبقى في مقاعدنا؟
وفي الملعب:
هل نصافح؟
وأعود إلى غزة.
لأن كل الطرق في هذه الحكاية تعود إليها.
ما الذي فعل كل هذا؟
لم يكن بياناً فلسطينياً واحداً.
ولا حزباً.
ولا حكومة.
ولا حملة علاقات عامة خارقة.
كانت الصورة.
طفل.
أم.
مستشفى.
صحفي.
خيمة.
جوع.
جامعة مدمرة.
مدينة تتحول إلى ركام.
الصورة خرجت من غزة.
دخلت الهاتف.
ومن الهاتف إلى البيت.
ومن البيت إلى الشارع.
ومن الشارع إلى الجامعة.
ومن الجامعة إلى المهرجان.
ومن المهرجان إلى المسرح.
ومن المسرح إلى البرلمان.
ومن البرلمان إلى الحكومة.
ومن الشارع المقابل للأمم المتحدة إلى داخل قاعتها.
ومن الأمم المتحدة إلى الملعب.
حتى وصلت إلى يد لاعب كرة قدم.
يد لا تحمل علماً.
لا ترفع لافتة.
لا تلقي خطاباً.
فقط تبقى خلف الظهر.
بعد ثلاثة أيام من خروج المندوبين من قاعة الأمم المتحدة، وقف أحد عشر لاعباً أيرلندياً أمام النشيد الإسرائيلي.
خفضوا رؤوسهم.
بقيت أيديهم خلف ظهورهم.
ثم رفضوا المصافحة.
لعبوا.
سجلوا ثلاثة أهداف.
وقبّل جاك مويلان الشارة السوداء ورفعها.
انتهت المباراة.
لكن المشهد لم ينته.
لأن السؤال الحقيقي بالنسبة إليّ ليس:
لماذا رفض لاعبو أيرلندا مصافحة لاعبي إسرائيل؟
بل:
كيف وصلنا إلى اللحظة التي أصبح فيها رفض المصافحة مفهوماً في أجزاء واسعة من العالم من دون حاجة إلى شرح طويل؟
هنا حدث شيء.
ليس في الملعب.
بل في الصورة التي يحملها العالم في رأسه.
ولهذا عندما أنظر إلى مساء ديبرتسن لا أرى مباراة كرة قدم.
أرى كل الصور السابقة تدخل الملعب معها.
مهرجان السينما.
العريضة.
الجامعة.
يوروفيجن.
رف المتجر.
الشارع الأوروبي.
المظاهرة في نيويورك.
قاعة الأمم المتحدة.
المقاعد الفارغة.
ثم خط المنتصف.
وهناك لا يحتاج المشهد إلى كلمة.
يد واحدة كان يفترض أن تمتد.
وبقيت خلف الظهر.
هذه ليست بداية الحكاية.
وليست نهايتها.
إنها لقطة أخرى في فيلم طويل يكتب العالم مشاهده أمام أعيننا.
العالم يستدير.
وليس السؤال عندي اليوم إن كان يستدير.
السؤال الأصعب:
إلى أي مدى ستصل هذه الاستدارة… ومتى تنتقل من الصورة والموقف والرمز إلى ميزان القوة والسياسة نفسها؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
28/9/2026