قرأت اليوم مقال الصديق د. إياد البرغوثي «الدولة العربية: من الإعاقة البنيوية إلى الإعاقة الوظيفية»، المنشور في وكالة وطن للأنباء بتاريخ 29 أيلول/سبتمبر 2026.
أنهيت المقال، لكنني وجدتني أعود معه إلى الوراء.
إلى زمن لم تكن فيه الدولة العربية التي نعرفها اليوم قد اكتملت بعد.
خرائط فوق الطاولات. حدود تتحرك. إمبراطورية تغادر وأخرى تدخل. وشعوب تستيقظ ذات صباح فتجد أن دولة وُلدت، وأن نظامًا جلس في مقعدها، وأن أحدًا لم يسأل الذين سيعيشون فيها كيف يريدونها أن تكون.
هكذا ينظر د. إياد إلى المشهد.
وما يعجبني في مقاله ليس فقط ما يصل إليه، بل الطريق التي يسلكها للوصول.
من يتابع كتاباته منذ سنوات يلمح هذا الخيط بوضوح. يتغير الحدث وتتغير الأسماء، ويبقى السؤال حاضرًا: لا تنظر فقط إلى ما تفعله السلطة اليوم، عد إلى يوم ولادتها. من كان في الغرفة؟ من كتب العقد؟ من وقّع؟ من بقي وراء الباب؟ ومن لم يكن له باب يدخل منه أصلًا؟
ومن هنا جاءت واحدة من أكثر صور المقال كثافة:
الاستعمار فاعل، والنظام نائب عنه، والشعب مفعول به، والأمة خارج الإعراب.
جملة تكاد تختصر المقال كله.
وأعترف أنني قريب من هذه الطريقة في النظر.
أنا أيضًا لا أطمئن كثيرًا إلى ما يظهر على السطح. عندما أرى مؤسسة لا يكفيني أن أعرف من يجلس في مكتبها. أريد أن أعرف كيف بُني المكتب، ومن وضع الباب، ومن احتفظ بالمفتاح.
وربما لهذا وجدت، منذ بدأت الكتابة عن المجتمع الفلسطيني ومن يصنع الشرعية، أن بعض أسئلتي تسير غير بعيدة عن أسئلة د. إياد.
لكنني، وأنا أمشي معه إلى لحظة الولادة، التفتُّ إلى الخلف.
مرّ قرن تقريبًا.
فماذا حدث بعد ذلك؟
هنا تبدأ المسافة بيننا.
فالاستعمار الذي رسم حدودًا كثيرة غادر بصورته القديمة، لكن الذين بقوا لم يبقوا كما كانوا.
وُلدت أجيال وماتت أجيال. قامت ثورات وانقلابات وحروب وانتفاضات. تشكلت جيوش ومؤسسات وطبقات ومصالح. سقطت أنظمة وجاءت أخرى. خرجت شعوب إلى الشوارع، وفي أكثر من مكان اكتشفنا أن المجتمع الذي بدا ساكنًا سنوات طويلة كان يتحرك تحت السطح.
لهذا أخشى أن تصبح لقطة الولادة هي الفيلم كله.
فالولادة تفسر الكثير، لكنها لا تفسر العمر كله.
وهنا أصل مع د. إياد إلى أوسلو.
يضعها أمامنا كأنها عدسة مكبرة. ننظر من خلالها فنرى صورة عرفتها منطقتنا من قبل: قوة خارجية، نخبة محلية، اتفاق، سلطة، وشعب ينتظر خارج غرفة التأسيس.
الصورة قوية.
لكنني حين أقترب منها فلسطينيًا، يظهر داخلها شيء آخر.
الذين جلسوا إلى طاولة أوسلو لم يأتوا من خارج التاريخ الفلسطيني.
كانت هناك منظمة التحرير الفلسطينية.
وخلف الكراسي التي جلس عليها المفاوضون كانت هناك مخيمات وثورة وشهداء وأسرى وشتات وانتفاضة، وعقود طويلة صنع فيها الفلسطينيون اعتراف العالم بوجودهم وبقضيتهم وبممثلهم.
تلك الشرعية لم يمنحها الإسرائيلي، ولم يصنعها الأميركي.
صنعها الفلسطينيون.
وهنا تتغير الصورة.
السؤال لم يعد فقط: كيف صنع الخارج سلطة؟
بل: كيف انتقلت شرعية صنعتها حركة تحرر إلى سلطة وُلدت داخل اتفاق مع المحتل؟
وماذا حدث لهذه الشرعية بعد ذلك؟
من حملها؟
من استهلكها؟
ومن بقي منها اليوم؟
هنا لا تكفيني العودة إلى غرفة الولادة.
أريد أن أعرف ماذا حدث بعد أن خرج الجميع منها.
ثم أعود إلى جملة د. إياد.
الاستعمار فاعل.
النظام نائب عنه.
الشعب مفعول به.
الأمة خارج الإعراب.
وأتوقف عند كلمة واحدة.
المفعول به.
أتوقف عندها طويلًا.
لأن المسافة بيني وبين د. إياد ربما تبدأ من هنا.
نعم، كان الشعب مفعولًا به في لحظات كثيرة من تاريخنا. رُسمت الحدود من دونه، وعُقدت الاتفاقات من دونه، واتُّخذت قرارات مصيرية باسمه من دون أن يكون حاضرًا.
لكن الشعوب لا تبقى في الموقع نفسه إلى الأبد.
هناك لحظة يفتح فيها الناس الباب الذي ظل مغلقًا.
لحظة ينزلون فيها إلى الشارع.
لحظة تسقط فيها جملة كاملة كان الجميع يظن أن قواعدها ثابتة.
ويصبح المفعول به فاعلًا.
وهنا يبدأ السؤال الذي يشغلني.
ليس فقط كيف استطاع النظام أن يضعف المجتمع، بل كيف يستعيد المجتمع قوته؟
ليس فقط كيف تحول المواطن من صاحب حق إلى متلقٍ لامتياز، بل كيف يتذكر أن ما يُمنح له ليس مكرمة؟
ليس فقط كيف ابتعد الشعب عن الدولة، بل كيف يستعيدها دون أن يأتي بنظام جديد يجلس على الكرسي نفسه، ويغلق الباب نفسه، ويحتفظ بالمفتاح نفسه؟
لهذا أثمّن مقال الصديق العزيز د. إياد البرغوثي.
لا لأنني أصل معه إلى المكان نفسه.
بل لأنه يعيدني إلى البداية، ويجبرني على أن أنظر إلى المشهد مرة أخرى.
هو يعيدني إلى لحظة الولادة.
وأنا أريد أن أبقى بعد انتهاء تلك اللقطة.
أريد أن أرى الطفل وقد كبر.
ماذا فعل به الذين أنجبوه؟
وماذا فعل هو بما ورثه منهم؟
ومتى قرر أن يفتح الباب ويخرج؟
فإذا كانت الدولة العربية قد وُلدت بإعاقة في بنيتها، ثم تحولت الإعاقة، كما يرى د. إياد، إلى وظيفة تحمي النظام وتضمن استمراره، فإن السؤال الذي يبقى أمامي ليس فقط:
كيف حدث ذلك؟
بل:
من قال إن المفعول به سيبقى مفعولًا به إلى الأبد؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
30/9/2026
أنهيت المقال، لكنني وجدتني أعود معه إلى الوراء.
إلى زمن لم تكن فيه الدولة العربية التي نعرفها اليوم قد اكتملت بعد.
خرائط فوق الطاولات. حدود تتحرك. إمبراطورية تغادر وأخرى تدخل. وشعوب تستيقظ ذات صباح فتجد أن دولة وُلدت، وأن نظامًا جلس في مقعدها، وأن أحدًا لم يسأل الذين سيعيشون فيها كيف يريدونها أن تكون.
هكذا ينظر د. إياد إلى المشهد.
وما يعجبني في مقاله ليس فقط ما يصل إليه، بل الطريق التي يسلكها للوصول.
من يتابع كتاباته منذ سنوات يلمح هذا الخيط بوضوح. يتغير الحدث وتتغير الأسماء، ويبقى السؤال حاضرًا: لا تنظر فقط إلى ما تفعله السلطة اليوم، عد إلى يوم ولادتها. من كان في الغرفة؟ من كتب العقد؟ من وقّع؟ من بقي وراء الباب؟ ومن لم يكن له باب يدخل منه أصلًا؟
ومن هنا جاءت واحدة من أكثر صور المقال كثافة:
الاستعمار فاعل، والنظام نائب عنه، والشعب مفعول به، والأمة خارج الإعراب.
جملة تكاد تختصر المقال كله.
وأعترف أنني قريب من هذه الطريقة في النظر.
أنا أيضًا لا أطمئن كثيرًا إلى ما يظهر على السطح. عندما أرى مؤسسة لا يكفيني أن أعرف من يجلس في مكتبها. أريد أن أعرف كيف بُني المكتب، ومن وضع الباب، ومن احتفظ بالمفتاح.
وربما لهذا وجدت، منذ بدأت الكتابة عن المجتمع الفلسطيني ومن يصنع الشرعية، أن بعض أسئلتي تسير غير بعيدة عن أسئلة د. إياد.
لكنني، وأنا أمشي معه إلى لحظة الولادة، التفتُّ إلى الخلف.
مرّ قرن تقريبًا.
فماذا حدث بعد ذلك؟
هنا تبدأ المسافة بيننا.
فالاستعمار الذي رسم حدودًا كثيرة غادر بصورته القديمة، لكن الذين بقوا لم يبقوا كما كانوا.
وُلدت أجيال وماتت أجيال. قامت ثورات وانقلابات وحروب وانتفاضات. تشكلت جيوش ومؤسسات وطبقات ومصالح. سقطت أنظمة وجاءت أخرى. خرجت شعوب إلى الشوارع، وفي أكثر من مكان اكتشفنا أن المجتمع الذي بدا ساكنًا سنوات طويلة كان يتحرك تحت السطح.
لهذا أخشى أن تصبح لقطة الولادة هي الفيلم كله.
فالولادة تفسر الكثير، لكنها لا تفسر العمر كله.
وهنا أصل مع د. إياد إلى أوسلو.
يضعها أمامنا كأنها عدسة مكبرة. ننظر من خلالها فنرى صورة عرفتها منطقتنا من قبل: قوة خارجية، نخبة محلية، اتفاق، سلطة، وشعب ينتظر خارج غرفة التأسيس.
الصورة قوية.
لكنني حين أقترب منها فلسطينيًا، يظهر داخلها شيء آخر.
الذين جلسوا إلى طاولة أوسلو لم يأتوا من خارج التاريخ الفلسطيني.
كانت هناك منظمة التحرير الفلسطينية.
وخلف الكراسي التي جلس عليها المفاوضون كانت هناك مخيمات وثورة وشهداء وأسرى وشتات وانتفاضة، وعقود طويلة صنع فيها الفلسطينيون اعتراف العالم بوجودهم وبقضيتهم وبممثلهم.
تلك الشرعية لم يمنحها الإسرائيلي، ولم يصنعها الأميركي.
صنعها الفلسطينيون.
وهنا تتغير الصورة.
السؤال لم يعد فقط: كيف صنع الخارج سلطة؟
بل: كيف انتقلت شرعية صنعتها حركة تحرر إلى سلطة وُلدت داخل اتفاق مع المحتل؟
وماذا حدث لهذه الشرعية بعد ذلك؟
من حملها؟
من استهلكها؟
ومن بقي منها اليوم؟
هنا لا تكفيني العودة إلى غرفة الولادة.
أريد أن أعرف ماذا حدث بعد أن خرج الجميع منها.
ثم أعود إلى جملة د. إياد.
الاستعمار فاعل.
النظام نائب عنه.
الشعب مفعول به.
الأمة خارج الإعراب.
وأتوقف عند كلمة واحدة.
المفعول به.
أتوقف عندها طويلًا.
لأن المسافة بيني وبين د. إياد ربما تبدأ من هنا.
نعم، كان الشعب مفعولًا به في لحظات كثيرة من تاريخنا. رُسمت الحدود من دونه، وعُقدت الاتفاقات من دونه، واتُّخذت قرارات مصيرية باسمه من دون أن يكون حاضرًا.
لكن الشعوب لا تبقى في الموقع نفسه إلى الأبد.
هناك لحظة يفتح فيها الناس الباب الذي ظل مغلقًا.
لحظة ينزلون فيها إلى الشارع.
لحظة تسقط فيها جملة كاملة كان الجميع يظن أن قواعدها ثابتة.
ويصبح المفعول به فاعلًا.
وهنا يبدأ السؤال الذي يشغلني.
ليس فقط كيف استطاع النظام أن يضعف المجتمع، بل كيف يستعيد المجتمع قوته؟
ليس فقط كيف تحول المواطن من صاحب حق إلى متلقٍ لامتياز، بل كيف يتذكر أن ما يُمنح له ليس مكرمة؟
ليس فقط كيف ابتعد الشعب عن الدولة، بل كيف يستعيدها دون أن يأتي بنظام جديد يجلس على الكرسي نفسه، ويغلق الباب نفسه، ويحتفظ بالمفتاح نفسه؟
لهذا أثمّن مقال الصديق العزيز د. إياد البرغوثي.
لا لأنني أصل معه إلى المكان نفسه.
بل لأنه يعيدني إلى البداية، ويجبرني على أن أنظر إلى المشهد مرة أخرى.
هو يعيدني إلى لحظة الولادة.
وأنا أريد أن أبقى بعد انتهاء تلك اللقطة.
أريد أن أرى الطفل وقد كبر.
ماذا فعل به الذين أنجبوه؟
وماذا فعل هو بما ورثه منهم؟
ومتى قرر أن يفتح الباب ويخرج؟
فإذا كانت الدولة العربية قد وُلدت بإعاقة في بنيتها، ثم تحولت الإعاقة، كما يرى د. إياد، إلى وظيفة تحمي النظام وتضمن استمراره، فإن السؤال الذي يبقى أمامي ليس فقط:
كيف حدث ذلك؟
بل:
من قال إن المفعول به سيبقى مفعولًا به إلى الأبد؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
30/9/2026