عرض محمد عباس محمد عرابي
النص الأول
يا سائلًا يتحرّى عن خوافينا
.. ماذا نجيب به؟ إن الخوا فينا
هذا الفراغ ثقيلٌ رغم خفته
.. وطعمه كائنٌ في الريق غسلينا
إحماءة الموت تدريبًا لموعده
.. سهدًا وصبرًا وضنكًا طال تمرينا
نحن الذين خلقنا كي نموتَ فقط
.. ميلادنا صار فيما بعد تأبينا
نستعطف الوقت خوفًا من تسلطه
.. ويستشيط فلا رفقًا و لا لينا
نُنسى على الأرض والأيام تنحنا
.. حتى لتصبح إزميلًا و إسفينا
يا وقت هلّا تخطينا داوئرنا
.. أكل يومٌ يبيت المرء محزونا؟!
هبنا المصير تعبنا في المدى هدرًا
.. نمشي طريقًا من البأساء ملعونا
و الأفق أسود إذ يمتدُّ متشحًا
.. بالرعب لم يتّضح في وجهنا حينا
نسير كيف يريد التيه وجهتنا
.. هي الضلال فبئس القصد مضمونا
قلوبنا هي في الأحياء تهمتنا
.. وكيف نصنع كان الذنب تكوينا
**قصيدة .. ابحث عن اسمك في الأموات
النص الثاني
كأنّك اليومَ فوق الأرض ( لا أحدُ ) !
.. ابحث عن اسمك في الأموات قد تجدُ
فربّما متّ و الأيام شاهدةٌ
.. مما تراه من الأبعاد يُفتَقَدُ
وكيف ويحك تلقى الموت خاتمةً
.. و لم تكن قطَّ ممن قبلُ قد وُلِدَوا !
ما زلتُ أرتقب الميلاد منتظراً
.. و ما يزال مع الأقدار يبتعدُ
في هامشٍ مقفرٍ أُلفيتُني جذعاً
.. كزهرة القطن في الإعصار ترتعدُ
نشأت في الريح ما هبّت و ما ذهبتْ
.. ذهبتُ فيها و مالي في الضياع يدُ
رأيتُ نفسي إلى المجهول سارحةً
.. و أين أهرب مذعوراً وأمسِ غدُ
يا وقت قفْ كي أبلَّ الريق ثانيةً
.. أكلُّ ثانيةٍ في ذاتها أبدُ
أزرى بيَ الأملُ الأفاكُّ يخدعني
.. فإنني في شقائي بتُّ أجتهدُ
في هذين النصين تتشكّل جدلية الحياة والموت من داخل تجربة شعرية يهيمن عليها الحزن، لا بوصفه انفعالًا عابرًا، وإنما باعتباره رؤية إلى الوجود يعاد من خلالها تفسير الميلاد والزمن والأمل والمصير. فالحزن هنا لا يقف عند حدود رثاء الفقد، بل يتحول إلى وعيٍ مأزوم بالحياة نفسها؛ إذ يبدو الشاعر كأنه يعيش الموت قبل وقوعه، ويختبر الفناء في لحظة الميلاد، ويرى الزمن قوةً تستنزف الإنسان حتى يغدو وجوده سؤالًا مفتوحًا بين بداية لم تكتمل ونهاية تتراءى باستمرار.
حيث يكشف النصان عن تجربة شعرية يتجاوز فيها الحزن وظيفته الانفعالية المباشرة ليصبح منظورًا فلسفيًا لرؤية الحياة والموت. فالشاعر لا يرثي الموتى بقدر ما يتأمل مصير الأحياء، ولا يتحدث عن النهاية وحدها، وإنما يبحث عن معنى البداية التي تقود إليها.
وقد أسهم الحزن في قلب العلاقات المألوفة بين الأشياء: فالميلاد يصبح تأبينًا، والحياة تدريبًا على الموت، والزمن خصمًا لا يرحم، والأمل خديعة، والوجود نفسه معرضًا للنسيان. وفي المقابل لا يظهر الموت باعتباره نهاية منفصلة عن الحياة، بل باعتباره حاضرًا في أعماقها منذ لحظة الميلاد.
ومن ثم فإن القيمة الفنية والفكرية للنصين تكمن في أن الشاعر خالد الغامدي لا يضع الحياة والموت في طرفي نقيض، بل يراهما متداخلين داخل التجربة الإنسانية؛ فالحياة، في ظل الوعي الحزين، ليست سوى رحلة نحو الموت، والموت ليس محوًا كاملًا، إذ قد يصبح مجالًا لاستعادة الاسم والذكرى والوجود الرمزي.
وبذلك يتحول الحزن من حالة نفسية إلى لغة وجودية، ومن انفعال عابر إلى رؤية شعرية تعيد مساءلة الزمن والمصير والهوية والمعنى. وهذه الرؤية هي التي تمنح النصين عمقهما، وتجعل جدلية الحياة والموت فيهما ليست موضوعًا شعريًا فحسب، بل سؤالًا إنسانيًا مفتوحًا: كيف يحيا الإنسان وهو يحمل في وعيه معرفة النهاية، وكيف يمنح وجوده معنى قبل أن يتحول إلى ذكرى؟
النص الأول
يا سائلًا يتحرّى عن خوافينا
.. ماذا نجيب به؟ إن الخوا فينا
هذا الفراغ ثقيلٌ رغم خفته
.. وطعمه كائنٌ في الريق غسلينا
إحماءة الموت تدريبًا لموعده
.. سهدًا وصبرًا وضنكًا طال تمرينا
نحن الذين خلقنا كي نموتَ فقط
.. ميلادنا صار فيما بعد تأبينا
نستعطف الوقت خوفًا من تسلطه
.. ويستشيط فلا رفقًا و لا لينا
نُنسى على الأرض والأيام تنحنا
.. حتى لتصبح إزميلًا و إسفينا
يا وقت هلّا تخطينا داوئرنا
.. أكل يومٌ يبيت المرء محزونا؟!
هبنا المصير تعبنا في المدى هدرًا
.. نمشي طريقًا من البأساء ملعونا
و الأفق أسود إذ يمتدُّ متشحًا
.. بالرعب لم يتّضح في وجهنا حينا
نسير كيف يريد التيه وجهتنا
.. هي الضلال فبئس القصد مضمونا
قلوبنا هي في الأحياء تهمتنا
.. وكيف نصنع كان الذنب تكوينا
**قصيدة .. ابحث عن اسمك في الأموات
النص الثاني
كأنّك اليومَ فوق الأرض ( لا أحدُ ) !
.. ابحث عن اسمك في الأموات قد تجدُ
فربّما متّ و الأيام شاهدةٌ
.. مما تراه من الأبعاد يُفتَقَدُ
وكيف ويحك تلقى الموت خاتمةً
.. و لم تكن قطَّ ممن قبلُ قد وُلِدَوا !
ما زلتُ أرتقب الميلاد منتظراً
.. و ما يزال مع الأقدار يبتعدُ
في هامشٍ مقفرٍ أُلفيتُني جذعاً
.. كزهرة القطن في الإعصار ترتعدُ
نشأت في الريح ما هبّت و ما ذهبتْ
.. ذهبتُ فيها و مالي في الضياع يدُ
رأيتُ نفسي إلى المجهول سارحةً
.. و أين أهرب مذعوراً وأمسِ غدُ
يا وقت قفْ كي أبلَّ الريق ثانيةً
.. أكلُّ ثانيةٍ في ذاتها أبدُ
أزرى بيَ الأملُ الأفاكُّ يخدعني
.. فإنني في شقائي بتُّ أجتهدُ
في هذين النصين تتشكّل جدلية الحياة والموت من داخل تجربة شعرية يهيمن عليها الحزن، لا بوصفه انفعالًا عابرًا، وإنما باعتباره رؤية إلى الوجود يعاد من خلالها تفسير الميلاد والزمن والأمل والمصير. فالحزن هنا لا يقف عند حدود رثاء الفقد، بل يتحول إلى وعيٍ مأزوم بالحياة نفسها؛ إذ يبدو الشاعر كأنه يعيش الموت قبل وقوعه، ويختبر الفناء في لحظة الميلاد، ويرى الزمن قوةً تستنزف الإنسان حتى يغدو وجوده سؤالًا مفتوحًا بين بداية لم تكتمل ونهاية تتراءى باستمرار.
حيث يكشف النصان عن تجربة شعرية يتجاوز فيها الحزن وظيفته الانفعالية المباشرة ليصبح منظورًا فلسفيًا لرؤية الحياة والموت. فالشاعر لا يرثي الموتى بقدر ما يتأمل مصير الأحياء، ولا يتحدث عن النهاية وحدها، وإنما يبحث عن معنى البداية التي تقود إليها.
وقد أسهم الحزن في قلب العلاقات المألوفة بين الأشياء: فالميلاد يصبح تأبينًا، والحياة تدريبًا على الموت، والزمن خصمًا لا يرحم، والأمل خديعة، والوجود نفسه معرضًا للنسيان. وفي المقابل لا يظهر الموت باعتباره نهاية منفصلة عن الحياة، بل باعتباره حاضرًا في أعماقها منذ لحظة الميلاد.
ومن ثم فإن القيمة الفنية والفكرية للنصين تكمن في أن الشاعر خالد الغامدي لا يضع الحياة والموت في طرفي نقيض، بل يراهما متداخلين داخل التجربة الإنسانية؛ فالحياة، في ظل الوعي الحزين، ليست سوى رحلة نحو الموت، والموت ليس محوًا كاملًا، إذ قد يصبح مجالًا لاستعادة الاسم والذكرى والوجود الرمزي.
وبذلك يتحول الحزن من حالة نفسية إلى لغة وجودية، ومن انفعال عابر إلى رؤية شعرية تعيد مساءلة الزمن والمصير والهوية والمعنى. وهذه الرؤية هي التي تمنح النصين عمقهما، وتجعل جدلية الحياة والموت فيهما ليست موضوعًا شعريًا فحسب، بل سؤالًا إنسانيًا مفتوحًا: كيف يحيا الإنسان وهو يحمل في وعيه معرفة النهاية، وكيف يمنح وجوده معنى قبل أن يتحول إلى ذكرى؟