يحيى بركات - حين تنجح الأفلام… ويبقى البيت مؤجلًا

من الصورة التي تبقى إلى سؤال المؤسسة في السينما الفلسطينية
الصديقة العزيزة د. غانية، شريكتي في هذا الحوار الذي يبدو أنه اختار ألا ينتهي،
تأخرتِ قليلًا هذه المرة، لكنك حين عدتِ لم تعودي إلى المكان الذي تركنا فيه الحوار.
تقدمتِ خطوة.
قرأت مقالك «من الصورة التي تبقى… إلى الصورة التي لم تأتِ بعد»، وشعرت أن المسافة بين الاقتصاد والسياسة والسينما التي تحدثتِ عنها في بدايته لم تعد موجودة تقريبًا. دخلتِ السينما، كما قلتِ، من باب التذوق، ثم دفعتك غزة وهذا الحوار إلى أسئلة الصورة والمؤسسة والتمويل والذاكرة والخيال. وأنا، الآتي من السينما، وجدت نفسي في الجهة الأخرى ألاحق المال والسوق والمؤسسة والسياسة لأفهم ماذا يحدث للصورة بعد أن تغادر يد صاحبها.
ربما لهذا طال الحوار بيننا.
كل واحد منا دخل غرفة الآخر، ثم اكتشف أن بين الغرف أبوابًا لم نكن نراها.
في مقالك الأخير التقطتِ الطفل الذي تركته في نهاية مقالي السابق. ذلك الطفل الذي تخيلته بعد خمسين عامًا يدخل إلى أرشيفنا، يشاهد أفلامنا، يعرف أصحابها وسياقاتها، ثم ينهض ويقول لنا: «رأيت أفلامكم. عرفت حكايتكم. والآن دعوني أصنع فيلمي أنا».
أخذتِ الطفل إلى مكان أبعد.
قلتِ، في جوهر ما كتبتِ، إن حماية ذاكرته لا تكفي. يجب أن نحمي حقه في أن يختلف معنا أيضًا. ألا يرث أفلامنا بوصفها وصية، ولا فلسطين بوصفها موضوعًا إلزاميًا، ولا الأرشيف بوصفه معنى مغلقًا. أن تكون أمامه إمكانية أن يصنع شيئًا لم نصنعه نحن، وأن يرى ما لم نره، وأن يبدأ من حيث انتهينا ثم يذهب إلى مكان لا نعرفه.
وهنا كانت إضافتك دقيقة وعميقة.
فالأرشيف، كما رأيتِه، لا يحفظ الماضي لكي يجمده، بل لكي يتركه مفتوحًا أمام قراءة جديدة. والتوثيق نفسه ليس مجرد نقل للواقع؛ فاختيار ما يدخل الصورة وما يبقى خارجها، ومن نتبعه، ومتى نصمت، وأين نقطع، كلها صناعة معنى. وهكذا لم يعد الخيال عندك نقيضًا للتوثيق، بل يسكن داخله منذ اللحظة الأولى.
ثم أخذتِ الفكرة إلى مكان أحببته أكثر.
إلى حرية الفلسطيني في ألا يكون مطالبًا، في كل مرة يحمل فيها الكاميرا، بأن يقدم شهادة جديدة على مأساته أو وثيقة أخرى تثبت وجوده.
أن يصنع فيلمًا عن الحرب.
أو فيلمًا لا تظهر فيه الحرب.
أن يعود إلى الذاكرة.
أو يهرب منها قليلًا.
أن يحلم.
أن يسخر.
أن يخطئ.
أن يغير رأيه.
وأن يصنع، ببساطة، فيلمه.
هنا يصبح الخيال نفسه مساحة حرية.
لكنني توقفت عند مكان آخر في مقالك.
عند «البيت».
كنت قد اقترحت في مقالي السابق بيتًا للصورة الفلسطينية: مدرسة للسينما، صندوق إنتاج، تدريب، مهرجان، توزيع، نقد، سينماتيك، أرشيف.
وأنت دخلتِ البيت وسألتِ سؤالًا أصعب:
ما الذي يمنع البيت من أن يصبح قفصًا؟
فالمؤسسة التي تمول تستطيع أن تحدد ما يستحق التمويل. والتي توزع تستطيع أن تحدد ما يصل. والتي تحفظ تستطيع أن تختار ما يستحق أن يبقى. وحتى المؤسسة التي تبدأ بحسن النية قد تجد نفسها، من حيث لا تقصد، ترسم حدود ما تسميه «السينما الفلسطينية».
ووصلتِ إلى جملة أراها من أهم ما جاء في مقالك:
وظيفة المؤسسة ليست أن تعرف مسبقًا أي سينما تريد، بل أن تخلق الشروط التي تسمح لسينما لم تكن تعرفها أن تظهر.
هنا، أعتقد، فتحتِ الباب الذي أريد أن ندخله الآن.
لكن قبل أن نسأل:
أي مؤسسة نريد؟
ربما علينا أن نسأل سؤالًا أسبق:
أين هي المؤسسة أصلًا؟
فالسينما الفلسطينية تحمل مفارقة غريبة.
لدينا أفلام.
ولدينا مخرجون.
ولدينا حضور في أهم المحافل السينمائية الدولية.
أفلام فلسطينية وصلت إلى كان وفينيسيا وبرلين وتورنتو وغيرها، وحملت أسماء مخرجيها وفلسطين معها. بعضها فاز، وبعضها أثار نقاشًا، وبعضها فتح أبوابًا لأفلام جاءت بعده.
ومع ذلك، حين نبتعد قليلًا عن الأفلام وننظر إلى المشهد كله، يظهر سؤال آخر:
هل نجاح الأفلام الفلسطينية يعني بالضرورة أننا نجحنا في بناء حركة سينمائية فلسطينية؟
هنا تبدأ المشكلة.
السينما، بطبيعتها، فن جماعي.
لكن السينما الفلسطينية، خصوصًا في العقود الأخيرة، عاشت إلى حد بعيد بوصفها سينما أفراد.
وأكاد أراها شارعًا طويلًا من الدكاكين.
لكل مخرج دكانه.
له مشروعه، ومنتجه، وعلاقاته، ومصادر تمويله، والمهرجانات التي يعرف أبوابها، وشبكة الأصدقاء والمنتجين والموزعين التي بناها عبر السنوات.
وبالتعبير المصري الجميل: كل واحد «مدكّن على دكانه».
لكن علينا أن نكون منصفين.
هذه الدكاكين نجحت.
بل ربما كانت، في مرحلة كاملة، هي التي أبقت السينما الفلسطينية حية.
في غياب البيت، بنى كل سينمائي لنفسه سقفًا.
وفي غياب الطريق، شق كل واحد طريقه.
وفي غياب المؤسسة القادرة، حمل المخرج مشروعه تحت ذراعه وطرق الأبواب وحده.
ومن مجموع هذه الجهود الفردية بقيت فلسطين حاضرة على الشاشات وفي المهرجانات، وظهرت أجيال وأصوات وتجارب مختلفة لا يستطيع أحد إنكار قيمتها.
المشكلة إذن ليست أن الدكاكين فشلت.
المشكلة أنها نجحت أكثر مما نجح الشارع الذي يجمعها.
وهنا تكمن المفارقة.
نجح الفيلم.
نجح المخرج.
وصلت الجائزة.
وصل الاسم.
لكن النجاح لم يتحول بالقدر نفسه إلى تراكم.
لم تصبح خبرة الفيلم الأول بالضرورة طريقًا أسهل للفيلم الثاني.
ولم تتحول خبرة مخرج إلى ذاكرة مؤسسية يستفيد منها مخرج آخر.
ولم تتحول الجائزة إلى بنية.
ولا الحضور الدولي إلى شبكة توزيع فلسطينية.
ولا عشرات الأفلام إلى أرشيف وطني قادر على حفظها وموادها وسياقاتها.
ولا النجاحات الفردية المتراكمة إلى صندوق إنتاج وطني مستدام.
ولا إلى سينماتيك.
ولا إلى مهرجان سينمائي فلسطيني وطني دولي مستقر، يحمل رؤية تتجاوز دورة مهرجان أو مبادرة شخص.
كانت هناك محاولات.
وأفكار.
ومبادرات.
ومؤسسات ظهرت واختفت.
ومشاريع أرادت بناء صندوق وأرشيف وسينماتيك ومهرجان وتدريب وتوزيع وتشريعات وبنية تحتية.
لكن معظم محاولات الانتقال من الفيلم إلى الحركة السينمائية ظلت أصعب بكثير من إنتاج الفيلم نفسه.
وهنا لا أريد أن أبحث عن متهم واحد.
فالقصة أعقد من ذلك.
الجهة المانحة تستطيع أن ترى الفيلم بسهولة: مشروع له ميزانية ومدة إنتاج ونسخة نهائية ومهرجان محتمل ونتيجة يمكن قياسها.
أما أن تمول بنية سينمائية فلسطينية مستقلة تعيش عشرين أو ثلاثين عامًا، فهذا شيء آخر.
الفيلم ينتهي.
أما المؤسسة، إذا نجحت، فإنها تبدأ عند انتهاء التمويل.
وربما لهذا كان المال الذي وجد طريقه إلى أفلام فلسطينية كثيرة أقل حماسة حين أصبح السؤال صندوقًا وطنيًا مستقلًا، أو أرشيفًا، أو سينماتيك، أو مؤسسة قادرة على رسم مسار طويل.
لكن المسؤولية ليست خارجية فقط.
لدينا نحن أيضًا مرآتنا.
فالفردية التي أنقذت السينما الفلسطينية في لحظة، أصبحت أحيانًا أحد عوائق تحولها إلى حركة.
حين يستطيع كل مخرج أن يجد طريقه منفردًا إلى المنتج والممول والمهرجان، تصبح الحاجة إلى الطريق الجماعي أقل إلحاحًا بالنسبة إليه.
وحين تصبح العلاقات جزءًا من رأس مال كل مخرج، لا تنتقل بالضرورة إلى الآخرين.
وحين تكون المؤسسة المشتركة قادرة على خلق مركز جديد للقوة، يبدأ الخوف منها قبل أن تولد.
من سيديرها؟
من يقرر؟
من يحصل على المال؟
من يدخل المهرجان؟
من يمثل السينما الفلسطينية؟
وتبدأ الأسئلة قبل أن يبدأ البناء.
ثم تأتي وزارة الثقافة.
والمفارقة هنا أشد.
فصندوق السينما والأرشيف والسينماتيك والمهرجان والتشريعات ليست مشاريع تنافس وزارة الثقافة. هي، في الأصل، من صميم المجال الذي يفترض أن ترعاه الدولة.
لكن المبادرة المستقلة قد تُقرأ أحيانًا بوصفها محاولة لأخذ مكان الوزارة، بدل أن تُرى بوصفها محاولة لبناء ما لا تستطيع الوزارة، بمواردها وظروفها، أن تبنيه وحدها.
فتجد السينما نفسها في منطقة غريبة.
الفرد يخشى المؤسسة.
المؤسسة الرسمية قد تخشى المبادرة المستقلة.
الممول يفضل المشروع المحدد.
والمخرج الناجح يستطيع أن يجد نافذته الخاصة إلى الخارج.
وتبقى الصورة أمامي واضحة:
الفيلم يسافر.
المخرج يسافر.
الجائزة تصل.
والمؤسسة تبقى في المطار.
ولهذا أعود إلى الطفل الذي بدأ هذه الجولة الجديدة من حوارنا.
لكي يستطيع ذلك الطفل بعد خمسين عامًا أن يقول: «دعوني أصنع فيلمي أنا»، لا يكفي أن نحميه من وصاية المؤسسة.
يجب أولًا أن نترك له مؤسسة.
وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحته أنتِ:
أي مؤسسة؟
بالتأكيد ليست مؤسسة تقرر له ماذا يصور.
ولا صندوقًا يضع تعريفًا جاهزًا لما هو «فلسطيني بما يكفي».
ولا وزارة تمنح الفيلم شهادة وطنية.
ولا مهرجانًا يعيد إنتاج الذائقة نفسها.
ولا جهة مانحة تستبدل شروطها بشروط المؤسسة المحلية.
بل بيتًا يعطي السينمائي ما يحتاجه لكي يكون حرًا.
المال.
المعرفة.
التدريب.
الأرشيف.
الاستوديو.
الشاشة.
المهرجان.
الوصول إلى العالم.
ثم يتراجع خطوة ويقول له:
أما الفيلم، فاصنعه أنت.
لكن حتى هذه الصورة الجميلة تحتاج إلى امتحان.
لأن التمويل لا يأتي بلا أفكار.
والسوق لا يأتي بلا ذائقة.
والمهرجان لا يأتي بلا اختيارات.
والصندوق لا يأتي بلا لجان.
ومع الوقت قد يحدث شيء أخطر من الشرط المكتوب في عقد التمويل.
قد يغادر الشرط ورقة الممول...
ويسكن رأس الفنان.
يبدأ السينمائي، قبل أن يكتب فيلمه، في معرفة أي مشروع يجد تمويلًا أسرع.
وأي موضوع يثير اهتمام السوق.
وأي فلسطيني يريد العالم أن يراه.
وأي صورة تصل بسهولة أكبر إلى المهرجان.
لا يطلب منه أحد صراحة أن يصنعها.
لكنه تعلم الطريق.
وهنا تصبح المسألة أكبر من التمويل المشروط.
تصبح خيالًا مشروطًا.
وهذا، في رأيي، أخطر.
لأنك تستطيع أن ترفض شرطًا مكتوبًا أمامك.
لكن كيف ترفض شرطًا أصبح جزءًا من طريقتك في التفكير؟
لهذا فإن المؤسسة التي نحلم بها لا يكفي أن تكون فلسطينية.
ولا يكفي أن يكون مالها فلسطينيًا.
ولا يكفي أن يديرها سينمائيون فلسطينيون.
امتحانها الحقيقي هو مقدار الحرية التي تستطيع أن تتحملها.
هل تستطيع أن تمول فيلمًا لا يعجبها؟
هل تستطيع أن تحمي مخرجًا يختلف معها؟
هل تستطيع أن تمنح المال لمشروع لا يقدم الصورة التي تتوقعها عن فلسطين؟
هل تستطيع أن تقبل فيلمًا فلسطينيًا لا توجد فيه النكبة ولا الاحتلال ولا المخيم ولا الجدار ولا الحرب؟
وهنا أصل إلى الفرق الهائل بين سؤالين يبدوان متشابهين:
هل نريد مؤسسة تصنع «سينما فلسطينية» كما تتصورها هي؟
أم نريد:
مؤسسة تجعل الفلسطيني حرًا في أن يصنع السينما؟
بين الجملتين تاريخ كامل لم نكتبه بعد.
فالسينما الفلسطينية لا تحتاج إلى إغلاق الدكاكين.
على العكس.
لتبقَ الدكاكين.
ولتزد.
وليكن لكل مخرج صوته وطريقه وشباكه المفتوح على العالم.
المطلوب ليس أن نضع الجميع تحت سقف واحد ثم نطلب منهم أن يتشابهوا.
المطلوب أن نبني الشارع.
أن تتحول خبرة الواحد إلى معرفة يستطيع الآخر الوصول إليها.
وأن يصبح نجاح الفيلم لبنة لا حادثة منفردة.
وأن تتحول العلاقات إلى شبكة.
والأفلام إلى ذاكرة.
والجوائز إلى فرص.
والتجارب إلى تراكم.
وأن يكون لدينا، بعد كل هذه السنوات، شيء نستطيع أن نسميه:
مسارًا.
لأن ما ينقص السينما الفلسطينية ليس الموهبة.
ولا الفيلم.
ولا المخرج.
ولا القدرة على الوصول.
لقد أثبتت وجودها في العالم مرارًا.
ما ينقصها هو أن تتحول هذه النجاحات المتفرقة إلى نهج ورؤية وتخطيط ومسار، من دون أن تتحول الرؤية إلى وصاية، أو التخطيط إلى بيروقراطية، أو المؤسسة إلى قفص.
وأعود أخيرًا إلى الطفل.
أراه يدخل بعد خمسين عامًا إلى بيت السينما الذي بنيناه.
يحمل فيلمه الأول.
يشاهده أعضاء اللجنة.
ينظر أحدهم إليه ويسأله:
أين فلسطين في فيلمك؟
يصمت قليلًا.
ينظر إلى الشاشة.
ثم إليهم.
ويقول:
أنا فلسطيني.
وهذا فيلمي.
لماذا تريدون مني أن أضع فلسطين في الكادر كي تصدقوا أنها موجودة؟
إذا استطاع بيت السينما أن يفتح له الباب بعد هذه الإجابة، فقد نجحنا.
أما إذا أغلقه، فلن يكون قد حفظ السينما الفلسطينية.
سيكون قد حفظ تعريفه لها.
وهنا، شريكتي في هذا الحوار، أرى الباب الجديد الذي فتحه مقالك أمامنا.
لم يعد السؤال فقط:
كيف نحفظ الصورة؟
ولا أين ستعيش؟
بل:
هل وظيفة المؤسسة الثقافية أن تحرس تعريفنا لأنفسنا… أم أن تحرس حريتنا في أن نعيد تعريف أنفسنا؟
ولعل الطفل الذي لم يأتِ بعد هو وحده من سيعطينا الجواب.
لكن مسؤوليتنا الآن أن نترك له الباب مفتوحًا.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
30/9/2026




1790744393611.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى