أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - هل نحن في حاجة إلى "شقة حريّة"

في عام 1994،صدرت رواية" شقة الحريّة" للروائي السّعودي الرّاحل الدكتور غازي القصيبي،معلنة صخباً كبيراً حولها؛إذ عدّها البعض سيرة ذاتية غير معلنة للقصيبي نفسه،في حين نفى ذلك بشدّة.وأيّاً كانت الحقيقة،فهذه الرّواية قد قدّمت رؤية خاصة وجريئة للمشهد العربي إبّان فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي،وهي فترة تموج بالعواصف الفكرية والسياسية والاجتماعية التي اجتاحت العالم العربي.
وهذه الرواية تدور حول أربعة من الأصدقاء يأتون من الخارج للدراسة في القاهرة التي كانت منارة العلم العربي في ذلك الوقت،ويعيش الأصدقاء في شقة واحدة يطلقون عليها اسم" شقة الحريّة" التي تحتضنهم طوال سنوات دراستهم،وفيها يمرون بتجارب حياتية وفكرية وإنسانية هي في ظاهرها تجارب فردية،ولكنّها في باطنها تحمل أشكال تجارب جمعية تكوّن أطياف المشهد الإنساني في ذلك الوقت.
والقصيبي يختار أن تبدأ روايته إبّان ذلك المدّ القومي العملاق الذي تزعّمه آنذاك الزّعيم المصري الرّاحل جمال عبد النّاصر،في ذلك الوقت كانت الأزمان مرهونة بالأحلام والآمال وأفكار الحريّة والإخاء والرّخاء المزعومة التي زرعها القادة في دنيا الأوهام،وأقنعوا بها الشّعوب الطّامحة لغدٍ يحمل الجديد،ثم كانت الصّدمة،وكان الخذلان.
فبطل الرواية البحريني فؤاد الطّارف الذي جاء إلى القاهرة محمّلاً بالإعجاب لجمال عبد النّاصر،ومسكوناً بأحلام الوحدة والقوة والمجد العربي يواجه بكثير من الإحباطات التي تقوده من فشل إلى آخر حتى في أن يجد حبيبة وفق ما يشتهي،ويجد نفسه يتنقل من حزب إلى آخر،وهو من يبغي حبيبة لا أفكاراً حزبية يكفر بها تماماً،ويعاين تجارب الجسد والعقل والروح،ويخلص إلى أن الحقيقة غائبة تحتاج إلى المزيد من البحث بأدوات العلم،فيسافر إلى أمريكا بحثاً عن الحقيقة عبر العلم،بعد |أن ركن زمناً إلى عقلية الأديب الحالم الذي يؤمّل نفسه بأن يجد السعادة البشرية فيما يكتب،وأن يرسم عوالمه وعوالم الآخرين بريشة الفنان الآمل.
أمّا عبد الكريم فهو يمثّل المحافظ المقهور الذي تستلبه العشيرة والتقاليد والدّين،فتملي عليه أنماطها الفكريّة والإنسانيّة والمعاشيّة،وعندما يخفق في التصالح مع هذه الأنماط،وينحاز إلى قلبه ورغباته،تلفظه العشيرة،وتتحالف ضده الأقدار،فتحرمه من أحلامه،فيتهالك في أحضان الضياع والشهوات إلى أن يجد طريقه للنجاة بالتمرّد على قيوده،والانتصار لذاته ولخيارته،فيتزوّج من المرأة التي يحبّها على الرّغم من رفض أهله لها.
في حين أنّ يعقوب الفقير المطحون في مجتمعه يحاول أن يبحث عن ذاته عبر الثقافة والتمرّد الدائم على معطياته وحياته،ويجرّب في رحلة تمرّده الكثير من أنماط الغضب والثورة والتقلّب في الأحزاب والأفكار والعقائد والنّظريات،ويدفع الثمن باهظاً لقاء تمرّده الذي يتخذه منهجاً في حياته لا وسيلة وأداة،فيسقط في وحل الرذيلة والانحطاط والضّياع والمطاردة،ثم يطرد بقرار سياسي من القاهرة بعد فصله من الجامعة.
وفي إزاء ذلك،يغرق قاسم البرجوازي المنحاز إلى أفكار طبقته الاستغلالية والطبقية إلى معادلة تتلخّص في تحصيل المتعة الجسدية وتحقيق الثراء،وفي سبيل ذلك يتحوّل إلى إنسان أناني استغلالي لا يعنيه من قضايا أمته،وأولويات مجتمعه سوى متعه ومصالحة،وبذلك تصبح قضية علاج عجزه الجنسي أهم من مجموع قضايا الأمة العربية المجتمعة.
وتنتهي تجربة الأصدقاء الأربعة مع" شقة الحريّة" باكتشافهم أنّ الحرية لا تعني اقتراف الذّنوب والخطايا والانجراف في مستنقعات الرّذيلة والفسق،بل تكمن في حق الإنسان في أن يختار مكونات ذاته وفق معطيات تكوينه،ورغبات نفسه المتمسّكة بالمحددات الأخلاقية والإنسانية،بعيداً عن تلك القوالب الجاهزة التي تستلب حرّية الإنسان،وتجعله نمطاً مسخاً مكروراً،لايجوز الخروج عنه.
ويبقى السؤال هل نحن في حاجة إلى شقّة حريّة" كي نكتشف ذواتنا،ونختار مصائرنا؟ ونشكّل حقائقنا،ونخلص إلى أولوياتنا؟ أم علينا أن نستفيد من تجارب الآخرين في سبيل تجاوز محن معاينة هذه التجربة؟

وتنتهي الرّواية بتحطّم آمال العرب بالوحدة،إذ ينهار الاتحاد بين سوريا ومصر،ويذعن جمال عبد النّاصر لهذا الانفصال،ويُصدم فؤاد بهذه التغيرات التي حطمت آماله في الحريّة والقوة،كما حطّمت صورة جمال عبد النّاصر في عينيه،ويسافر إلى أمريكا لمتابعة دراسته،ويمزّق آخر ورقة يملكها عن حركة القوميين العرب في إشارة رمزيّة واضحة إلى أنّه قد تنكّر تماماً لفكرة الأحزاب بعد أن اكتشف زيفها وتهافتها،وحلّق في البعيد نحو أفق جديد لعلّه يجد نفسه وحقيقته فيه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى