في تصريح لجاك دريدا يقول فيه: "عليّ، في القدس، أن أتحدث عن 'الأثر trace ' في علاقته باللاهوت السلبي - ولكن دون أن أقول شيئاً عن الأقرب: اليهودي والعربي".
إليكم مطلع محاضرة "كيف لا نتحدث" (Comment ne pas parler)، التي ألقاها جاك دريدا في القدس في حزيران 1986:
"حتى قبل مباشرة إعداد هذه المحاضرة، كنت على علْم أنني أرغب في الحديث عن 'الأثر' في علاقته بما يُسمى -أحياناً بشكل غير دقيق- 'اللاهوت السلبي'. وبشكل أدق، كنت أعلم أن عليّ القيام بذلك في القدس. إنما، ما طبيعة هذا الواجب هنا؟ وحين أقول إنني كنت أعلم بوجوب القيام بذلك حتى قبل النطق بالكلمة الأولى في هذه المحاضرة، فإنني أُشير بالفعل إلى أسبقية فريدة للواجب -واجبٌ يسبق الكلمة الأولى، هل هذا ممكن؟- وهي أسبقية يصعب تحديد موقعها، وربما تكون هي موضوعي اليوم" (النفس Psyché 2، ص 145).
وفي موضع آخر يكتب: "ما شأن اللاهوت السلبي وأشباحه في تقليد فكري لا هو يوناني ولا مسيحي؟ بعبارة أخرى، ما شأن الفكرين اليهودي والعربي في هذا الصدد؟ على سبيل المثال -وفي كل ما سأقوله- ربما يُترك فراغٌ ما، أو حيّزٌ لصحراء داخلية désert intérieur، هذا السؤالَ يتردد صداه. فالنماذج المعيارية الثلاثة التي سيتعين عليّ تحديد مواقعها سريعاً (والنموذج المعياري غالباً ما يكون نموذجاً للبناء) ستحيط بمساحة للرنين لن يُقال عنها شيء، أو لن يُقال عنها سوى القليل جداً" (النفس 2، ص 170). ويمضي أبعد من ذلك قائلاً: "لقد قررتُ إذن ألا أتحدث عن السلبية أو الحركات القائلة بالسلب (apophatic) في التقاليد اليهودية أو العربية. على سبيل المثال. ألم يكن تركُ هذه المساحة الهائلة فارغةً - ولا سيما ما قد يربط فيها اسمًا ما من أسماء الإله باسم 'المكان' (HaMakom) - والبقاءُ هكذا في الباحة الخارجية، ألم يكن ذلك ممارسةً للسلب (apophasis) بأقصى درجات الاتساق والعمق؟ أليس من الأفضل الصمتُ عما لا يمكن الحديث عنه؟ أترك لكم الإجابة عن هذا السؤال؛ فهو سؤالٌ متروكٌ دائمًا للآخر" (النفس 2، ص 190).
ويمضي أبعد بكثير قائلاً: "(وهذا دون الحديث، مرة أخرى، عن المتصوفة أو اللاهوتيات في التقاليد اليهودية أو العربية أو غيرها)" (النفس 2، ص 193).
إذن في هذا المكان - القدس - هناك ما لا يُتحدث عنه وما يتحدث عنه: اللاهوت السلبي. لقد كان يعلم منذ زمن طويل أنه في اليوم الذي سيذهب فيه إلى القدس، سيتوجب عليه الحديث عن هذا الأمر (ص 155). لماذا؟ إنه لا يفصح عن السبب، لكن الأمر يتعلق بالمكان، وبـ "حدوث المكان" أو "وقوعه". ثمة وعدٌ كامنٌ في اسم القدس، وهو وعدٌ لم يكفّ لاهوتيو اللاهوت السلبي (مثل مايستر إيكهارت وديونيسيوس الأريوباغي) عن الحديث عنه. ولعل هذا هو ما قاده، رغماً عنه، إلى ترديد عبارة "في العام المقبل في القدس" (ص 155). أيُّ وعدٍ هذا؟ ليس وعداً بالقول، بل خلاف ذلك: وعدٌ بالصمت، ووعدٌ بإخفاء ما لا يمكن البوح به. كان هذا الأمر يقود أولئك اللاهوتيين إلى الاتحاد الصوفي، أما بالنسبة لدريدا، فهو يقود إلى شيء آخر: إلى العدم، وإلى الرماد.
إنه يصرّ إذن، ويضيف علامات تنصيص/ اقتباس guillemets ، ويكرر القول، ويقودنا بيده نحو ما لا ينبغي له قوله، وما لا ينبغي له الحديث عنه - وذلك في غمرة حديثه عن ثلاث تقاليد أخرى: التقليد اليوناني (مفهوم "خورا: المكان" عند أفلاطون، وهو ليس مجرد تقليد يوناني عادي)، والتقليد المسيحي (ديونيسيوس الأريوباغي، ومايستر إيكهارت)، والتقليد الهايدغري (مفهوم "الكينونة المشطوبة" أو "المُعلَّمة بخط شطب") - وكأن هذا الأخير يمثل تقليداً قائماً بذاته. وهو ينأى بنفسه عن الانضواء تحت راية "اللاهوت السلبي"، لكنه يحدد بوضوح ذلك الموضع "الأبوفاتي" (السلبي/التنزيهي) الأقرب إليه. فما هو هذا الموضع؟ إنه يحدده صراحةً في إحدى الهوامش: "ولكن، لو قُدِّر لي يوماً أن أسرد قصتي، فلن يبدأ أي شيء في هذا السرد بالحديث عن 'الشيء ذاته' ما لم أصطدم بهذه الحقيقة: لم أتمكن قط - لقصور في القدرة أو الكفاءة أو لغياب الإذن الذاتي - من الحديث عما كان ينبغي لمولدي، كما يُقال، أن يمنحني إياه باعتباره الأقرب إليّ: اليهودي، والعربي" (كتاب *Psyché 2*، ص 170).
وهكذا، فإن هذا النص - الذي يتسم بقدر كبير من التجريد - هو نص سيريّ (يتعلق بسيرة ذاتية) رغم ما يبدو عليه من خلاف ذلك. بل إنه، على حد تعبيره، "الخطاب الأكثر 'سيريّةً' الذي جازفتُ بتقديمه على الإطلاق". وحين يقرأ المرء نصوصه الأخرى التي توصف بأنها سيريّة - بدءاً من *Circonfession* (اعترافات محيطة/ختان) ووصولاً إلى *Mémoires d'aveugle* (مذكرات أعمى/ مكفوف) - يجد نفسه أمام تساؤل: كيف يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر سيريّةً - أو أشدّ سيريّةً - من هذا النص؟ إن أقرب الأمور إليه هو "واجبٌ" ما؛ تلك الأسبقية الفريدة لواجبٍ يختار ألا يقول "شيئاً" عنه —على غرار اللاهوت السلبي، وربما كنوع من المنهج التعليمي كما يوضح ذلك في حديثه عن "مايستر إيكهارت"، أو لسبب آخر لا ينبغي له أن يتحدث عنه مباشرة. ولكن، لماذا يتعين عليه —تحديداً— أن يلقي هذا الخطاب في القدس؟ ولماذا كان عليه طرح هذا الخطاب في القدس بالذات؟ إنه لا يوضح ذلك، سوى أنه يمكننا افتراض أن هذا الأمر —أي ذلك المكان— يرتبط بما هو أقرب إليه، وبما يحرص في أن يبقي سره على ما هو عليه.
ملاحظة: العنوان من وضعي
والأصل هو:
يقول جاك دريدا: "في القدس، لا بد لي من الحديث عن الأثر في علاقته باللاهوت السلبي، دون التطرق إلى ما هو أقرب إلينا: اليهودي، والعربي."
Déclaration de Jacques Derrida : "Je dois, à Jérusalem, parler de la trace dans son rapport à la théologie négative - mais sans rien dire du plus proche : le Juif, l'Arabe"
والمصدر:
Jacques Derrida - "Psyché, Inventions de l'autre (tome 2)", Ed : Galilée, 2003, pp145, 170, 190, 193 - Comment ne pas parler?
جاك دريدا - "النفس: اختراعات الآخر (المجلد الثاني)"، دار النشر: غاليليه، 2003، ص 145، 170، 190، 193 - كيف لا نتحدث؟
بهذا الصدد صدر لي كتاب مترجم لجاك دريدا:
مقاومات في التحليل النفسي، دار الأمل الجديدة، دمشق، 2020 .
إليكم مطلع محاضرة "كيف لا نتحدث" (Comment ne pas parler)، التي ألقاها جاك دريدا في القدس في حزيران 1986:
"حتى قبل مباشرة إعداد هذه المحاضرة، كنت على علْم أنني أرغب في الحديث عن 'الأثر' في علاقته بما يُسمى -أحياناً بشكل غير دقيق- 'اللاهوت السلبي'. وبشكل أدق، كنت أعلم أن عليّ القيام بذلك في القدس. إنما، ما طبيعة هذا الواجب هنا؟ وحين أقول إنني كنت أعلم بوجوب القيام بذلك حتى قبل النطق بالكلمة الأولى في هذه المحاضرة، فإنني أُشير بالفعل إلى أسبقية فريدة للواجب -واجبٌ يسبق الكلمة الأولى، هل هذا ممكن؟- وهي أسبقية يصعب تحديد موقعها، وربما تكون هي موضوعي اليوم" (النفس Psyché 2، ص 145).
وفي موضع آخر يكتب: "ما شأن اللاهوت السلبي وأشباحه في تقليد فكري لا هو يوناني ولا مسيحي؟ بعبارة أخرى، ما شأن الفكرين اليهودي والعربي في هذا الصدد؟ على سبيل المثال -وفي كل ما سأقوله- ربما يُترك فراغٌ ما، أو حيّزٌ لصحراء داخلية désert intérieur، هذا السؤالَ يتردد صداه. فالنماذج المعيارية الثلاثة التي سيتعين عليّ تحديد مواقعها سريعاً (والنموذج المعياري غالباً ما يكون نموذجاً للبناء) ستحيط بمساحة للرنين لن يُقال عنها شيء، أو لن يُقال عنها سوى القليل جداً" (النفس 2، ص 170). ويمضي أبعد من ذلك قائلاً: "لقد قررتُ إذن ألا أتحدث عن السلبية أو الحركات القائلة بالسلب (apophatic) في التقاليد اليهودية أو العربية. على سبيل المثال. ألم يكن تركُ هذه المساحة الهائلة فارغةً - ولا سيما ما قد يربط فيها اسمًا ما من أسماء الإله باسم 'المكان' (HaMakom) - والبقاءُ هكذا في الباحة الخارجية، ألم يكن ذلك ممارسةً للسلب (apophasis) بأقصى درجات الاتساق والعمق؟ أليس من الأفضل الصمتُ عما لا يمكن الحديث عنه؟ أترك لكم الإجابة عن هذا السؤال؛ فهو سؤالٌ متروكٌ دائمًا للآخر" (النفس 2، ص 190).
ويمضي أبعد بكثير قائلاً: "(وهذا دون الحديث، مرة أخرى، عن المتصوفة أو اللاهوتيات في التقاليد اليهودية أو العربية أو غيرها)" (النفس 2، ص 193).
إذن في هذا المكان - القدس - هناك ما لا يُتحدث عنه وما يتحدث عنه: اللاهوت السلبي. لقد كان يعلم منذ زمن طويل أنه في اليوم الذي سيذهب فيه إلى القدس، سيتوجب عليه الحديث عن هذا الأمر (ص 155). لماذا؟ إنه لا يفصح عن السبب، لكن الأمر يتعلق بالمكان، وبـ "حدوث المكان" أو "وقوعه". ثمة وعدٌ كامنٌ في اسم القدس، وهو وعدٌ لم يكفّ لاهوتيو اللاهوت السلبي (مثل مايستر إيكهارت وديونيسيوس الأريوباغي) عن الحديث عنه. ولعل هذا هو ما قاده، رغماً عنه، إلى ترديد عبارة "في العام المقبل في القدس" (ص 155). أيُّ وعدٍ هذا؟ ليس وعداً بالقول، بل خلاف ذلك: وعدٌ بالصمت، ووعدٌ بإخفاء ما لا يمكن البوح به. كان هذا الأمر يقود أولئك اللاهوتيين إلى الاتحاد الصوفي، أما بالنسبة لدريدا، فهو يقود إلى شيء آخر: إلى العدم، وإلى الرماد.
إنه يصرّ إذن، ويضيف علامات تنصيص/ اقتباس guillemets ، ويكرر القول، ويقودنا بيده نحو ما لا ينبغي له قوله، وما لا ينبغي له الحديث عنه - وذلك في غمرة حديثه عن ثلاث تقاليد أخرى: التقليد اليوناني (مفهوم "خورا: المكان" عند أفلاطون، وهو ليس مجرد تقليد يوناني عادي)، والتقليد المسيحي (ديونيسيوس الأريوباغي، ومايستر إيكهارت)، والتقليد الهايدغري (مفهوم "الكينونة المشطوبة" أو "المُعلَّمة بخط شطب") - وكأن هذا الأخير يمثل تقليداً قائماً بذاته. وهو ينأى بنفسه عن الانضواء تحت راية "اللاهوت السلبي"، لكنه يحدد بوضوح ذلك الموضع "الأبوفاتي" (السلبي/التنزيهي) الأقرب إليه. فما هو هذا الموضع؟ إنه يحدده صراحةً في إحدى الهوامش: "ولكن، لو قُدِّر لي يوماً أن أسرد قصتي، فلن يبدأ أي شيء في هذا السرد بالحديث عن 'الشيء ذاته' ما لم أصطدم بهذه الحقيقة: لم أتمكن قط - لقصور في القدرة أو الكفاءة أو لغياب الإذن الذاتي - من الحديث عما كان ينبغي لمولدي، كما يُقال، أن يمنحني إياه باعتباره الأقرب إليّ: اليهودي، والعربي" (كتاب *Psyché 2*، ص 170).
وهكذا، فإن هذا النص - الذي يتسم بقدر كبير من التجريد - هو نص سيريّ (يتعلق بسيرة ذاتية) رغم ما يبدو عليه من خلاف ذلك. بل إنه، على حد تعبيره، "الخطاب الأكثر 'سيريّةً' الذي جازفتُ بتقديمه على الإطلاق". وحين يقرأ المرء نصوصه الأخرى التي توصف بأنها سيريّة - بدءاً من *Circonfession* (اعترافات محيطة/ختان) ووصولاً إلى *Mémoires d'aveugle* (مذكرات أعمى/ مكفوف) - يجد نفسه أمام تساؤل: كيف يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر سيريّةً - أو أشدّ سيريّةً - من هذا النص؟ إن أقرب الأمور إليه هو "واجبٌ" ما؛ تلك الأسبقية الفريدة لواجبٍ يختار ألا يقول "شيئاً" عنه —على غرار اللاهوت السلبي، وربما كنوع من المنهج التعليمي كما يوضح ذلك في حديثه عن "مايستر إيكهارت"، أو لسبب آخر لا ينبغي له أن يتحدث عنه مباشرة. ولكن، لماذا يتعين عليه —تحديداً— أن يلقي هذا الخطاب في القدس؟ ولماذا كان عليه طرح هذا الخطاب في القدس بالذات؟ إنه لا يوضح ذلك، سوى أنه يمكننا افتراض أن هذا الأمر —أي ذلك المكان— يرتبط بما هو أقرب إليه، وبما يحرص في أن يبقي سره على ما هو عليه.
ملاحظة: العنوان من وضعي
والأصل هو:
يقول جاك دريدا: "في القدس، لا بد لي من الحديث عن الأثر في علاقته باللاهوت السلبي، دون التطرق إلى ما هو أقرب إلينا: اليهودي، والعربي."
Déclaration de Jacques Derrida : "Je dois, à Jérusalem, parler de la trace dans son rapport à la théologie négative - mais sans rien dire du plus proche : le Juif, l'Arabe"
والمصدر:
Jacques Derrida - "Psyché, Inventions de l'autre (tome 2)", Ed : Galilée, 2003, pp145, 170, 190, 193 - Comment ne pas parler?
جاك دريدا - "النفس: اختراعات الآخر (المجلد الثاني)"، دار النشر: غاليليه، 2003، ص 145، 170، 190، 193 - كيف لا نتحدث؟
بهذا الصدد صدر لي كتاب مترجم لجاك دريدا:
مقاومات في التحليل النفسي، دار الأمل الجديدة، دمشق، 2020 .