مفاجأة القاهرة: هل تعيد قضية الأسرى والشهداء رسم أسئلة الحوار الوطني؟

مفاجأة القاهرة: هل تعيد قضية الأسرى والشهداء رسم أسئلة الحوار الوطني؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

كاتب وباحث في الشأن القانوني والسياسي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

قد لا تكون أهمية حوار القاهرة الفلسطيني في الملفات التي جرى إعدادها مسبقاً فقط، وإنما في القضايا التي قد تفرض نفسها على طاولة الحوار بحكم حساسيتها الوطنية والسياسية والقانونية والاجتماعية. ومن بين هذه القضايا ملف الأسرى والمعتقلين والمحررين والشهداء والجرحى، بما يحمله من رمزية وطنية وحقوقية وإنسانية، وما يرتبط به من أسئلة تتصل بالتشريع والمرجعية والاختصاص وآليات الإدارة والتمويل.

وفي هذا السياق، جرى تداول رواية عن نقاش في القاهرة بين أسرى محررين ومبعدين فلسطينيين والدكتور أحمد مجدلاني، رئيس مجلس أمناء المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي، حول قضية الأسرى والمعتقلين. وبحسب ما تم تداوله، جرى التأكيد على أن القضية «خط أحمر»، فيما نُسب إلى مجدلاني الرد: «احكوا مع الرئيس».

وبعيداً عن تفاصيل الرواية المتداولة، التي تستوجب التحقق من مصادرها المباشرة قبل إصدار أي حكم بشأنها، فإنها تفتح باباً مشروعاً من التساؤلات الوطنية والقانونية التي لا تستهدف شخصاً أو مؤسسة، وإنما تتعلق بمستقبل قضية تمس شريحة واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني.

فهل يمكن أن تكون قضية الأسرى والمحررين والشهداء والجرحى من الملفات التي تفرض نفسها على حوار القاهرة؟

وهل سيكون النقاش حول هذه القضية مالياً وإدارياً فقط، أم سيأخذ بعداً وطنياً وقانونياً يتعلق بالمرجعية التي تضع السياسات العامة وتحدد الحقوق وآليات حمايتها؟

وهل المطلوب هو إعادة النظر في آليات إدارة الدعم والحماية الاجتماعية، أم أن الأمر يحتاج إلى صياغة قانونية ومؤسسية أكثر وضوحاً تحفظ الحقوق، وتضمن الشفافية والرقابة، وتمنع في الوقت نفسه تحويل أصحاب الحقوق إلى أطراف في التجاذبات السياسية؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في ظل التطورات التشريعية الأخيرة المتعلقة بإعادة تنظيم منظومة الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي.

وهنا تبرز مسألة قانونية تستحق النقاش الهادئ: ما حدود القرارات أو المراسيم التي تصدر في غياب المجلس التشريعي؟ وهل يمكن أن تحل بصورة دائمة محل القانون الصادر عن السلطة التشريعية؟

فالقانون الأساسي المعدل لسنة 2003 ينص في المادة (43) على أن لرئيس السلطة، في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير وفي غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، على أن تعرض على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدورها، وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، كما تزول هذه القوة إذا عرضت على المجلس ولم يقرها.

وبالتالي، فإن النقاش القانوني لا ينبغي أن ينطلق من اعتبار المرسوم أو القرار بقانون بديلاً دائماً عن السلطة التشريعية، وإنما من السؤال حول حدود الاختصاص الدستوري، ومدى توافر حالة الضرورة، وآلية عرض ما يصدر بقوة القانون على الجهة التشريعية المختصة عندما تستأنف عملها.

ومن هنا، فإن غياب المجلس التشريعي المنتخب يطرح سؤالاً دستورياً وسياسياً لا يمكن تجاهله:

هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى إعادة تفعيل الحياة التشريعية والرقابية عبر انتخابات حرة، بما يعيد للسلطة التشريعية دورها الطبيعي في سن القوانين ومراقبة السلطة التنفيذية؟

وإذا كان الأمر يتعلق بقضايا ذات طبيعة وطنية تتجاوز الإدارة التنفيذية اليومية، فهل ينبغي أن تخضع كذلك لمناقشة المؤسسات الوطنية المختصة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ولا سيما المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي، وفق الصلاحيات والأنظمة النافذة؟

إن هذا التساؤل لا يعني القول إن كل قرار أو مرسوم يحتاج بالضرورة إلى المجلس الوطني، وإنما يقتضي التمييز بين التشريع الداخلي الذي يدخل في اختصاص السلطة التشريعية، والقضايا الوطنية والسياسية العليا التي ترتبط بمرجعيات منظمة التحرير ومؤسساتها واختصاصاتها.

وهنا تبرز قضية أوسع:

هل آن الأوان لإعادة تنظيم العلاقة المؤسسية بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والحكومة، بصورة تمنع تداخل الصلاحيات وتعدد المرجعيات؟

وهل يمكن أن يكون الفصل بين رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئاسة السلطة الفلسطينية أحد الخيارات المطروحة للنقاش في إطار إصلاح مؤسسي شامل، بحيث تبقى منظمة التحرير مرجعية وطنية جامعة، بينما تتولى الحكومة والمؤسسات التنفيذية إدارة الشأن العام وفق القانون؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف شخصاً بعينه، ولا يعني تبني موقف مسبق من أي مؤسسة أو مسؤول، وإنما يندرج في إطار البحث عن وضوح مؤسسي وقانوني يحصّن القرار الفلسطيني ويعزز سيادة القانون.

أما ملف الأسرى والشهداء والجرحى، فينبغي أن يبقى فوق التجاذبات السياسية والحزبية.

فهل يمكن إيجاد صيغة قانونية تجمع بين الخصوصية الوطنية لهذه القضية وبين متطلبات الحوكمة والشفافية والرقابة المالية؟

وهل يمكن ضمان حقوق الأسرى والمحررين والشهداء والجرحى وعائلاتهم من خلال تشريع واضح ومستقر، بدلاً من ترك الملف عرضة لتغير السياسات أو تعدد المؤسسات أو اختلاف التفسيرات؟

وهل يمكن أن يكون حوار القاهرة فرصة للتوافق على مبادئ قانونية ومؤسسية واضحة، بعيداً عن لغة التخوين أو الاتهام أو شخصنة الخلاف؟

كما أن الضغوط الإسرائيلية والدولية المتعلقة بالتمويل وأموال المقاصة والعلاقات المصرفية لا يمكن تجاهلها. لكن السؤال يبقى: كيف يمكن التعامل مع هذه الضغوط دون أن تتحول إلى مرجعية تحدد وحدها شكل القرار الفلسطيني؟

وهل تستطيع الأطراف الفلسطينية الوصول إلى صيغة تحمي النظام المالي وتراعي متطلبات الشفافية، وفي الوقت نفسه تحافظ على الحقوق الاجتماعية والوطنية للفئات المستفيدة؟

إن حوار القاهرة، إذا اتسع ليشمل هذه الأسئلة، لن يكون حواراً حول ملف واحد، وإنما نقاشاً حول شكل النظام السياسي الفلسطيني وآليات صناعة القرار والعلاقة بين المؤسسات والمرجعيات.

ولذلك، فإن القضية ليست فقط: من يدفع؟ بل أيضاً:من يقرر؟

وبأي قانون؟ وتحت أي مرجعية؟ومن يراقب؟ وكيف تُحمى الحقوق؟ وكيف يُضمن عدم استخدام قضية الأسرى والشهداء والجرحى في التجاذبات السياسية؟

ربما تكون هذه هي الأسئلة الأكثر إلحاحاً أمام حوار القاهرة.

فالهدف ليس فتح مواجهة مع مؤسسة أو مسؤول، ولا إصدار أحكام مسبقة على أي إجراء، وإنما الوصول إلى قاعدة قانونية ومؤسسية واضحة تحمي الحقوق وتصون الكرامة الوطنية، وتفصل بين الاختصاصات، وتضمن الرقابة والمساءلة، وتعيد الاعتبار لمبدأ سيادة القانون.

وفي النهاية، فإن قضية الأسرى والشهداء والجرحى أكبر من أن تكون مادة للخلاف السياسي، وأكبر من أن تختزل في بند مالي أو إداري.

فهل يستطيع حوار القاهرة تحويل هذه القضية من نقطة خلاف محتملة إلى فرصة لتأسيس توافق وطني وقانوني حول الحقوق والمرجعيات والاختصاصات؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي، ليس لشخص أو فصيل أو حكومة، وإنما لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على بناء قواعد مؤسسية تحمي الحقوق، وتصون المرجعيات، وتمنع تضارب الصلاحيات، وتضع القانون فوق الأشخاص والمؤسسات

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى