مروان البرغوثي ومانديلا وبن بلة.. هل يحول الأسر دون القيادة السياسية؟

مروان البرغوثي ومانديلا وبن بلة.. هل يحول الأسر دون القيادة السياسية؟

المحامي علي أبوحبلة

مع اقتراب الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، والاستعداد للانتخابات الرئاسية التي أعلن أنها ستجرى في الربع الأول من عام 2027، يعود إلى الواجهة سؤال يتجاوز اسم مروان البرغوثي إلى جوهر الشرعية السياسية الفلسطينية: هل يشكل الأسر، بحد ذاته، مانعًا قانونيًا أمام الترشح وتولي موقع سياسي منتخب؟

السؤال هنا ليس عن شخص بعينه، ولا عن موقف سياسي من مروان البرغوثي، وإنما عن قاعدة يجب أن تكون واضحة قبل الدخول في أي استحقاق انتخابي: هل المانع من الترشح مصدره القانون، أم التقدير السياسي؟

البرغوثي أعيد انتخابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» لعضوية اللجنة المركزية، وحصل وفق النتائج الرسمية المعلنة على أعلى الأصوات بين المتنافسين على عضوية اللجنة المركزية. وقد شارك في المؤتمر نحو 2595 عضوًا، تنافس 59 منهم على 18 مقعدًا.

هذه النتيجة لا تمنحه تلقائيًا حق ترؤس قائمة انتخابية أو الترشح للرئاسة، لكنها تؤكد أن الأسر لم يمنع، من الناحية التنظيمية، المؤتمر العام للحركة من إعادة انتخابه في موقع قيادي.

ماذا يقول القانون الفلسطيني؟

هنا تكمن أهمية العودة إلى النصوص، بعيدًا عن التسريبات والاجتهادات.

فالقانون الأساسي المعدل ينص في المادة 34 على أن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية يُنتخب انتخابًا عامًا ومباشرًا من الشعب وفقًا لقانون الانتخابات. كما حدد تعديل عام 2005 مدة الرئاسة بأربع سنوات، مع إمكانية إعادة الانتخاب لولاية ثانية وبحد أقصى ولايتين متتاليتين.

أما القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته، فيحدد شروط الترشح للرئاسة بصورة أكثر تفصيلًا. وتشمل: أن يكون المرشح فلسطينيًا مولودًا لأبوين فلسطينيين، وأن يكون قد أتم الأربعين من العمر يوم الاقتراع، وأن يكون مقيمًا إقامة دائمة في الأراضي الفلسطينية، وأن يكون مسجلًا في سجل الناخبين النهائي ومستوفيًا لشروط ممارسة حق الانتخاب، وأن يلتزم بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبوثيقة إعلان الاستقلال وأحكام القانون الأساسي.

ويحدد القانون كذلك حالات الحرمان من الترشح، ومنها الحرمان من حق الانتخاب، أو صدور حكم قضائي نهائي بحرمان الشخص من الترشح خلال مدة سريان الحكم، أو صدور حكم نهائي عن محكمة مختصة في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة. كما يشترط تقديم تأييد خطي من خمسة آلاف ناخب، مع استثناء من شغل منصب الرئيس في الفترة السابقة.

واللافت قانونيًا أن الأسر ليس واردًا، بذاته، ضمن الموانع المحددة للترشح للرئاسة.

وهذا لا يعني أن الأسير يصبح مؤهلًا تلقائيًا؛ فالمرشح يجب أن يستوفي جميع الشروط القانونية، كما أن مسألة ممارسة الصلاحيات فعليًا بعد الفوز تظل مسألة عملية ودستورية مختلفة عن مجرد أهلية الترشح.

التشريعي والرئاسة.. لا يجوز الخلط

في الانتخابات التشريعية المقبلة، خُفض سن الترشح إلى 23 عامًا وفق التعديلات الأخيرة، وأصبح النظام قائمًا على القوائم، مع اشتراطات قانونية تتعلق بالجنسية والإقامة والتسجيل في سجل الناخبين وعدم وجود أحكام مانعة وغيرها. كما أبقت التعديلات على الالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

والقانون يمنح لجنة الانتخابات المركزية صلاحية قبول طلبات الترشح أو رفضها، كما يتيح الطعن في قراراتها أمام محكمة قضايا الانتخابات.

وبالتالي، فإن ترؤس البرغوثي لقائمة «فتح» - إذا قررت الحركة اختياره - هو مسألة تجمع بين الأهلية القانونية والقرار التنظيمي. أما فوزه في الانتخابات، فهو شأن يقرره الناخب.

مانديلا وبن بلة.. التاريخ لا يمنح صكوك القيادة

تستحضر تجربة نيلسون مانديلا في هذا السياق، ليس باعتبارها سابقة قانونية فلسطينية، وإنما باعتبارها مثالًا تاريخيًا على أن السجن لا يعني بالضرورة نهاية الدور السياسي. فقد أمضى مانديلا أكثر من 27 عامًا في السجن، ثم خرج عام 1990، وانتُخب لاحقًا رئيسًا للمؤتمر الوطني الأفريقي، قبل أن يصبح عام 1994 أول رئيس لجنوب أفريقيا في مرحلة التحول الديمقراطي.

أما التجربة الجزائرية فتقدم مثالًا عربيًا أكثر قربًا من حيث سياق التحرر الوطني. أحمد بن بلة، أحد أبرز قادة الثورة الجزائرية وأول رئيس للجزائر بعد الاستقلال، كان قد أمضى سنوات في السجون الفرنسية بعد اعتقاله عام 1956، ثم خرج بعد استقلال الجزائر عام 1962، ليتولى رئاسة الحكومة، وينتخب رئيسًا للجمهورية عام 1963.

وهذه الواقعة مهمة في سياق النقاش؛ فهي تثبت تاريخيًا أن الاعتقال والسجن لم يكونا، في حد ذاتهما، حاجزًا دائمًا أمام انتقال شخصية سياسية من الأسر إلى موقع القيادة بعد تغير الظروف السياسية.

لكن المقارنة يجب أن تبقى في حدودها؛ فالتجارب الجزائرية والجنوب أفريقية تختلف عن النظام الدستوري الفلسطيني وعن واقع الاحتلال الإسرائيلي.

مروان البرغوثي.. أين تبدأ السياسة وأين ينتهي القانون؟

القضية إذن ليست في أن الأسر يمنح البرغوثي شرعية إضافية، ولا في أن الأسر يسقط عنه شرعية سياسية.

السجن لا يمنح شرعية، كما أن الحرية لا تمنح شرعية.

الشرعية الانتخابية مصدرها القانون وصندوق الاقتراع.

فإذا استوفى المرشح شروط القانون ولم يكن مشمولًا بأحد موانع الترشح المحددة بنص قانوني أو حكم قضائي نهائي، فإن إنشاء مانع آخر لمجرد وجوده في الأسر يحتاج إلى أساس قانوني واضح.

وفي المقابل، لا يجوز تحويل الرمزية النضالية أو الموقع التنظيمي إلى حق تلقائي في القيادة؛ فعضوية اللجنة المركزية لحركة «فتح» لا تعني تلقائيًا ترؤس قائمتها الانتخابية، كما أن الترشح لا يعني الفوز، والفوز لا يلغي متطلبات ممارسة الصلاحيات الدستورية.

الاختبار الحقيقي للانتخابات الفلسطينية

مع اقتراب استحقاق 28 تشرين الثاني، ومع التحضير للاستحقاق الرئاسي في الربع الأول من 2027، فإن قضية البرغوثي يمكن أن تطرح سؤالًا أكبر من شخصه: هل ستُدار الانتخابات الفلسطينية وفق قواعد قانونية معلنة ومتساوية على الجميع؟

المطلوب ليس تعديل القانون لصالح شخص، ولا تفسيره ضده.

المطلوب أن تكون القاعدة واحدة: القانون أولًا، والمؤسسات ثانيًا، والناخب أخيرًا هو صاحب الكلمة في الاختيار.

فإذا أجاز القانون الترشح، واستوفى المرشح شروطه، فلا ينبغي أن تُستحدث موانع سياسية غير مكتوبة. وإذا كان هناك مانع قانوني، فيجب إعلانه وتحديد أساسه وإتاحة الطعن فيه أمام الجهة القضائية المختصة.

هذه هي الضمانة الحقيقية للشرعية.

فالتاريخ يعلمنا أن السجون قد تفصل الإنسان عن موقعه، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحسم مستقبله السياسي؛ كما أن الخروج من السجن لا يمنح صاحبه تفويضًا دائمًا بالقيادة.

القيادة السياسية ليست امتيازًا يمنحه الأسر، ولا عقوبة تسلبها الحرية؛ إنها مسؤولية عامة لا تستمد مشروعيتها إلا من القانون والمؤسسات وإرادة الشعب.

وفي الحالة الفلسطينية، فإن الاختبار الأهم ليس: هل يستطيع الأسير أن يقود؟

بل: هل يستطيع النظام السياسي أن يحتكم إلى القانون عندما يتعلق الأمر بالقيادة والانتخابات؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن تجيب عنه الانتخابات المقبلة.

المحامي علي أبوحبلة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى