هناك حيل مالية لا تحتاج إلى أن تقول لك الدولة: خفضنا راتبك.يكفي أن تغيّر سعر الصرف.
يبقى راتبك كما هو على الورق؛ الرقم نفسه، والدرجة الوظيفية نفسها، وربما حتى عبارة «الراتب الاسمي» لم تتغير.
لكنك تكتشف بعد أيام أو أشهر أن ذلك الراتب الذي كان يكفيك لشراء حاجاتك الأساسية، لم يعد يفعل ذلك.
لماذا؟
لأن الرقم بقي ثابتاً، بينما قيمة الرقم تراجعت.وهنا تكمن الحيلة.
الدولة لا تقول للموظف: «سآخذ جزءاً من راتبك». وإنما تقول له، بصورة غير مباشرة: «سأغيّر سعر الصرف، وستتكفل الأسواق بالباقي».
يرتفع الدولار، ترتفع كلفة الاستيراد، ترتفع أسعار الغذاء والدواء والملابس والخدمات، ثم يبدأ المواطن بإعادة حساب حياته من جديد. الراتب نفسه، لكن الحياة أصبحت أغلى.
وهكذا يتحول الموظف إلى من يدفع الفاتورة بصمت.
المشكلة ليست في الراتب بوصفه رقماً، وإنما في القوة الشرائية لذلك الراتب.
قد يحصل الموظف على مليون دينار اليوم، كما كان يحصل عليها بالأمس، لكن السؤال الحقيقي ليس: كم ديناراً يستلم؟
السؤال هو: ماذا يستطيع هذا المليون أن يشتري؟
فالدينار الذي لا يستطيع أن يحافظ على قدرته الشرائية، يتحول تدريجياً إلى رقم محاسبي أكثر منه دخلاً حقيقياً.
وهنا تصبح قضية سعر الصرف قضية اجتماعية وليست مجرد قرار مالي أو مصرفي.
إنها تمس رغيف الخبز، وإيجار البيت، وفاتورة الكهرباء، والدواء، وتعليم الأبناء، والنقل، وكل تفاصيل الحياة اليومية.
بل بقي الراتب في كشف الراتب كما هو.
المشكلة أن اقتصاداً بهذا الحجم لا ينبغي أن يجعل راتب الملايين مرتبطاً بسعر برميل النفط، ولا أن يجعل قوتهم الشرائية رهينة بما يحدث في الأسواق العالمية أو في الممرات البحرية.
الموظف لم يختر هذا النظام الاقتصادي.
والمتقاعد لم يصنعه.
وصاحب الدخل المحدود لم يقرر أن تكون الدولة ريعية، وأن تكون الموازنة معتمدة على النفط، وأن يكون الاقتصاد ضعيف التنوع والإنتاج.
هرمز لم يصنع الأزمة .وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
حين يظهر خطر في مضيق هرمز، أو تتعطل حركة النفط، أو ترتفع كلفة الطاقة والنقل والتأمين، يبدأ العراقي بالقلق.وهذا طبيعي.
لكن علينا أن نفرق بين من كشف الأزمة ومن صنعها.
هرمز لم يصنع أزمة العراق.هرمز فضحها.
فضح اقتصاداً جعل ملايين العراقيين يعيشون على إيرادات مصدر واحد.
وفضح موازنةً جعلت الرواتب والنفقات العامة مرتبطة إلى حد كبير بما يأتي من النفط.
وفضح اقتصاداً ما زال يبحث عن بدائل حقيقية للإنتاج النفطي، وعن صناعة وزراعة وسياحة واستثمار قادر على حماية المجتمع عندما تهتز أسعار النفط أو تتعرض طرق تصديره للخطر.
مضيق هرمز ليس هو المشكلة العراقية.إنه فقط جعل المشكلة أكثر وضوحاً.
السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس:
ماذا فعل هرمز بالعراقيين؟
بل:من جعل رواتب العراقيين معلقة على هرمز؟
من جعل اقتصاد بلد يمتلك كل هذه الإمكانات يعيش على مورد واحد؟
من جعل الدولة أكبر رب عمل في البلاد؟
من جعل الملايين ينتظرون الراتب الحكومي في نهاية كل شهر؟
ومن جعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية تجاه كل اضطراب في أسعار النفط أو تصديره؟
هرمز لم يسرق رواتب العراقيين.
الذي جعل رواتبهم معلقة على هرمز هو الذي وضعهم في هذه الأزمة
ولهذا فإن الدفاع عن الراتب لا يكون فقط بالمحافظة على رقمه، وإنما بالمحافظة على قيمته الحقيقية.
فالراتب الذي يبقى مليون دينار، بينما ترتفع الأسعار بصورة تجعل المليون يشتري نصف ما كان يشتريه، هو في الحقيقة راتب جرى تخفيضه بطريقة غير مباشرة.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن نفهمها جيداً: قد لا تخفض الدولة راتبك... لكنها قد تسمح بأن تنخفض قيمته، ثم تتركك تكتشف بنفسك أن المليون الذي كان يكفيك بالأمس، أصبح اليوم بالكاد يعرّفك على السوق!
العراق ليس فقيراً بالنفط.لكنه فقير في تنويع مصادر قوته الاقتصادية.
وهذه مفارقة مؤلمة.
بلد يمتلك الزراعة، والمياه، والموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والثروة البشرية، والسياحة الدينية والأثرية، وإمكانات الصناعة والتجارة والخدمات، ما زال اقتصاده شديد الاعتماد على النفط.
ولهذا فإن كل أزمة في النفط تتحول سريعاً إلى قلق في البيت العراقي.
وكل اهتزاز في سعر الصرف يمكن أن يتحول إلى ارتفاع في الأسعار.
وكل تهديد لطريق تصدير النفط يمكن أن يتحول إلى سؤال عن الرواتب والموازنة.
لا تجعلوا المواطن شماعة الأزمة
لذلك فإن تحميل المواطن وحده كلفة الأزمات، مرة عبر ارتفاع الأسعار، ومرة عبر سعر الصرف، ومرة عبر الضرائب والرسوم، ليس إصلاحاً اقتصادياً بالمعنى الحقيقي.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من مكان آخر:
من اقتصاد ينتج.من صناعة تعمل.
من زراعة تحيا.من استثمار حقيقي.
من قطاع خاص قوي.من إدارة رشيدة للمال العام.
ومن دولة لا تجعل مستقبل ملايين الناس معلقاً على شاشة أسعار النفط أو على حركة ناقلة نفط تمر من مضيق بعيد.
رباط الكلام : ليست الحكاية أن الدولار ارتفع فقط.وليست الحكاية أن هرمز أصبح خطراً فقط.الحكاية أعمق من ذلك.
إنها حكاية اقتصاد جعل راتب الموظف مرتبطاً بالنفط، والنفط مرتبطاً بالسوق، والسوق مرتبطاً بممرات العالم، ثم طلب من المواطن أن يتحمل النتيجة عندما تهتز السلسلة كلها.
هرمز، لم يسرق راتب العراقي.
هرمز فقط كشف أن راتب العراقي كان، منذ البداية، معلقاً بخيط من النفط... وبخيط آخر يمتد إلى مضيق هرمز.
وسيكتشف ان هذه الدولة غارقة بالفساد والأزمات ...دولة لاتعرف ابجديات الاقتصاد ولا السياسة. فقط تعرف كيف تلفط جيوب الفقراء !
ياس خضير البياتي
يبقى راتبك كما هو على الورق؛ الرقم نفسه، والدرجة الوظيفية نفسها، وربما حتى عبارة «الراتب الاسمي» لم تتغير.
لكنك تكتشف بعد أيام أو أشهر أن ذلك الراتب الذي كان يكفيك لشراء حاجاتك الأساسية، لم يعد يفعل ذلك.
لماذا؟
لأن الرقم بقي ثابتاً، بينما قيمة الرقم تراجعت.وهنا تكمن الحيلة.
الدولة لا تقول للموظف: «سآخذ جزءاً من راتبك». وإنما تقول له، بصورة غير مباشرة: «سأغيّر سعر الصرف، وستتكفل الأسواق بالباقي».
يرتفع الدولار، ترتفع كلفة الاستيراد، ترتفع أسعار الغذاء والدواء والملابس والخدمات، ثم يبدأ المواطن بإعادة حساب حياته من جديد. الراتب نفسه، لكن الحياة أصبحت أغلى.
وهكذا يتحول الموظف إلى من يدفع الفاتورة بصمت.
المشكلة ليست في الراتب بوصفه رقماً، وإنما في القوة الشرائية لذلك الراتب.
قد يحصل الموظف على مليون دينار اليوم، كما كان يحصل عليها بالأمس، لكن السؤال الحقيقي ليس: كم ديناراً يستلم؟
السؤال هو: ماذا يستطيع هذا المليون أن يشتري؟
فالدينار الذي لا يستطيع أن يحافظ على قدرته الشرائية، يتحول تدريجياً إلى رقم محاسبي أكثر منه دخلاً حقيقياً.
وهنا تصبح قضية سعر الصرف قضية اجتماعية وليست مجرد قرار مالي أو مصرفي.
إنها تمس رغيف الخبز، وإيجار البيت، وفاتورة الكهرباء، والدواء، وتعليم الأبناء، والنقل، وكل تفاصيل الحياة اليومية.
بل بقي الراتب في كشف الراتب كما هو.
المشكلة أن اقتصاداً بهذا الحجم لا ينبغي أن يجعل راتب الملايين مرتبطاً بسعر برميل النفط، ولا أن يجعل قوتهم الشرائية رهينة بما يحدث في الأسواق العالمية أو في الممرات البحرية.
الموظف لم يختر هذا النظام الاقتصادي.
والمتقاعد لم يصنعه.
وصاحب الدخل المحدود لم يقرر أن تكون الدولة ريعية، وأن تكون الموازنة معتمدة على النفط، وأن يكون الاقتصاد ضعيف التنوع والإنتاج.
هرمز لم يصنع الأزمة .وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
حين يظهر خطر في مضيق هرمز، أو تتعطل حركة النفط، أو ترتفع كلفة الطاقة والنقل والتأمين، يبدأ العراقي بالقلق.وهذا طبيعي.
لكن علينا أن نفرق بين من كشف الأزمة ومن صنعها.
هرمز لم يصنع أزمة العراق.هرمز فضحها.
فضح اقتصاداً جعل ملايين العراقيين يعيشون على إيرادات مصدر واحد.
وفضح موازنةً جعلت الرواتب والنفقات العامة مرتبطة إلى حد كبير بما يأتي من النفط.
وفضح اقتصاداً ما زال يبحث عن بدائل حقيقية للإنتاج النفطي، وعن صناعة وزراعة وسياحة واستثمار قادر على حماية المجتمع عندما تهتز أسعار النفط أو تتعرض طرق تصديره للخطر.
مضيق هرمز ليس هو المشكلة العراقية.إنه فقط جعل المشكلة أكثر وضوحاً.
السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس:
ماذا فعل هرمز بالعراقيين؟
بل:من جعل رواتب العراقيين معلقة على هرمز؟
من جعل اقتصاد بلد يمتلك كل هذه الإمكانات يعيش على مورد واحد؟
من جعل الدولة أكبر رب عمل في البلاد؟
من جعل الملايين ينتظرون الراتب الحكومي في نهاية كل شهر؟
ومن جعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية تجاه كل اضطراب في أسعار النفط أو تصديره؟
هرمز لم يسرق رواتب العراقيين.
الذي جعل رواتبهم معلقة على هرمز هو الذي وضعهم في هذه الأزمة
ولهذا فإن الدفاع عن الراتب لا يكون فقط بالمحافظة على رقمه، وإنما بالمحافظة على قيمته الحقيقية.
فالراتب الذي يبقى مليون دينار، بينما ترتفع الأسعار بصورة تجعل المليون يشتري نصف ما كان يشتريه، هو في الحقيقة راتب جرى تخفيضه بطريقة غير مباشرة.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن نفهمها جيداً: قد لا تخفض الدولة راتبك... لكنها قد تسمح بأن تنخفض قيمته، ثم تتركك تكتشف بنفسك أن المليون الذي كان يكفيك بالأمس، أصبح اليوم بالكاد يعرّفك على السوق!
العراق ليس فقيراً بالنفط.لكنه فقير في تنويع مصادر قوته الاقتصادية.
وهذه مفارقة مؤلمة.
بلد يمتلك الزراعة، والمياه، والموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والثروة البشرية، والسياحة الدينية والأثرية، وإمكانات الصناعة والتجارة والخدمات، ما زال اقتصاده شديد الاعتماد على النفط.
ولهذا فإن كل أزمة في النفط تتحول سريعاً إلى قلق في البيت العراقي.
وكل اهتزاز في سعر الصرف يمكن أن يتحول إلى ارتفاع في الأسعار.
وكل تهديد لطريق تصدير النفط يمكن أن يتحول إلى سؤال عن الرواتب والموازنة.
لا تجعلوا المواطن شماعة الأزمة
لذلك فإن تحميل المواطن وحده كلفة الأزمات، مرة عبر ارتفاع الأسعار، ومرة عبر سعر الصرف، ومرة عبر الضرائب والرسوم، ليس إصلاحاً اقتصادياً بالمعنى الحقيقي.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من مكان آخر:
من اقتصاد ينتج.من صناعة تعمل.
من زراعة تحيا.من استثمار حقيقي.
من قطاع خاص قوي.من إدارة رشيدة للمال العام.
ومن دولة لا تجعل مستقبل ملايين الناس معلقاً على شاشة أسعار النفط أو على حركة ناقلة نفط تمر من مضيق بعيد.
رباط الكلام : ليست الحكاية أن الدولار ارتفع فقط.وليست الحكاية أن هرمز أصبح خطراً فقط.الحكاية أعمق من ذلك.
إنها حكاية اقتصاد جعل راتب الموظف مرتبطاً بالنفط، والنفط مرتبطاً بالسوق، والسوق مرتبطاً بممرات العالم، ثم طلب من المواطن أن يتحمل النتيجة عندما تهتز السلسلة كلها.
هرمز، لم يسرق راتب العراقي.
هرمز فقط كشف أن راتب العراقي كان، منذ البداية، معلقاً بخيط من النفط... وبخيط آخر يمتد إلى مضيق هرمز.
وسيكتشف ان هذه الدولة غارقة بالفساد والأزمات ...دولة لاتعرف ابجديات الاقتصاد ولا السياسة. فقط تعرف كيف تلفط جيوب الفقراء !
ياس خضير البياتي