عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

جاءني ذلك الباحث وفي عينيه سؤال صغير، لكنه كان متشعبا في بطون الكتب؛ كان يفتش بين المراجع والمصادر الفقهية عن جزئية فرعية تصل ما بين مناهج النقد في علم الحديث النبوي وأصول الفقه.
أجلسته، وبدأت أضع أمامه ما ظننته أقرب إلى سؤاله من الكتب والمراجع ؛ أخذ يتصفح العناوين في هدوء، بينما كنت أتنقل بين الرفوف، أنقّب في المظان، وأقلب صفحات الموسوعات، كمن يبحث عن إبرة ضائعة في كومة من الورق.
كلما عثرت على مرجع قلت في نفسي: لعل هذا هو الكتاب الذي جاء من أجله.
وحين عثرت أخيرا على مراجع أخرى، عدت مسرعا إلى المكتب ، فلم أجده ،كان قد غادر.!!
لم يخبرني، ولم يترك كلمة، ولا حتى إشارة صغيرة تقول إن صاحب السؤال قد اكتفى أو اضطر إلى الرحيل. ترك الكتب التي اقترحتها عليه مبسوطة فوق المكتب، ومضى ؛ وقفت لحظة أتأملها.
قلت في نفسي: لعل هاتفا مستعجلا اختطفه من بين الرفوف، أو ربما أمرا طارئا استدعاه، أو كان في رأسه سؤال آخر أكثر إلحاحا من ذلك الذي جاء يبحث له عن جواب.
لكنني، في الحقيقة، لم أرث لحاله بقدر ما رثيت لحال الكتب ، لأنها بدت لي فوق المكتب كأنها تُركت في منتصف حكاية، أو كأن قارئها استغنى عنها قبل أن تتمكن من التعرف إليه. كانت صامتة، لكنها بدت لي في تلك اللحظة وكأنها تسألني: ألم يقل إنه جاء من أجلنا؟
عدت إلى الرفوف، وأنا أفكر أن بعض القراء يتركون وراءهم أسئلة، وبعضهم يتركون شكرا، وآخرين لا يتركون شيئا إلا الكتب ، والمراجع وحدها، لا تعرف كيف تعاتب من يتركها ، فتظل فوق المكتب صامتة، تنتظر يدا أخرى تمتد إليها، وقارئا آخر يمنحها فرصة أن تقول ما لم تستطع قوله للذي رحل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى