الفاضلية.. حين يتحول الوفاء للمدرسة إلى صدقة جارية وبناء للوطن

الفاضلية.. حين يتحول الوفاء للمدرسة إلى صدقة جارية وبناء للوطن

إعداد: المحامي علي أبو حبلة

ليست المدرسة الفاضلية في طولكرم مجرد مبنى تعليمي عابر في ذاكرة أبناء المدينة، بل هي جزء من تاريخ التعليم الفلسطيني وذاكرة محافظة عُرفت بالعلم والعلماء. وتعود جذور المدرسة إلى أواخر العهد العثماني، قبل أن تتطور عبر العقود إلى مدرسة ثانوية خرّجت أجيالاً من أبناء فلسطين، كان بينهم الطبيب والمهندس والمحامي والأستاذ والباحث والعالم ورجل الأعمال والمسؤول، ممن حملوا اسم فلسطين إلى مواقع العلم والعمل داخل الوطن وخارجه.

ومن رحم هذا الإرث جاءت تجربة نادي خريجي الفاضلية، التي تحولت من رابطة تجمع الخريجين إلى مساحة للعطاء المنظم، ودعم الطلبة، والوقوف إلى جانب الأسر التي أثقلت كاهلها الظروف الاقتصادية.

وليس الحديث هنا عن فكرة نظرية؛ فقد قدّم النادي على مدى سنوات منحاً دراسية للطلبة المتفوقين وغير القادرين، واتسع نطاق المبادرة ليشمل طلبة من مدارس متعددة في محافظة طولكرم. وفي عام 2023، أعلن النادي تقديم منح لـ163 طالباً وطالبة، فيما بلغ مجموع المنح التي قدمها حتى ذلك الوقت 244 منحة كاملة وفق ما نقلته الجهات الرسمية.

وهنا تبرز أهمية القائمين على النادي، وفي مقدمتهم رئيسه الدكتور فتحي أبو عرجة، ونائب رئيسه المهندس عبد الفتاح الصويص، وسائر أعضاء الهيئة الإدارية والمتبرعين، وكل من أسهم في استمرار هذه المسيرة. ولهم جميعاً التحية والتقدير، مع الاعتذار ممن لم يتسنَّ لنا معرفة أسمائهم، فالعطاء لا يقاس بعدد الأسماء وإنما بما يتركه من أثر.

والدكتور فتحي أبو عرجة يقدم نموذجاً شخصياً لافتاً في ثقافة العطاء؛ إذ جرى مؤخراً توقيع اتفاقية لتمويل وإنشاء مدرسة جديدة في طولكرم بتبرع منه، تتسع لتسع غرف صفية ومرافقها وخدماتها، مع بحث إمكانية تمويل مدرسة أخرى.

وهذه ليست مجرد مساهمة مالية؛ إنها رسالة تقول إن بناء مدرسة هو بناء أجيال، وإن أفضل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد عمر من العمل هو أثر يستمر بعده.

أما المهندس عبد الفتاح الصويص، فقد كان حاضراً في مسيرة النادي ومن مبادراته تقديم المنح للطلبة، والدعوة إلى استمرار دعم الخريجين لناديهم ومدرستهم.

عشرون ديناراً قد تصنع مستقبلاً

هنا نطرح الفكرة ببساطة: ماذا لو أن كل خريج من خريجي الفاضلية، ممن يستطيعون، دفع للنادي عشرة أو عشرين ديناراً سنوياً؟

عشرة دنانير في السنة ليست عبئاً على من يستطيعها، وعشرون ديناراً قد تبدو مبلغاً صغيراً، لكنها حين تتجمع من آلاف الخريجين تصبح صندوقاً تعليمياً مستداماً قادراً على تمويل المنح، ومساعدة الطلبة المحتاجين والمتفوقين، ودعم المدارس، والمساهمة في بناء الغرف الصفية، وتوفير احتياجات تعليمية لا تستطيع الأسر الفقيرة تحملها.

وهذا هو معنى العمل الجماعي: أن يتحول المبلغ الصغير من يد الفرد إلى قوة اجتماعية كبيرة حين تتحد الأيدي.

وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.

وفي الحديث الشريف: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.

فما أجمل أن يجتمع العلم والصدقة الجارية في عمل واحد؛ أن يساهم الإنسان في تعليم طالب قد يصبح طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو عالماً، وأن يبقى أثر تلك المساهمة ممتداً في حياة إنسان وأسرته ومجتمعه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة» رواه مسلم.

من الفاضلية إلى فلسطين

إن الدعوة اليوم ليست فقط إلى دعم نادي خريجي الفاضلية، وإنما إلى تحويل تجربته إلى ثقافة وطنية فلسطينية.

لماذا لا تتبنى كل مدرسة عريقة في فلسطين نادي خريجين؟ ولماذا لا يصبح لكل مدرسة صندوق دعم تعليمي شفاف، يشارك فيه خريجوها داخل الوطن وفي الشتات؟

ولماذا لا تبادر النقابات والاتحادات والفعاليات والمؤسسات المهنية في محافظة طولكرم إلى حث أعضائها من خريجي الفاضلية على الانتساب إلى النادي، ودفع عشرة أو عشرين ديناراً سنوياً، كل بحسب قدرته؟

إن الطبيب يستطيع أن يدعم طالب طب، والمهندس يستطيع أن يساهم في تعليم طالب هندسة، والمحامي يستطيع أن يساعد طالب قانون، والأستاذ الجامعي يستطيع أن يفتح باب المعرفة أمام جيل جديد.

وهنا يصبح الخريج وفياً للمدرسة التي كانت يوماً بوابته الأولى إلى المستقبل.

لقد أدرك ابن خلدون أن التعليم وبناء الإنسان من أسس العمران، وأدرك الفلاسفة والمفكرون أن نهضة المجتمعات تبدأ من المدرسة قبل أن تبدأ من أي مؤسسة أخرى. وفي الفكر التربوي الحديث، ارتبط اسم جون ديوي بفكرة أن التعليم ليس نشاطاً منفصلاً عن الحياة، بل جزء من الحياة الاجتماعية نفسها.

أما فلسطين، فهي أحوج ما تكون اليوم إلى هذا الفهم.

ففي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، لا يجوز أن يتحول الفقر إلى حاجز يمنع طالباً متفوقاً من إكمال تعليمه. ولا يجوز أن تكون الحاجة المالية سبباً في ضياع موهبة يمكن أن تكون ذات يوم جزءاً من مستقبل الوطن.

الفاضلية أعطت فلسطين أجيالاً؛ وحان الوقت لكي يرد أبناؤها بعض الجميل.

إن المطلوب ليس من كل خريج أن يقدم آلاف الدنانير. المطلوب أن يشعر كل خريج بأن عليه مسؤولية، ولو بعشرة دنانير أو عشرين ديناراً في السنة.

ومن استطاع أن يقدم أكثر فله الشكر والأجر، ومن لم يستطع فباب الخير واسع.

وإذا استطاعت تجربة الفاضلية أن تنتقل إلى خريجي المدارس في نابلس والخليل والقدس وبيت لحم وجنين وقلقيلية وسائر محافظات الوطن، وإلى أبناء فلسطين في الشتات، فإننا أمام نموذج يمكن أن يتحول إلى شبكة أهلية وطنية لدعم التعليم.

فلسطين لا تحتاج إلى الشعارات وحدها؛ تحتاج إلى أفعال.

والمدرسة ليست حجارة وصفوفاً ومقاعد؛ المدرسة هي المكان الذي نصنع فيه الإنسان الذي سيحمل فلسطين غداً.

ولهذا فإن دعم التعليم ليس تبرعاً عابراً، بل استثمار في المستقبل، ووفاء للماضي، وصمود في الحاضر، وصدقة جارية للأجيال القادمة.

فليكن نادي خريجي الفاضلية بداية الفكرة، لا نهايتها.

وليتحول الوفاء للمدرسة إلى وفاء للوطن.

ومن يزرع علماً، يزرع حياة. ومن يبني مدرسة، يبني وطناً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى