إيزابيل باريانت - مفهوم الحياة الأخلاقية-النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود

Isabelle Pariente


" إيزابيل باريانت-بوترلين-جامعة إيكس-مارسيليا (Aix-Marseille Université)"

سأطرح سؤالاً قد يبدو ساذجاً فيما يتعلق بمجال "السيرة الذاتية" -وهو مجال أغامر بالخوض فيه بفضل الدعوة التي تشرفني من منظمي الندوة- سوى أنه سؤال جوهري في الفلسفة. سأقوم بما نجيده أكثر في الفلسفة، ألا وهو طرح الأسئلة. إذ منذ كتاب "الميتافيزيقا" (المقالة غاما) لأرسطو، نعلم أنه بغية التحدث عن موضوع ما -أو حتى لمجرد وجود موضوع يمكننا الحديث عنه- لا بد أن يتمتع هذا الموضوع بخصائص غير متناقضة. ذلك أننا بمجرد أن ننسب إليه خصائص متناقضة، فإننا نصبح عاجزين عن معرفة ما نتحدث عنه، وعاجزين عن الحديث عنه أصلاً. ثمة إذن مطلب أساسي وضعه أرسطو، يتمثل في وجوب الاتساق المنطقي cohérence logique لخطابنا حتى يتمكن من الإمساك بموضوع ما.
وهذا المطلب مُسلَّم به -وإن كان محل نقاش في الفلسفة المعاصرة- حيث يُنظر إليه عموماً، وفقاً لصياغة "كواين" (وهنا أقفز عبر عشرات القرون)، على أنه لا وجود لكيان دون هوية. وتكمن المشكلة في أن هوياتنا تتشكل عبر مسار وجودنا، وسط التناقضات وعمليات حلّها؛ ومع ذلك، فإن نموذج الاتساق هذا هو ما أود مساءلته في سياق حياتنا، إذ لا ريب في أن وجودنا ليس أحادي الدلالة، إنما يتعامل مع تناقضاته بأفضل ما يمكنه.
تكمن المشكلة في أن حياتنا لا تبدو مميَّزة بهذا الاتساق، ولكن هل ينبغي لها أن تكون كذلك؟ سأطرح هذه الأسئلة من منظور الفلسفة العملية؛ إذ ليس من البديهي أن نكون متسقين في المجال الأخلاقي. فمن المألوف التمييز بين ثلاثة فروع مختلفة للحياة الأخلاقية، ويُنظر إليها على أنها تشكّل بنيتها المتشعبة بالكامل.
هكذا، عندما يرغب المرء في أن يكون أخلاقياً -بافتراض وجود هذه الرغبة أصلاً-، فإنه قد يطرح على نفسه سؤالاً عما عليه فعله ويسلك طريق الواجب، أو يتساءل عما هو جيد أو جدير أو يستحق الإعجاب من الأفعال، أو يفكر في كيفية عيش حياة صالحة، أو يسعى إلى صياغة فضائله وتحسين ذاته.
ولتوضيح هذه الفروق، لنأخذ مثالاً شهيراً وهو "معضلة العربة" (Trolley Problem) -التي أدت إلى نشوء تخصص دقيق يُعرف بـ "تروليولوجيا" (trolleyology)-. صاغت فيليبا فوت هذه المعضلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكانت في مقام نموذج للتفكير في مواقف أكثر ثقلاً من الناحية النفسية، والتي تطلبت هيكلةً معينةً لحلها: وتتمثل المسألة في الاختيار بين تحويل مسار عربة تعطلت مكابحها نحو شارع ستقتل فيه شخصاً واحداً، أو تركها تواصل مسارها دون تدخل، مما سيؤدي إلى مقتل خمسين شخصاً. فهل نتدخل لأننا نختار إنقاذ عدة أشخاص مقابل التضحية بشخص واحد؟ في هذه الحالة، نكون من أنصار المذهب العواقبي (أو النفعي). أم نرفض قتل شخص واستخدام هذه الوسيلة لتحقيق مكسب أكبر؟ وحينها نكون من أنصار المذهب الأخلاقي القائم على الواجب (الديونتولوجيا).
لن أعود للخوض في هذه المسألة -التي تتسم بشيء من التجريد- والتي تهدف صراحةً إلى وضعنا أمام خيارٍ يضع تصورين أخلاقيين مختلفين ومتعارضين في كثير من الجوانب في كفة واحدة للمقارنة: أحدهما يحسب عواقب أفعالنا ويجيز لنا اختيار الفعل ذي العواقب المرغوبة، والآخر يُعلي من شأن النية لذاتها ويُقر بأن فعلاً ما قد يكون صالحاً من الناحية الأخلاقية رغم أنه قد يؤدي إلى عواقب لا نرغب فيها.
ومن منظور أخلاقي خالص، أميل إلى التأكيد على أن الأفراد يمتلكون حدوساً متباينة في مواقف كهذه؛ وهذا التباين لا يعني أن فريقاً منهم يتحلى بالأخلاق والآخر يفتقر إليها، لا يعني أن طرفاً يلتزم بمعايير صارمة في ممارساته بينما لا يلتزم الطرف الآخر بذلك، بل يعني أنهم لا يستجيبون بالطريقة ذاتها للسؤال الذي -بلا شك- يُشكّل محوراً للكثير من أنشطتنا وجهودنا، والذي أسهم ديريك بارفيت في تسليط الضوء عليه: "ما الأمر المهم؟ qu’est-ce qui importe ". وأميل إلى الاعتقاد بأن هذا السؤال هو الذي لا يسعنا إلا مواجهته، وأنه -في هذه الحالة على سبيل المثال- هو الذي يتيح لنا الحسم والمفاضلة بين الحلول المطروحة.
سوى أن الإشكالية تكمن في أننا -حيال هذه النقطة الجوهرية في حياتنا، وحيال ما يكتسب فيها أهمية ويمنحها مغزاها ويوجه مسارها (كالفصل بين المذهب العواقبي والمذهب الواجبي، على سبيل المثال)- لسنا قادرين، على ما يبدو، على تقديم إجابة قاطعة خالية من الإشكال. في الفلسفة العملية، يطرح هذا الأمر تساؤلاً حول ما إذا كنا خاضعين لضرورة عليا تتطلب الاتساق؛ فبمجرد اختيارنا لأسلوب الرد على سؤال "ما المهم" -أي هل نركز على العواقب أم على نية الفعل- هل نكون ملزمين بالتمسك بهذا النهج السلوكي؟ إذ ينبغي هنا إدخال هذا المفهوم تحديداً: فأفعالنا الفردية والخاصة ترسم مساراً شاملاً يمكننا وصفه بأنه "نهج السلوك ligne de conduite "؛ ولعل حقيقتنا وجوهر حياتنا -وهو ما يستحق السرد لو قُدِّر لحياتنا أن تُروى- يتجليان في هذا النهج أكثر من تجليهما في الأفعال الفردية ذاتها. ومن ثم، يمكننا بلا شك رصد تباين دلالي هام بين النوايا التي تحرك أفعالنا وبين المسار المجازي الذي ترسمه تلك الأفعال في العالم، وهو ما أود أن أطلق عليه اسم "النهج السلوكي". وتكمن المشكلة بالطبع في أن نهجنا السلوكي في الحياة -إن وُجد أصلاً- يتشكل عبر التناقضات. ولتوضيح ذلك، سأستشهد بالمشكلة التي طرحها ديفيد لويس في مقاله حول "النظريات الاستعدادية للقيمة les théories dispositionnelles de la valeur ": تخيل شرطياً أقسم يمين الولاء للدولة الأسترالية، لكنه يجد نفسه مضطراً لاعتقال صديق طفولته؛ وهما اللذان كانا قد تعاهدا، وهما طفلان، على مساعدة بعضهما بعضاً. واللافت هنا أن لويس لا يحلل الموقف باعتباره صراعاً بين واجبات متضاربة، بل يراه وضعاً يضطر فيه الشرطي -إذا أراد أن يكون صادقاً، سواء مع صديقه أو مع الدولة- إلى أن يكون غير صادق بطريقة أو بأخرى. فلو اخترنا أن يظل وفياً لعهده القديم منذ الطفولة، فإنه سيواجه اتهاماً بعدم النزاهة، بل سيُتهم بذلك بلا أدنى شك. ولكنه في الواقع ظلَّ وفياً لقسمه ونزيهاً.
يطرح هذا الأمر إشكالية الحادثة (أو الواقعة) التي نختارها لتكون دالةً على حياةٍ بأكملها. إذ يؤكد نيلسون غودمان، في كتابه "طرق صنع العوالم" (Manières de faire des mondes)، أن خصوصية ما يُسمى "الشذرة fragment" أو "الجزء" تكمن في حمله لجميع خصائص "الكل" الذي انبثق منه؛ ولهذا السبب، يمكننا - انطلاقاً من كسرةِ إناءٍ - إعادةُ تشكيل الإناء برمته، أو انطلاقاً من قطعةِ عظمٍ - إعادةُ تكوين الهيكل العظمي الذي كانت جزءاً منه.
ويبدو لي أن هذا هو ما يرمي إليه مارتن بوبر حين يوضح الفرق بين "القصة القصيرة" (أو الأقصوصة) و"الحادثة" (التي تضيء جانباً من الحياة)، وذلك في المقدمة التي كتبها لـ "الحكايات الحسيدية": "أُطلقُ اسم ’القصة‘ على سردِ مصيرٍ مُكثَّفٍ في حدثٍ واحد، بينما أُسمّي ’الحادثة‘ ذلك السرد لواقعةٍ محددةٍ وفريدةٍ تُجسِّدُ حياةً بأكملها. أما الحادثة الأسطورية، فهي تتجاوز هذه الحدود؛ إذ تكتسي فيها الواقعة الفريدةُ دلالةً تُعبِّر عن جوهر الوجود ذاته". غير أن الإشكالية التي يطرحها لويس تكمن في أن "الشذرة " قد تحمل أحياناً دلالةً عصيةً جداً على الإدراك، إلى درجة أنها قد تبدو مناقضةً لمعناه الحقيقي. فكيف يمكن فهم ذلك؟ وكيف نحدد - في خضم حياتنا - ما يمكن أن يلعب دور "الشذرة" الدالّة وما لا يمكنها ذلك؟ أميلُ إلى الاعتقاد بأن الأمر يتعلق، جزئياً، ببراعة كاتب السيرة؛ ولكن، ماذا يفعل هذا الكاتب بكل تلك الأجزاء "غير الدالة" التي تشكّل - رغم ذلك - نكهة الحياة وجوهرها تماماً كالأجزاء الأخرى؟ وهل يمكن القول إن سرد الحياة هو الكيفية التي تُحلُّ بها هذه التناقضات لرسم مسارٍ يتيح لنا، في المحصلة، رواية تلك الحياة؟
غير أنه ليس أمراً بديهياً أن تكون حياتنا كلاً متماسكاً تتيح أجزاؤه إمكانية التحديد واكتساب المعنى. والسؤال الذي أطرحه هنا هو: كيف يمكن دمج هذه الأجزاء -التي لا تتسق مع الكل- في هذا الكل ذاته؟ إن شذرة الفكر الخاصة بـ "توكفيل"، التي أشار إليها "باتريك دي ماسيو" بالأمس، تطرح -في تقديري- إشكالية انقطاع هذا التماسك. فنحن نصطدم هنا بالنموذج الذي تدافع عنه الفلسفة لتفسير "الإرادة"، وهو نموذج يقوم على تطابق الإرادة مع ذاتها؛ ومهما اختلفت صور هذا النموذج -إذ قد تتفاوت كثيراً، بدءاً من الاتساق المنطقي الذي يشترطه "كانط"، ووصولاً إلى ذلك التوافق شبه الجمالي للحركة الذي ينسبه "برغسون" للفعل الحر (مشبهًا إياه بتلك اللحظة التي يدرك فيها النحات أنه لم يعد بوسعه تعديل أي شيء في عمله، فيصبح هو وعمله في حالة توازن تام)- فإن الجوهر يظل واحداً.
وإذا ما وسّعنا نطاق الاحتمالات إلى أقصى حد، نجد -على النقيض من نموذج الاتساق هذا- ما نطلق عليه اسم "الأكراسيا" (أو ضعف الإرادة)؛ وهي لحظة مذهلة للغاية في حياتنا، يمكن التعبير عنها بالعبارة اللاتينية: *video meliora deterioraque sequor* (أرى الأفضل وأتبع الأسوأ). وتتخذ هذه الظاهرة صياغة جديدة -تُعدّلها بلا شك، وإن كنت لن أخوض هنا في تفاصيل المقارنة والفروق الدقيقة التي يتطلبها الأمر- مفادها: لدي كل الأسباب للقيام بـ "س" (X)، ومع ذلك أقوم بـ "ص" (Y). والكلمة التي تختزل الموقف برمته هنا هي تلك "المع" (أو "مع ذلك") الرائعة، التي تنتزع القرار وتجرّده من أي مبرر؛ إذ لم يكن لدينا أي سبب للقيام بما قمنا به، بل والأكثر من ذلك، كانت لدينا أسباب تدعونا للقيام بما لم نقم به. ومع ذلك، ودون أن يُنقص غيابُ الأسبابِ من الأمر شيئاً، اتخذنا موقفاً لم تكن لدينا أسبابٌ تدعونا لاتخاذه. يراودني تساؤلٌ عما إذا كانت هذه البنية "اللا-عقلانية" (أو التي تغيب فيها سيطرة العقل على الفعل) حالةً معزولةً أو نادرةً في حياتنا، أم أنها -على العكس من ذلك- شائعةٌ بما يكفي لتنافس لحظاتِ تناغمنا مع ذواتنا.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ينبغي لنا السعي وراء الاتساق في حياتنا؟ وهل يجب البحث عن هذا الاتساق في أفعال الفرد المحددة والمنفردة؟ أم يتعين علينا تعديل نموذج الاتساق -الذي يُعدّ بدوره عرضاً لمفهومٍ يغلب عليه طابع الإرادة المحضة فيما يخص قدرة الفرد على الفعل (الفاعلية)- واستبداله بمفهومٍ أكثر شموليةً يتعلق بـ "نهج السلوك"؟ وفي هذا السياق، يضعنا أرسطو أمام معضلةٍ دقيقة؛ إذ إننا لو عشنا حياتنا كلها شجعاناً، ثم واجهنا الموت دون شجاعة، فلن يعود بالإمكان الاستمرار في وصفنا بالشجعان.
باختصار، نحن نواجه -وفقاً لأرسطو- خطرَ نقضِ اتساق حياتنا حتى الرمق الأخير. ذلك أن الفلسفة بحاجةٍ ماسةٍ إلى فكرة الاتساق هذه -سواء تجلت في قرارٍ فرديٍّ محدد أو ظهرت بشكلٍ عامٍ في مسار السلوك- وذلك من أجل فهم طبيعة السببية التي يمارسها الذاتُ الفاعلةُ على العالم، والقراراتِ التي تتخذها استجابةً له. ويبقى أن نتساءل: ألا يُعدّ مطلب الاتساق هذا وهماً؟ وكيف ينبغي لنا التعامل مع حالات انقطاع الاتساق التي قد تعتري وجودنا أحياناً؟

Isabelle Pariente: Le concept de vie morale

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى