عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... عندما يصبح الكتاب الجديد ..خبرا

من أكثر المواقف غرابة في المكتبة ، أن يأتي باحث جامعي ليتصفح كتابا صدر حديثا، فيقلب صفحاته الأولى، ثم يتغير وجهه فجأة، كأن شيئا ثقيلا سقط على قلبه ؛ الباحث لا ينظر إلى الكتاب دائما بعين القارئ ، أحيانا ينظر إليه بعين من أفنى سنوات من عمره في البحث، وسهر الليالي وهو يحيط موضوعه بسياج من الصمت، يخفيه حتى عن أقرب الناس إليه، خوفا من أن يسبقه إليه أحد.
حدث ذلك اليوم مع باحثة جامعية ؛ كانت تحمل بين يديها كتاب "الدولة الاجتماعية في المغرب بين الطموح والإمكان" لمحمد خيي. وبينما هي تتصفح الكتاب، شعرت بدوار في رأسها، وطلبت أن تجلس على كرسي.
استراحت ، أخذت نفسا عميقا، ثم قالت لي بصوت يحمل صدمة لا تخطئها الأذن: هذا الكتاب صدمني.
سألتها: كيف يمكن لكتاب أن يصدم صاحبه؟
قالت وعلامات الحسرة بادية عليها : لأن هذا الباحث سبقني إلى اختيار موضوع بحثي ، لقد أفنيت فيه ليالي طويلة، أعيش على أمل أن أكون من أوائل من يطرقون هذا الباب ، احتفظت به وكأنه سر في بئر ، وكتمت فكرته بعناية، فإذا بي اليوم أكتشف أن شخصا آخر وصل إليه قبلي.
لم أجد ما أقوله ، وقفت أتأملها وأرمق الكتاب الذي كان قبل دقائق خبرا جميلا لقراء المكتبة، فإذا به يتحول في لحظة واحدة إلى خبر ثقيل على قلب باحثة ، وأقسى ما في الأمر أنها لم تكن تخشى المنافسة، وإنما كانت تخاف بأن تضيع معنى السبق ؛ لكنني أدركت أن الكتاب الواحد قد تكون له وجوه كثيرة ؛ فهو بلا شك مولود عزيز وفلذه كبد يعتز بها المؤلف ، و قد يراه قارئ فرصة للمعرفة، ولباحث ثمرة تجربة علمية، ويفرح به الناشر، ويحتفي به بائع الكتب، بينما يراه باحث آخر أمامه في تلك اللحظة، كأنه باب أغلق في وجه سنوات من البحث والتحصيل ، ففي عالم البحث العلمي، قد لا تكون الفكرة وحدها هي الثروة، وإنما لحظة الوصول إليها أيضا.
قلت في نفسي: ما أغرب مصائر الكتب!
كتاب واحد يدخل المكتبة فيكون بشارة لقارئ، وفتحا لباحث، ومكسبا لناشر، وموضوعا ليوميات بائع كتب... وقد يكون، في اللحظة نفسها، سببا في انكسار باحث كان يظن أن بين يديه فكرة لم يصل إليها أحد قبله.
فلم يعد الكتاب بالنسبة إلي مجرد كتاب جديد ، إنما صار شاهدا على حقيقة موجعة: في عالم المعرفة، قد يفرح أحدهم بوصولك إلى الفكرة، بينما يحزن آخر لأنك وصلت إليها قبله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى