هذه النصوص للكاتب العراقي رؤوف علوان اخترتها من كتابه( مباهج الموت).. الذي اتوقع ان يرى النور قريبا.
١
( كنت اقف عند نزلة شارع الطوسي متباعدآ عن ضجة الزوار والباعة الصغار واصوات التهليل المتتالي من حاملي الجنائز ورقابهم الراقصة.
فاطل الى المقبرة التي تمتد حتى بحر النجف. كانت الدروب الضيقة تموج برميم الاموات.. وتغرق القبور في سكون عدمي، وهي تكتم اسرارها. والسراديب افواه الحيات. تنفث روائح الموت ورطوبة العفن. وفي قعرها تطحن العظام.
راحت الشمس تغطس بالتدريج في سرداب الغروب. فقد انهت الاحتفاء بضيوف النهار الجدد.).
....يعتمد هذا المشهد الجنائزي على تصوير سينمائي قاتم يحفر في العتمات بؤرا تجسد العدم..
اولا دعنا نجرد المفردات عن سياقاتها الدلالية ونحصيها ونصنفها معجميا :
(القعر، تموج، رميم، بحر، القبور، تغرق، سكون، عدمي، تكتم، أسرارها، السراديب، أفواه، الحيات، تنفث، روائح، الموت، رطوبة، العفن، تطحن، العظام، تغطس، سرداب، الغروب، احتفاء، ضيوف، الرقاب، الراقصة، التهليل، ضجة، الدروب، ضيقة).
١ – معجم المدى والابتلاع
استخدم الكاتب مفردات توحي بالابتلاع، العمق، واللاإنتهاء، لتجسيد فكرة الخلود مقابل الفناء:
البحر / بحر النجف: توظيف الأفق المائي المفتوح مع المقبرة لإعطاء شعور بالاتساع الذي لا نهاية له.
القعر: النزول إلى القاع السفلي، حيث تنتهي الحياة ويبدأ التفكك.
تغرق: استخدام الحركة المائية للتراب والقبور لبيان كثافة الموت وغمرته.
تموج: إضفاء حركة موجية على «الرميم»، وكأن الموت بحرٌ آخر يتحرك تحت الأقدام.
٢– معجم الفناء والتفكك الجسدي
تتناول هذه المفردات تحول الجسد البشري من الحالة الحية إلى عناصر الطبيعة الأولى:
رميم / العظام / تطحن: مفردات تضرب على وتر التلاشي الصلب والميكانيكي للجسد، فالقعر ليس مكاناً للراحة بل "مطحنة" زمنية.
رطوبة العفن / روائح الموت: استدعاء حاسة الشم لتجسيد الواقعية المادية للمقبرة والتحلل.
ويمكن ان نجد تصنيفات معجمية اخرى ..
ولم يستخدم الكاتب سوى فعلين يحددان موقعه وحاله ( اقف ..متباعدا واطل الى) , ثم يبدأ التصوير الجنائزي.
في العراق وبسبب الاوبئة التي حصدت الالوف والحروب والاحتلالات المتتالية والانقلابات الفاتكة نرى في الفقد والموت فاجعة تزلزل الارواح.. لسنا مثلهم يأتون المقابر متأنقين وربما تفلت دمعات شحيحة يحملون باقة ورد... نحن ننصهر جزعا , بعض النساء تجز شعورهن واخريات لا يتخلين عن الرداء الاسود طيلة العمر ..نهيل التراب على الرؤوس ونشقق الجيوب .
وبعد كلّ إطلالةٍ على المقبرة، نرتدُّ محملين بجبالٍ من الأسى .. وقد ننسى او نتناسى وتمضي الحياة بدونهم , لكن كل حلم يذكر او ذكرى خاطفة او كلمة مقترنة نستعيد الفوران.
يحتل البحر ومشتقات مفرداته مساحة واسعة في النص :
يظهر البحر / بحر النجف/ رقعة واقعية وجغرافية حقيقية ..بعدها تنهال الانزياحات المعجمية : ( الدروب الضيقة تموج... والقبور تغرق ... والقعر مطحنة العظام ... والشمس تغطس ).
وفي قعرها تطحن العظام :
قد تُحيل هذه الصورةُ القارئَ إلى مشهدٍ ميكانيكيّ متجسّدٍ بآلات الطحن (كالمطاحن الحجرية، والأسطوانية، والمطارق، والكروية، والاهتزازية)؛ غير أن الكاتب لا يقصد الفعل الآلي الآدمي، بل يتجاوزه إلى التلاشي التجريدي، وسحق الجمال البشري ومسخه.»
. قد تحيلك هذه الصورة لمشهد آلي متجسدا بالمطاحن.
وتغرق القبور في سكون عدمي، وهي تكتم اسرارها ..نحن امام ذهن تساؤلي يستنطق المجهول..:
«فأولئك الذين غيّبهم العدم، أيَّ أسرارٍ يحملون؟ وأيَّ مباهجَ أُطفِئت، وكوارثَ جُمِّدت، وآمالٍ تحقّقت أو قُبرت معهم؟»
......
٢
هذا المقطع لوحة تهكمية وسريالية عن الموت لكنها سريالية واقعية :
(وملت يمينا. اساير سور المقبرة وانا اتذكر حكايا الموت التي تعكر المزاج, فقيل ان فلانا احترق في لحده لانه كان رفيقا حزبيا، وتابوت سقط من اعلى السيارة فقفزت منه كلبة تجري خلفهم مسرعة. فقد تجسدت صورة الفقيدة الباطنة اذ كانت ساحرة كما اعترف ابناؤها. وقد تنقل الملائكة روحها الى حضرموت.
ولكن الموت يبدو لصيقا بشغف الحياة.د فقد كان جارنا الطاعن في السن يتغرغر بلعومه، فاستقدمت بناته وكناته الدلالة، وطلبن منها في الفور ملابس داخلية جديدة. واخترن اللون الوردي والاحمر والحني. وبعد ساعة صرخن عاليا عند الباب وشققن ثيابهن لموته.
فيما وضع الرجل المولع بالخمرة والقمار الصوندة في است والد زوجته المسجى حتى انتفخت بطنه ثم سحب الصوندة فخرج منها الخراء.
وهو يضحك وزوجته تبكي لابيها المهان.
وحين وصلت بوابة مقابل گراج الاحياء لاحت المقبرة القديمة وانا امضي لزيارة قبر ابي وافكر ان ارسم وجه الموت بالكلمات الفضية وانقش على الشواهد المندثرة خارطة السير الى الغامض البعيد . لعلي اجد ظلي في المدافن وفي زحام الاسواق موتتي. اذ كانت حياتي تارجح بين خيال الموت ورحى الواقع.).
تجسد حادثة الجار الميت ومشتريات الملابس الداخلية ذات الألوان الصاخبة (الوردي والاحمر والحني) ذروة التهكم الأدبي؛ حيث تلتهم غريزة الاستمرار والزينة هيبة الموت قبل أن يجفّ رمق الميت، ليتحول الصراخ وتشقيق الثياب إلى مجرد "طقس مسرحي" مُعدّ سلفاً.
تدل حادثة الصوندة وما رافقها من ضحك وجنون على هتك مجازي لهيبة الاحتضار، وإشارة قاسية إلى ضراوة الواقع العراقي الذي ألِفَ الموت حتى أفقده قدسيته، وجعله مسرحاً للسخرية السوداء.
الصياد
٩ ايلول
٢٠٢٦
١
( كنت اقف عند نزلة شارع الطوسي متباعدآ عن ضجة الزوار والباعة الصغار واصوات التهليل المتتالي من حاملي الجنائز ورقابهم الراقصة.
فاطل الى المقبرة التي تمتد حتى بحر النجف. كانت الدروب الضيقة تموج برميم الاموات.. وتغرق القبور في سكون عدمي، وهي تكتم اسرارها. والسراديب افواه الحيات. تنفث روائح الموت ورطوبة العفن. وفي قعرها تطحن العظام.
راحت الشمس تغطس بالتدريج في سرداب الغروب. فقد انهت الاحتفاء بضيوف النهار الجدد.).
....يعتمد هذا المشهد الجنائزي على تصوير سينمائي قاتم يحفر في العتمات بؤرا تجسد العدم..
اولا دعنا نجرد المفردات عن سياقاتها الدلالية ونحصيها ونصنفها معجميا :
(القعر، تموج، رميم، بحر، القبور، تغرق، سكون، عدمي، تكتم، أسرارها، السراديب، أفواه، الحيات، تنفث، روائح، الموت، رطوبة، العفن، تطحن، العظام، تغطس، سرداب، الغروب، احتفاء، ضيوف، الرقاب، الراقصة، التهليل، ضجة، الدروب، ضيقة).
١ – معجم المدى والابتلاع
استخدم الكاتب مفردات توحي بالابتلاع، العمق، واللاإنتهاء، لتجسيد فكرة الخلود مقابل الفناء:
البحر / بحر النجف: توظيف الأفق المائي المفتوح مع المقبرة لإعطاء شعور بالاتساع الذي لا نهاية له.
القعر: النزول إلى القاع السفلي، حيث تنتهي الحياة ويبدأ التفكك.
تغرق: استخدام الحركة المائية للتراب والقبور لبيان كثافة الموت وغمرته.
تموج: إضفاء حركة موجية على «الرميم»، وكأن الموت بحرٌ آخر يتحرك تحت الأقدام.
٢– معجم الفناء والتفكك الجسدي
تتناول هذه المفردات تحول الجسد البشري من الحالة الحية إلى عناصر الطبيعة الأولى:
رميم / العظام / تطحن: مفردات تضرب على وتر التلاشي الصلب والميكانيكي للجسد، فالقعر ليس مكاناً للراحة بل "مطحنة" زمنية.
رطوبة العفن / روائح الموت: استدعاء حاسة الشم لتجسيد الواقعية المادية للمقبرة والتحلل.
ويمكن ان نجد تصنيفات معجمية اخرى ..
ولم يستخدم الكاتب سوى فعلين يحددان موقعه وحاله ( اقف ..متباعدا واطل الى) , ثم يبدأ التصوير الجنائزي.
في العراق وبسبب الاوبئة التي حصدت الالوف والحروب والاحتلالات المتتالية والانقلابات الفاتكة نرى في الفقد والموت فاجعة تزلزل الارواح.. لسنا مثلهم يأتون المقابر متأنقين وربما تفلت دمعات شحيحة يحملون باقة ورد... نحن ننصهر جزعا , بعض النساء تجز شعورهن واخريات لا يتخلين عن الرداء الاسود طيلة العمر ..نهيل التراب على الرؤوس ونشقق الجيوب .
وبعد كلّ إطلالةٍ على المقبرة، نرتدُّ محملين بجبالٍ من الأسى .. وقد ننسى او نتناسى وتمضي الحياة بدونهم , لكن كل حلم يذكر او ذكرى خاطفة او كلمة مقترنة نستعيد الفوران.
يحتل البحر ومشتقات مفرداته مساحة واسعة في النص :
يظهر البحر / بحر النجف/ رقعة واقعية وجغرافية حقيقية ..بعدها تنهال الانزياحات المعجمية : ( الدروب الضيقة تموج... والقبور تغرق ... والقعر مطحنة العظام ... والشمس تغطس ).
وفي قعرها تطحن العظام :
قد تُحيل هذه الصورةُ القارئَ إلى مشهدٍ ميكانيكيّ متجسّدٍ بآلات الطحن (كالمطاحن الحجرية، والأسطوانية، والمطارق، والكروية، والاهتزازية)؛ غير أن الكاتب لا يقصد الفعل الآلي الآدمي، بل يتجاوزه إلى التلاشي التجريدي، وسحق الجمال البشري ومسخه.»
. قد تحيلك هذه الصورة لمشهد آلي متجسدا بالمطاحن.
وتغرق القبور في سكون عدمي، وهي تكتم اسرارها ..نحن امام ذهن تساؤلي يستنطق المجهول..:
«فأولئك الذين غيّبهم العدم، أيَّ أسرارٍ يحملون؟ وأيَّ مباهجَ أُطفِئت، وكوارثَ جُمِّدت، وآمالٍ تحقّقت أو قُبرت معهم؟»
......
٢
هذا المقطع لوحة تهكمية وسريالية عن الموت لكنها سريالية واقعية :
(وملت يمينا. اساير سور المقبرة وانا اتذكر حكايا الموت التي تعكر المزاج, فقيل ان فلانا احترق في لحده لانه كان رفيقا حزبيا، وتابوت سقط من اعلى السيارة فقفزت منه كلبة تجري خلفهم مسرعة. فقد تجسدت صورة الفقيدة الباطنة اذ كانت ساحرة كما اعترف ابناؤها. وقد تنقل الملائكة روحها الى حضرموت.
ولكن الموت يبدو لصيقا بشغف الحياة.د فقد كان جارنا الطاعن في السن يتغرغر بلعومه، فاستقدمت بناته وكناته الدلالة، وطلبن منها في الفور ملابس داخلية جديدة. واخترن اللون الوردي والاحمر والحني. وبعد ساعة صرخن عاليا عند الباب وشققن ثيابهن لموته.
فيما وضع الرجل المولع بالخمرة والقمار الصوندة في است والد زوجته المسجى حتى انتفخت بطنه ثم سحب الصوندة فخرج منها الخراء.
وهو يضحك وزوجته تبكي لابيها المهان.
وحين وصلت بوابة مقابل گراج الاحياء لاحت المقبرة القديمة وانا امضي لزيارة قبر ابي وافكر ان ارسم وجه الموت بالكلمات الفضية وانقش على الشواهد المندثرة خارطة السير الى الغامض البعيد . لعلي اجد ظلي في المدافن وفي زحام الاسواق موتتي. اذ كانت حياتي تارجح بين خيال الموت ورحى الواقع.).
تجسد حادثة الجار الميت ومشتريات الملابس الداخلية ذات الألوان الصاخبة (الوردي والاحمر والحني) ذروة التهكم الأدبي؛ حيث تلتهم غريزة الاستمرار والزينة هيبة الموت قبل أن يجفّ رمق الميت، ليتحول الصراخ وتشقيق الثياب إلى مجرد "طقس مسرحي" مُعدّ سلفاً.
تدل حادثة الصوندة وما رافقها من ضحك وجنون على هتك مجازي لهيبة الاحتضار، وإشارة قاسية إلى ضراوة الواقع العراقي الذي ألِفَ الموت حتى أفقده قدسيته، وجعله مسرحاً للسخرية السوداء.
الصياد
٩ ايلول
٢٠٢٦