يحيى بركات - ماجد أبو شرار… الرجل الذي لم تتسع له غرفة في روما

رؤية : يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي



خمسة وأربعون عامًا من الغياب… وفلسطين تبحث عن رجال يشبهونه

في مطار بيروت كنت أنتظر جثمانه.

لم أكن أنتظر قائدًا عائدًا من مهمة، ولا صديقًا يحمل أخبار روما. كنت أنتظر رجلًا علّمني أن الاختلاف لا يلغي الانتماء، وأن الثورة التي تخاف من أفكار أبنائها تبدأ بالخوف من نفسها.

يومها قلت: كم من مناضل تيتم برحيله، وأنا واحد منهم.

لم أكن أعرف أن ذلك اليتم سيطول خمسة وأربعين عامًا.

ولم أكن أعرف أننا سنصل إلى زمن تصبح فيه بعض القيم التي عاش من أجلها ماجد أبو شرار أسئلة معلقة فوق حاضرنا الفلسطيني.

كان ماجد رجلًا يصعب اختصاره في لقب.

عرفه الناس كاتبًا ومفكرًا ثوريًا وقائدًا إعلاميًا في حركة فتح. لكن خلف تلك الصورة كان رجلًا آخر، يتحرك في مساحات العمل التنظيمي السري، عضوًا في لجنة الأرض المحتلة، يعمل مع أبي جهاد، وعضوًا في اللجنة المالية للحركة، حاضرًا في الدوائر التي تتقاطع فيها السياسة والتنظيم والمعلومة والمسؤولية.

لم يكن المثقف الذي يكتب عن الثورة من شرفة بعيدة.

كان داخلها.

يعرف تناقضاتها، ويشارك في قراراتها، ويتحمل أعباءها، ويحاول أن يحافظ على المسافة الضرورية بين الانضباط التنظيمي وحرية العقل.

عرفته وأنا شاب في السادسة والعشرين، في زمن كانت فيه الثورة الفلسطينية فضاءً واسعًا من الأفكار والتجارب والتيارات المتباينة.

لم تكن تلك المرحلة بلا أخطاء، ولا كانت مؤسساتنا خالية من الصراعات أو الممارسات الأمنية القاسية.

وأنا نفسي كدت أكون ضحية واحدة منها.

ذات يوم أخبرني ماجد أن أحد الأجهزة الأمنية في حركة فتح أراد اعتقالي، لأن معلوماته تقول إنني يساري وأعمل مع فصيل يساري.

كان الجهاز بحاجة إلى موافقته.

لكنه رفض.

ثم قال لي بنفسه:

«أنا أعرف أنك يساري. لا تخفِ ذلك عني. فأنا أيضًا يساري. وأنا من حماك، وقلت لهم إنك تعمل مع هذا الفصيل بتكليف مني».

تأملوا هذه اللحظة.

قائد في حركة فتح، عضو في لجنتها المركزية، يقف في وجه جهاز أمني داخل حركته ليحمي شابًا لا يخفي ميوله اليسارية.

لم يطلب مني تغيير أفكاري.

لم يطلب اعتذارًا عن قناعتي.

لم يعتبر الاختلاف خيانة.

بل جعل من موقعه القيادي حماية لي، لا سيفًا فوق رأسي.

وهنا يبدأ الجسر بين ماجد أبو شرار وفلسطين اليوم.

ليس لأننا نفتقد رجلًا رحل قبل خمسة وأربعين عامًا فحسب، بل لأننا نفتقد السؤال الذي جسّده في تلك اللحظة:

متى تكون المؤسسة الوطنية بيتًا يتسع لأبنائها، ومتى تتحول إلى باب يخشى أبناؤها الاقتراب منه؟

كيف أصبح الاختلاف بين الفلسطينيين، في بعض محطات حاضرنا، سببًا للقطيعة والتخوين والإقصاء، بعدما كان رجال مثل ماجد يرون فيه مساحة للحوار والعمل المشترك؟

كيف يمكن أن نتحدث عن الوحدة الوطنية ونحن لا نحتمل أحيانًا رأيًا مختلفًا داخل التنظيم الواحد؟

وكيف نطالب العالم بالاعتراف بحقوق شعبنا، إذا لم نُحسن نحن صيانة كرامة الإنسان الفلسطيني وحقه في التفكير والمساءلة والمشاركة؟

هذه الأسئلة ليست محاكمة لجيل بأكمله، ولا تبرئة لجيل مضى.

فالثورة التي عرفناها لم تكن مثالية.

كان فيها من أراد اعتقالي، وكان فيها ماجد الذي منع اعتقالي.

لكن الفارق أنني عرفت قائدًا يستطيع أن يقول للجهاز الأمني: لا.

في السادسة والعشرين من عمري انتُخبت رئيسًا للاتحاد العام للفنانين التعبيريين بسبعمئة وتسعين صوتًا من أصل ثمانمئة، ثم توليت رئاسة المكتب الحركي للفنانين، وشاركت في المؤتمر العام الرابع لحركة فتح في دمشق عام 1980.

كنت أعمل مع أبي العبد العكلوك، وماجد أبو شرار، وأبي جهاد، وسعد صايل، وأبي ماهر، وأبي خالد العملة، وأبي موسى، وأبي صالح، وأبي نزار، وبعلاقة مباشرة مع أبي عمار.

وقبل ذلك، ونحن طلاب، كنا نعمل مع قدري ويحيى يخلف وجمعة الناجي وكفاح.

لم يكن عمري يمنعني من الجلوس إلى هؤلاء الرجال، ولا من الاختلاف معهم، ولا من تحمّل مسؤوليات كبيرة.

وهنا يطل سؤال آخر من حاضرنا:

أين يقف الشباب الفلسطيني اليوم من صناعة القرار الوطني؟

هل نفتح أمامهم الأبواب لأنهم قادرون على التفكير والمبادرة، أم نطالبهم بانتظار دورهم حتى يفقدوا أجمل سنوات قدرتهم على العطاء؟

هل نريد منهم أن يكونوا شركاء في بناء المستقبل، أم مجرد جمهور يصفق لمن يتحدث باسمه؟

وأين موقع الفنان والمثقف والكاتب في مشروعنا الوطني اليوم؟

هل هو عقل حر يراجع ويقترح وينتقد، أم صوت يُستدعى عند الحاجة إلى بيان أو احتفال أو صورة؟

كان ماجد يفهم أن الثقافة ليست زينة للثورة.

وأن المثقف ليس موظفًا لتجميل أخطائها.

وأن فلسطين لا تحتاج إلى البنادق وحدها، بل إلى العقول التي تعرف لماذا تحمل البنادق، وإلى الضمير الذي يمنع البندقية من أن تتوجه إلى صدر صاحب الرأي المختلف.

في التاسع من تشرين الأول عام 1981، وصلت القنبلة إلى غرفة ماجد أبو شرار في فندق فلورا بالعاصمة الإيطالية روما.

رجل يدخل غرفة فندق، يحمل معه أوراقه وأفكاره ومواعيده، ولا يعرف أن الموت ينتظره في المكان الذي يفترض أن ينام فيه آمنًا.

من عرف رقم غرفته؟

من امتلك المعلومات عن تحركاته؟

من أوصل العبوة؟

ومن كان صاحب القرار الذي أراد إسكات هذا الرجل؟

بعد خمسة وأربعين عامًا ما زالت الأسئلة تلاحق الغرفة.

قرأت ما كتبته شقيقته وهي تعود إلى فندق فلورا، تبحث في تاريخه وتفاصيله، وتحاول أن تجد إجابات لم تحصل عليها العائلة طوال تلك السنوات.

لكن أكثر ما آلمني في كلماتها لم يكن وصف الفندق.

كان قولها إن عائلات الشهداء تُركت بإمكاناتها المتواضعة تبحث عما كان ينبغي أن تقوم به مؤسسات وطنية.

وهنا يظهر جسر آخر مع حاضرنا الفلسطيني.

كيف نطالب العالم بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن اغتيال قادتنا، بينما تظل عائلات كثيرة تبحث وحدها عن ملفات أبنائها؟

كم من جريمة اغتيال بقيت أسئلتها بلا إجابة؟

كم من وثيقة غابت؟

كم من شهادة لم تُسجل؟

وكم من ذاكرة وطنية ما زالت معلقة بين صورة على الجدار وحكاية تحتفظ بها أم أو أخت أو رفيق؟

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الاحتفالات التي تنتهي بانتهاء الكلمات.

نحتاج إلى مؤسسات تحفظ الوثائق، وتصون الشهادات، وتفتح الأرشيف، وتبحث عن الحقيقة، وتمنح الأجيال الجديدة حق معرفة تاريخها.

فالشهيد لا يُكرّم فقط بوضع صورته على منصة.

يُكرّم أيضًا حين نحمي الحقيقة من النسيان، وحين نمنع القيم التي عاش من أجلها من الموت بعده.

وأنا أقرأ كلمات شقيقة ماجد، عدت إلى مطار بيروت.

رأيت نفسي شابًا في مقدمة جنازته.

رأيت الوجوه التي كانت تحاول أن تستوعب أن الرجل الذي ملأ المكان بفكره وحضوره أصبح جثمانًا نحمله.

تذكرت كيف حماني عندما أراد جهاز أمني اعتقالي.

وتذكرت أن ماجد لم يطلب مني يومًا أن أكون نسخة منه.

كان يريدني أن أكون نفسي، وأن أكون فلسطينيًا ملتزمًا بقضية شعبه، حرًا في عقلي وضميري.

واليوم، ونحن نعيش واحدة من أشد مراحل تاريخنا الفلسطيني قسوة، وسط القتل والدمار والتهجير والانقسام والقلق على المصير الوطني، لا أستحضر ماجد هربًا إلى الماضي.

أستحضره لأواجه الحاضر بأسئلته.

أي فلسطين نريد أن نبني من تحت هذا الركام؟

فلسطين تتسع لتعدد أبنائها، أم فلسطين يطالب فيها كل طرف الآخرين بأن يشبهوه؟

فلسطين يكون فيها القانون فوق الأجهزة والفصائل، أم تتقدم فيها السلطة على الإنسان؟

فلسطين يكون فيها الشباب شركاء في القرار، والمثقفون أحرارًا في النقد، والمرأة شريكة كاملة في الحياة الوطنية، أم نعيد إنتاج الأخطاء نفسها بأسماء وشعارات جديدة؟

ليس مطلوبًا من الجيل الجديد أن يقلّد جيلنا.

بل من حقه أن يتجاوز أخطاءنا، وأن يسألنا عما فعلناه، وعما عجزنا عن فعله، وعما تركناه له من مؤسسات وحقوق وأحلام مؤجلة.

وإذا كان لذكرى ماجد أبو شرار أن تحمل معنى اليوم، فليس أن نطلب من الشباب أن يحفظوا أسماءنا وأسماء قادتنا.

بل أن نترك لهم وطنًا يستطيعون فيه أن يقولوا ما يفكرون به دون خوف.

خمسة وأربعون عامًا مضت.

ما زالت شقيقته تبحث عن الحقيقة في فندق فلورا.

وما زلت أبحث عن شيء آخر تركه ماجد في داخلي.

عن القائد الذي يرى في الشاب المختلف معه إنسانًا يستحق الثقة.

عن المثقف الذي لا يبيع عقله مقابل موقع.

عن المناضل الذي يعرف أن تحرير الوطن لا ينفصل عن كرامة الإنسان.

وعن حركة وطنية تستطيع أن تجمع أبناءها على فلسطين دون أن تصادر اختلافاتهم.

يا ماجد...

في مطار بيروت قلت إننا تيتمنا برحيلك.

واليوم، بعد خمسة وأربعين عامًا، أفهم أن اليتم لم يكن فقط فقدان رجل أحببناه واحترمناه.

كان الخوف من أن نفقد معه تلك القيم التي جعلتنا نؤمن بأن الثورة ليست طريقًا إلى السلطة، بل طريقًا إلى الحرية.

اغتالوا ماجد أبو شرار في غرفة بفندق فلورا.

لكن السؤال الذي تركه لنا لم يمت:

هل نستطيع أن نبني فلسطين التي كان يمكن لشاب يساري أن يقف فيها أمام قائد في فتح، فيقول له ما يفكر به، فيجيبه القائد: أعرف… ولهذا أثق بك؟

ذلك هو ماجد الذي عرفته.

وذلك هو ماجد الذي أفتقده.

وذلك هو ماجد الذي نحتاج إلى استعادة قيمه، لا الاكتفاء باستعادة ذكراه.

يحيى بركات
9/10/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى