علي سيف الرعيني -| نحو وعي تحرسه البصيرة !!

قد يسمع الإنسان فكرة جديدة فيستهجنها ويجادل ضدها وربما يسخر ممن يتبنونها لا لأنها خاطئة بالضرورة بل لأنها تصطدم بما اعتاده من أفكار وموروثات وتصورات مستقرة ثم تتكرر الفكرة أمامه في المجالس وعلى الشاشات وفي المقالات والمنشورات فيتراجع شعوره بالغربة تجاهها ويصبح قادرًا على الاستماع إليها دون انزعاج ثم يبدأ في مناقشتها وربما يجد فيها بعض الوجاهة حتى يصل إلى مرحلة يتبناها فيها بعد أن كان من أشد المعترضين عليها
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى فارق جوهري الألفة ليست دليلًا على الحقيقة والتكرار ليس برهانا على الصواب فقد نألف فكرة صحيحة فنزداد فهمًا لها وقد نألف فكرة مضللة حتى تفقد في أعيننا قدرتها على إثارة الشك وفي الحالتين لا يكون التكرار قد غيّر بالضرورة حقيقة الفكرة وإنما قد يكون غيّر الطريقة التي نستقبلها بها ومن هنا تتضح خطورة التلاعب بالوعي الجمعي حين تُقدم بعض الأفكار والمواقف بصورة متكررة ومدروسة حتى تتراجع حساسيتنا تجاهها ويصبح وجودها في المشهد العام أمرا عاديا بعد أن كان مستهجنا أو مرفوضا فبعض الخطابات لا تسعى إلى إقناع الإنسان من المرة الأولى وإنما تراهن على الزمن والتكرار وعلى قدرة الذاكرة على تحويل المألوف إلى شيء يبدو طبيعيًا حتى لوكان يستحق المراجعة والاعتراض
ولعل أخطر ما في الأمر أن الإنسان قد يظن أنه غيّر موقفه نتيجة تفكير مستقل بينما أسهم التعرّض المتكرر في تهيئة نفسه لتقبّل الفكرة وهذا لا يعني أن كل قناعة جديدة وليدة التأثير النفسي ولا أن الإنسان عاجز عن التفكير الحر بل يعني أن علينا أن نفحص مصادر قناعاتنا وأن نسأل أنفسنا بصدق: هل اقتنعنا بهذه الفكرة لأن أدلتها أقنعتنا أم لأننا سمعناها كثيرا حتى لم نعد نشعر بغرابتها؟
إن المجتمعات لا تتغير دائما عبر التحولات الكبرى والمواقف الصاخبة فكثير من التحولات تبدأ صغيرة في عبارة تتكرر أوصورة تتصدر المشهد أو موقف يجري تبريره مرة بعد أخرى حتى تتغير حدود المقبول والمرفوض في الوعي العام وقد يحدث ذلك في اتجاه إيجابي يحرر العقول من التعصب والانغلاق كما قد يحدث في اتجاه سلبي يطبع الناس مع الظلم أو الفساد أوانتهاك الكرامة إذا تكرر تقديم هذه الممارسات باعتبارها أمورًا عادية لا تستحق الاعتراض
ولذلك فإن الوعي الحقيقي لايعني أن نرفض كل جديد ولا أن نشكك في كل فكرة تتكرر أمامنا وإنما يعني أن نمنح أفكارنا حق الفحص وأحكامنا فرصة المراجعة وأن نميز بين ما أصبح مألوفًا وما أصبح صحيحا فليس من الحكمة أن نحكم على فكرة لمجرد غرابتها وليس من الحكمة أيضا أن نمنحها ثقتنا لمجرد أننا اعتدنا سماعها
إن العقل الناضج هو الذي يستطيع أن يتجاوز رهبة الجديد دون أن يفقد حذره وأن يستمع إلى المختلف دون أن يستسلم له وأن يراجع قناعاته بشجاعة دون أن يجعل التراجع عن الخطأ هزيمة لكرامته
وهنا نخلص بالقول ان المشكلة ليست في أن تتغير أفكارنا فالتغيير جزء من طبيعة المعرفة ونمو الوعي وإنما تكمن في أن تتغير دون أن نعرف لماذا تغيرت وأن نستبدل قناعاتنا القديمة بأخرى لم نختبرها لمجرد أنها أصبحت مألوفة على ألسنتنا وفي محيطنا
فكم من فكرة دخلت حياتنا غريبة ثم استوطنت عقولنا بالتكرار وكم من موقف بدأ بالرفض وانتهى بالتسليم لا لأن الحقيقة تبدلت بل لأن المسافة النفسية بيننا وبين الفكرة تقلصت
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا باستمرار ليس كم مرة سمعنا هذه الفكرة؟ بل ما الذي يجعلنا نؤمن بها؟ أهي قوة الدليل أم سطوة التكرار؟
فحين نمتلك الشجاعة لطرح هذا السؤال نكون قد بدأنا الخطوة الأهم نحو وعي لا تقوده الألفة وحدها ولا تصنعه كثرة التكرار بل تحرسه البصيرة ويهديه العقل وتثبته الحقيقة!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى