يحيى بركات - من زلزال الحدث إلى جغرافية الصدى من يصنع المشهد الأخير؟.. قراءة في مقالَي الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس وحوارها مع الكاتبة المغربية

من زلزال الحدث إلى جغرافية الصدى من يصنع المشهد الأخير؟.. قراءة في مقالَي الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس وحوارها مع الكاتبة المغربية نزهة الإدريسي

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

بدأ المشهد في غزة، لكنه لم يبقَ هناك.

في السابع من أكتوبر 2023 انكسر إيقاع كان يبدو مستقرًا. خرائط اقتصادية تُرسم، وممرات تجارية تُخطط، واتفاقيات تطبيع تُوقّع، وشرق أوسط جديد يجري ترتيبه بحيث تصبح إسرائيل جزءًا من بنيته الأمنية والاقتصادية، بينما تُدفع فلسطين تدريجيًا إلى خارج غرفة القرار، وتُختزل قضية شعب في ملف إنساني يمكن إدارته دون الحاجة إلى حلّه.

ثم وقع الحدث، واختلطت الخرائط بالدخان، ودخلت المنطقة والعالم في زمن آخر، فيما كانت غزة تدفع ثمنًا إنسانيًا وعمرانيًا فادحًا.

في مقالها «أبعاد طوفان الأقصى في مسار الصراع مع الاستعمار الاستيطاني والنظام الإقليمي»، تضع الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس يدها على تمييز بالغ الأهمية بين «التعطيل الاستراتيجي» و«المآل التاريخي». فالحدث يستطيع أن يوقف مسارًا أو يربك حسابات القوى التي تديره، لكنه لا يملك وحده أن يحدد ما سيأتي بعده. قد تتغير الخرائط، وقد يعيد أصحابها رسمها بأدوات أخرى.

وهنا تكمن قوة الفكرة: أن نقرأ السابع من أكتوبر خارج ثنائية النصر والهزيمة، وأن نرى ما أصابه من بنية الصراع دون أن نمنحه نتائج لم تتحقق بعد.

لكن التعطيل نفسه يحتاج إلى قراءة دقيقة. فليس كل طريق أُغلق يعني أن المشروع الذي كان يسير عليه قد انتهى. قد يتوقف قطار التطبيع عند محطة الحرب، ثم يعود بمسار آخر، وربما يحمل هذه المرة اسم السلام أو إعادة الإعمار أو الاستقرار الإقليمي.

ولذلك لا يكفي أن نسأل عما تعطل، بل عما بقي قائمًا، وما تغير في أدواته، ومن يملك القدرة على منع إعادة إنتاجه.

وتفتح د. غانية بابًا آخر حين تضع كلفة المواجهة إلى جانب كلفة استمرار المسار الذي سبقها. وهي محقة في رفض تصوير ما قبل السابع من أكتوبر كأنه زمن سلام ضائع. فقد كان الاستيطان يتمدد، وكانت الأرض تتفتت، وكانت الحقوق الفلسطينية تتراجع تحت غطاء إدارة الصراع.

غير أن التاريخ لا يمنحنا نسختين من الفيلم لنشاهد ما حدث وما كان سيحدث لو اتخذت الشخصيات قرارات أخرى. الكلفة التي وقعت نعرفها في البيوت المهدمة والأرواح المفقودة والمجتمع المنهك، أما الكلفة البديلة فتبقى تقديرًا لمسار محتمل. ولهذا ينبغي أن يظل السؤال عنها مفتوحًا، دون أن يتحول إلى تبرير للمأساة أو إلى إعفاء أي قيادة من مسؤولية قراراتها.

ثم جاءت الكاتبة المغربية نزهة الإدريسي لتفتح نافذة أخرى في المشهد.

لم تسأل فقط عما فعله الحدث بموازين القوى، بل عما فعله بالمجتمع الذي استقبله من بعيد. ومن هذه الزاوية ولدت فكرة «جغرافية الصدى» التي التقطتها د. غانية ووسعت بها حوارها.

هنا لم تعد المسافة بين غزة والمغرب تُقاس بالكيلومترات.

الصورة التي خرجت من غزة عبرت البحر، لكنها لم تصل إلى فراغ. وصلت إلى مجتمع له ذاكرته وأسئلته وتاريخه مع فلسطين، وله أيضًا علاقته الخاصة بدولته وخياراتها السياسية. ولذلك لم يكن التضامن مجرد تعاطف مع مأساة بعيدة، بل أصبح في قراءة نزهة الإدريسي مناسبة لإعادة طرح أسئلة السيادة والتطبيع واستقلال القرار والعلاقة بين الشارع والمؤسسة.

وأجد في هذه النقلة ما يستحق التأمل.

فالحدث التاريخي لا ينتقل إلى المجتمعات الأخرى كما هو. كل مجتمع يستقبله من نافذة ذاكرته، ويعيد قراءة معناه على ضوء تناقضاته. غزة التي يراها الفلسطيني من داخل الركام ليست غزة التي يراها المغربي من ساحة احتجاج، ولا التي يراها طالب في جامعة أوروبية أو أميركية. الصورة واحدة في أصلها، لكن الأسئلة التي توقظها متعددة.

وهنا تدخل الكاميرا نفسها إلى الحكاية.

فالذي عبر الحدود لم يكن الحدث العسكري وحده، بل صور الحرب التي أعقبته. الصحافي الفلسطيني، والطبيب، والأم، والطفل، والنازح الذي يحمل ما تبقى من بيته، جميعهم شاركوا في نقل غزة إلى العالم. ولم يكن كل من خرج متضامنًا قد تبنى موقفًا من السابع من أكتوبر، لكن كثيرين وجدوا أنفسهم أمام أسئلة لم تعد الصور تسمح بتأجيلها.

وهذا تمييز ضروري حتى لا ننسب إلى الحدث وحده كل ما صنعته الحرب، ولا نمحو من الصورة أصحابها الذين نقلوا المأساة إلى ضمير العالم.

لكنني أتوقف هنا أمام سؤال آخر: هل كل صدى يتحول إلى فعل؟

قد تمتلئ الشوارع، وترتفع الأعلام، وتصدر البيانات، ثم تعود المؤسسات إلى حساباتها القديمة. وقد يتغير وعي جيل كامل بينما تظل موازين القوة على حالها. فالصدى لا يقاس فقط بارتفاع الصوت، بل بما يتركه بعد أن تهدأ الساحات.

وهنا يصبح المغرب مدخلًا لدراسة أوسع، لا نموذجًا جاهزًا للتعميم. علينا أن نعود بالكاميرا بعد انفضاض المظاهرات، وأن نسأل: ماذا بقي في الجامعات والنقابات والأحزاب؟ هل تغيرت العلاقة بين المجتمع ومراكز القرار؟ وهل استطاع الوعي الجديد أن ينتج أدوات تأثير تتجاوز لحظة الاحتجاج؟

والأهم أن هذه الأسئلة لا تخص المغرب وحده.

ففي كل مكان وصلت إليه غزة، دخلت الصورة في حوار مع تاريخ مختلف. ولهذا فإن «جغرافية الصدى» قد تصبح مشروعًا فكريًا يتجاوز رصد التضامن إلى فهم ما تفعله فلسطين في وعي المجتمعات، وما تفعله هذه المجتمعات بدورها في السياسة.

وأحسب أن القيمة الجميلة في هذا الحوار أن د. غانية لم تغلق مقالها الأول عند حدود أطروحته، بل سمحت لمداخلة نزهة الإدريسي أن توسع مجال الرؤية. فالأفكار الحية لا تكبر عندما يكرر الآخرون ما قاله أصحابها، بل عندما يكشفون لهم ما لم يكن ظاهرًا في الكادر الأول.

ومع ذلك تبقى زاوية أرى أنها تستحق أن تدخل المشهد.

إذا كان التعطيل الاستراتيجي قد أعاد فلسطين إلى حسابات الإقليم، وإذا كانت جغرافية الصدى قد أدخلتها إلى أسئلة المجتمعات عن نفسها، فأين يقف الفلسطيني من كل هذا التحول؟

من يحول التعطيل إلى مشروع سياسي، والصدى إلى قوة تضامن مستدامة، والحضور العالمي إلى قدرة فلسطينية على تقرير المصير؟

فقد تصبح فلسطين أكثر حضورًا في ضمير العالم، بينما يبقى الفلسطيني أقل حضورًا مما ينبغي في صناعة مستقبله. وهذه مفارقة لا تستطيع الصور وحدها حلها، ولا تستطيع المظاهرات وحدها تجاوزها.

هنا تلتقي فكرتا التعطيل والصدى عند امتحانهما الحقيقي. فالأولى لا تكتمل بمجرد إرباك مشروع الخصم، والثانية لا تكتمل بمجرد إيقاظ وعي المجتمعات. كلتاهما تحتاج إلى قدرة منظمة تحول الإمكان إلى فعل، والفعل إلى أثر، والأثر إلى تغيير يمكن حمايته.

ولهذا لا أرى المشهد الأخير في غزة وحدها، ولا في الرباط، ولا في عاصمة بعيدة تتغير فيها لغة السياسيين.

أراه في المسافة بين هذه المشاهد جميعًا.

في اللحظة التي يصبح فيها الفلسطيني قادرًا على تحويل ما أحدثه صموده وما أحدثته مأساته من تحولات إلى مشروع وطني يشارك في صنعه، لا أن يظل مجرد موضوع لقرارات الآخرين.

لقد خرجت فلسطين من حدود الجغرافيا إلى مرايا العالم.

لكن المرآة، مهما اتسعت، لا تصنع المستقبل.

إنها تكشف الوجوه والخرائط والتناقضات، وتترك لمن يقف أمامها أن يقرر ماذا يفعل بما رأى.

ولعل السؤال الذي تتركه لنا الصديقتان د. غانية ملحيس ونزهة الإدريسي، وأضيف إليه سؤالي، هو:

إذا كانت فلسطين قد أصبحت مرآة ترى فيها المجتمعات تناقضاتها، فهل استطاع الفلسطيني نفسه أن يرى في هذه المرآة الطريق إلى إعادة بناء مشروعه الوطني؟

أترك الكاميرا أمام المرآة.

فالمشهد الأخير لم يُكتب بعد.

يحيى بركات
9/10/2026







FB_IMG_1791572846337.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى