يحيى بركات - حين استدار العالم… ووقفت نوبل إلى جانب العدالة

في أوسلو، لم تكن امرأة من جنوب أفريقيا تتلقى خبر فوزها بجائزة نوبل للسلام فحسب. كان شيء آخر يحدث، أبعد من الجائزة وأعمق من التصفيق. كأن نافذة فُتحت في جدار ظل طويلًا يحجب عن العالم رؤية ضحاياه، وكأن التاريخ الذي اعتاد أن يمنح أوسمته للأقوياء، التفت هذه المرة إلى امرأة أمضت حياتها في مساءلة القوة.
اسمها نافي بيلاي.
ولدت في جنوب أفريقيا حين كان لون البشرة يحدد مكان الإنسان في الحياة، وحين كان القانون نفسه يُستخدم لحراسة الظلم. اختارت أن تدخل إلى ذلك القانون، لا لتكون جزءًا من سلطته، بل لتفتح فيه ثغرة يدخل منها المظلومون. دافعت عن المعتقلين في زمن الفصل العنصري، ثم مضت إلى المحاكم الدولية حيث واجهت جرائم الإبادة في رواندا، قبل أن تجد نفسها، بعد عقود، أمام مأساة أخرى اسمها غزة.
لم تكن غزة محطة عابرة في سيرتها. فقد ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، وهي اللجنة التي خلصت في تقريرها الصادر في أيلول 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة.
هكذا وصلت امرأة بدأت حياتها في مواجهة الفصل العنصري إلى جائزة نوبل للسلام، بعدما وضعت توقيعها على واحدة من أخطر الخلاصات الحقوقية المتعلقة بدولة الاحتلال.
ولعل السؤال ليس لماذا فازت نافي بيلاي، بل لماذا يبدو فوزها اليوم حدثًا استثنائيًا إلى هذا الحد؟
منذ عقود، لم تكن جائزة نوبل للسلام بعيدة عن السياسة. فقد حملت أسماء قادة صنعوا الحروب ثم جلسوا إلى طاولات التفاوض، وأسماء أخرى ناضلت ضد الاستعمار والعنصرية. وكانت دائمًا مرآة لعصرها، بما فيه من توازنات ومصالح وتناقضات.
لكن ما يلفت النظر هذه المرة ليس أن الجائزة مُنحت لامرأة تدافع عن حقوق الإنسان، فقد حدث ذلك من قبل، بل أن هذه المرأة ارتبط اسمها مباشرة بمساءلة إسرائيل عن الإبادة في غزة، في لحظة ما زالت فيها القوى التي تحمي دولة الاحتلال تمتلك نفوذًا واسعًا داخل النظام الدولي.
هنا تصبح الجائزة أكثر من تكريم شخصي.
إنها تطرح سؤالًا عن التحول في المناخ الذي تُصنع فيه الشرعية الأخلاقية. فالمناهض للاستعمار لم يعد بالضرورة ذلك الصوت الذي ينبغي إسكاتُه أو دفعُه إلى هامش المؤسسات الدولية. والمدافع عن حقوق الفلسطينيين لم يعد بالضرورة مطالبًا بأن يخفف لغته كي يستحق الاعتراف.
هل بدأت المعايير تتغير؟ وهل صار ما كان يُعد خروجًا على الإجماع السياسي الغربي يجد لنفسه مكانًا داخل مؤسساته؟
ربما لا تزال الإجابة مفتوحة، لكن السؤال نفسه لم يكن مطروحًا بهذه القوة قبل سنوات.
ولكي ندرك معنى اللحظة، يكفي أن نضع صورتين في كادر واحد.
في الأولى، لجنة نوبل النرويجية تمنح جائزتها لقاضية دافعت عن استقلال القانون الدولي وواجهت جرائم الفصل العنصري والإبادة.
وفي الثانية، واشنطن تعلن عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية.
في يوم واحد، يظهر القانون الدولي في صورتين متناقضتين. يُكرَّم من يدافع عنه، وتُعاقَب مؤسسة تسعى إلى تطبيقه.
هل كان التوقيت مصادفة؟ قد لا نعرف ما دار في غرف القرار، لكننا نرى ما حدث أمامنا. فالسياسة لا تكشف معناها دائمًا في الوثائق السرية، بل أحيانًا في المشاهد التي تقع متجاورة، وفي التناقض بين ما تقوله القوى الكبرى عن العدالة وما تفعله عندما تقترب العدالة من حلفائها.
وهنا تعود إلى الذاكرة حكاية كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الذي طلب إصدار مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، قبل أن يدخل هو نفسه في قضية تأديبية انتهت بعزله من منصبه. قضية لها وقائعها وإجراءاتها المستقلة، لكنها جرت بينما كانت المحكمة تتعرض لضغوط سياسية وعقوبات بسبب تحقيقاتها.
لسنا أمام حكاية رجل واحد أو امرأة واحدة، بل أمام مؤسسات قضائية وحقوقية أصبحت هي نفسها جزءًا من الصراع على معنى العدالة وحدودها.
ومن نيويورك، كان صوت آخر يودع موقعه.
أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، يقف أمام الجمعية العامة في خطابه الأخير من ولايته. رجل أمضى عشر سنوات يشاهد الحروب تتسع، ومجلس الأمن يعجز، والقانون الدولي يصطدم بحق النقض ومصالح القوى الكبرى.
لم يكن خطابه مجرد وداع إداري. كان أقرب إلى شهادة رجل رأى العالم الذي تسلمه يتغير أمام عينيه، ورأى المؤسسات التي يفترض أن تحمي السلام عاجزة عن حماية كثير من ضحايا الحروب.
تحدث عن تحول موازين القوة، وعن عالم تتسع فيه الانقسامات، وعن ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية كي تستطيع مواجهة المستقبل.
وفي خلفية المشهد كانت غزة حاضرة، لا بوصفها مأساة إنسانية وحدها، بل اختبارًا لقدرة العالم على احترام القواعد التي وضعها لنفسه.
فماذا يبقى من القانون إذا كان تطبيقه يتوقف عند حدود مصالح الأقوياء؟ وماذا يبقى من العدالة إذا كانت هوية المتهم تحدد ما إذا كان سيخضع لها؟
هذه الأسئلة لم تولد مع غزة، لكنها أصبحت أكثر إلحاحًا معها.
ولعل هذا ما يجعل جائزة نافي بيلاي جزءًا من مشهد أوسع بدأ يتشكل خلال السنوات الأخيرة.
في الجامعات الأمريكية والأوروبية، خرج طلاب وأساتذة يرفضون أن تكون المعرفة منفصلة عن المسؤولية الأخلاقية. وفي الشوارع، حمل متظاهرون أعلام فلسطين، بعضهم لم يكن يعرف قبل سنوات سوى القليل عن تاريخها. وفي المهرجانات السينمائية والمؤسسات الثقافية والنقابات والبرلمانات، أخذت القضية الفلسطينية تدخل إلى أماكن كانت بعيدة عنها، أو كانت أبوابها مواربة أمامها.
لم تعد فلسطين حاضرة فقط في بيانات التضامن. أصبحت سؤالًا يواجه المؤسسات نفسها: أين تقفون مما يحدث؟ وهل يمكن الدفاع عن حقوق الإنسان في مكان وتجاهلها في مكان آخر؟
هذه ليست استدارة مكتملة للعالم. فما زالت دولة الاحتلال تمتلك قوة عسكرية هائلة، وما زالت الولايات المتحدة توفر لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا، وما زالت قرارات دولية كثيرة عاجزة عن الوصول إلى الأرض.
لكن شيئًا تغير في الصورة.
لم تعد القوة قادرة بالسهولة نفسها على احتكار الرواية. ولم يعد الضحايا مضطرين دائمًا إلى انتظار اعتراف الأقوياء كي تصبح مأساتهم مرئية.
وهنا أتذكر نقاشًا قصيرًا بين الصديقين محمد هواش وقيس قدري حول الجائزة.
تساءل محمد لماذا لا تُحجب جائزة السلام حتى تتوقف الإبادة والحروب المتفرعة عنها. كان ينظر إلى الجائزة من مكان الضحية، حيث لا تكفي الكلمات ولا الأوسمة لإيقاف الموت.
أما قيس فرأى أن انتظار مثل هذا القرار من مؤسسة غربية عريقة قد يكون انتظارًا لما لا يحدث، وأن فوز نافي بيلاي نفسه يحمل دلالة سياسية مهمة.
ثم طرح محمد سؤالًا آخر عن تزامن الجائزة مع العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية.
في ذلك الحوار القصير وجدت وجهين للحقيقة.
فالجائزة لا تعيد طفلًا قتلته الحرب إلى أمه، ولا تبني بيتًا هدمته الطائرات، ولا تفتح معبرًا مغلقًا. لكنها قد تسهم في تغيير المناخ الذي يجعل قتل الأطفال وهدم البيوت وحصار البشر أمرًا يمكن تبريره أو تجاوزه.
فالتحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا من القصور الرئاسية ولا من غرف العمليات العسكرية. أحيانًا تبدأ من صورة، أو كلمة، أو موقف أخلاقي يرفض صاحبه أن ينحني أمام القوة.
ولعل أخطر ما تواجهه منظومات النفوذ ليس أن تخسر معركة عسكرية، بل أن تفقد قدرتها على إقناع العالم بأن ما تفعله مشروع.
وهذا لا يحدث دفعة واحدة.
فالعالم الذي منح نوبل لمناحيم بيغن عام 1978، ثم منحها لإسحاق رابين وشمعون بيريز وياسر عرفات عام 1994، هو العالم نفسه الذي يمنحها اليوم لقاضية ارتبط اسمها باتهام إسرائيل بارتكاب الإبادة الجماعية.
ليست المقارنة بين الأشخاص وحدهم، ولا بين مراحل سياسية مختلفة، بل بين صورتين للسلام.
سلام يُقاس بالاتفاقيات التي يوقعها القادة، وسلام لا يستطيع أن يفصل نفسه عن العدالة والمساءلة وحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
ولا يعني ذلك أن نوبل تحررت فجأة من السياسة، أو أن منظومات النفوذ التي أثرت طويلًا في صناعة الرأي العام والقرار الغربي فقدت قدرتها على التأثير. فاللوبيات لا تعمل دائمًا عبر أوامر مكتوبة، وإنما عبر شبكات علاقات ومصالح وصناعة مناخ ثقافي وسياسي يجعل بعض المواقف مقبولة وأخرى مكلفة.
لكن النفوذ، مهما اتسع، ليس قدرًا أبديًا. وما تصنعه منظومات القوة في زمن قد تواجهه تحولات الوعي في زمن آخر.
ربما لهذا أثار فوز بيلاي كل ذلك الغضب في إسرائيل، ووجد صداه في واشنطن. فالجائزة لم تغير موازين القوة العسكرية، لكنها وضعت سؤال العدالة في مكان لا تستطيع السياسة تجاهله بسهولة.
ومع ذلك، ثمة سؤال فلسطيني لا يقل أهمية عن كل ما سبق.
إذا كان العالم بدأ يغير نظرته إلى فلسطين، فهل نحن مستعدون لالتقاط هذه اللحظة؟
هل تمتلك القيادة الفلسطينية، بمؤسساتها وقواها السياسية، رؤية قادرة على تحويل التحول الأخلاقي العالمي إلى مكاسب سياسية وقانونية حقيقية؟ أم أننا سنكتفي بمشاهدة العالم وهو يتحرك، بينما نظل أسرى انقسامنا وعجزنا عن تجديد شرعيتنا ومؤسساتنا؟
فالاستدارة، مهما اتسعت، لا تصنع الحرية نيابة عن أصحابها.
وفي النهاية، أعود إلى المشهد الأول.
امرأة من جنوب أفريقيا، عرفت في طفولتها معنى أن يُصنَّف الإنسان وفق لون بشرته، تقف بعد ثمانية عقود في قلب حدث عالمي، وقد أصبحت سيرتها جسرًا بين ضحايا الفصل العنصري في بلادها وضحايا الإبادة في غزة.
لا تحمل سلاحًا، ولا تقود جيشًا، ولا تمتلك حق النقض في مجلس الأمن.
تحمل القانون، وذاكرة طويلة من مواجهة الظلم.
وفي الجهة الأخرى من الصورة، قوى تمتلك الجيوش والمال والعقوبات والنفوذ، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة سؤال لم تعد تستطيع إسكاته كما في الماضي.
هل بدأ العالم يستدير؟
ربما لا تكفي جائزة واحدة للإجابة. ولا يكفي خروج المتظاهرين إلى الشوارع، أو انسحاب وفود من قاعة الأمم المتحدة، أو صدور أحكام وتقارير دولية لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
لكن العالم لم يعد يقف تمامًا في المكان الذي كان يقف فيه.
والاستدارة لا تعني أن الأرض تغير اتجاه دورانها، بل أن العيون التي كانت تنظر إلى القوة بإعجاب بدأت ترى ما تتركه خلفها من ضحايا.
لعل نافي بيلاي لم تحصل على نوبل لأنها غيرت العالم.
لعلها حصلت عليها لأن شيئًا في العالم بدأ يتغير.
والسؤال الذي سيحكم ما يأتي من التاريخ ليس من يستحق جائزة السلام، بل متى يصبح الدفاع عن العدالة أقوى من القدرة على منعها؟

يحيى بركات

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى