خالد عطية - من صدمة الحدث إلى القدرة على صناعة التاريخ

العزيزة الدكتورة غانية، والأخت نزهة الإدريسي، أجد في هذا الحوار مساحة مهمة للتفكير فيما يتجاوز الحدث إلى آثاره ومآلاته. وأشارككما هذه القراءة بوصفها مساهمة في النقاش، ومحاولة لربط ما كشفه الحدث بما نحتاج إلى بنائه كي يتحول أثره إلى قدرة على صناعة التاريخ .

ما يستوقفني في هذا الحوار بين الدكتورة غانية ونزهة الإدريسي ليس اختلاف زاويتي النظر بقدر ما يفتحه من سؤال يتجاوز النصين معاً: كيف نقرأ حدثاً أحدث صدمة في مسار الصراع، وأعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، من دون أن نخلط بين الأثر الذي أحدثه والقدرة على تحويل هذا الأثر إلى مآل تاريخي مختلف؟

تضع الدكتورة غانية يدها على مسألة جوهرية حين تميز بين «التعطيل الاستراتيجي» و«المآل التاريخي». فالحدث قد يكسر انتظام مسار إقليمي، ويعطل محاولات تجاوز القضية الفلسطينية عبر التطبيع والدمج الاقتصادي والأمني، ويكشف تناقضات المشروع الاستيطاني وشروط استمراره، لكن تعطيل المسار لا يعني بالضرورة تفكيك البنية التي أنتجته، كما أن انكشاف تناقضات الخصم لا يعني أننا امتلكنا بعدُ القدرة على بناء البديل. فالتاريخ لا يتحول بمجرد أن يفقد مسار قديم انتظامه، بل حين تتشكل قوة قادرة على منع استعادته، وفتح اتجاه آخر للصراع.

ومن هنا تكتسب إشارة الدكتورة غانية إلى ضرورة تحويل الصدمة والتضحيات إلى مشروع سياسي مستدام أهميتها الحاسمة. فالمسألة ليست في إثبات أن السابع من أكتوبر غيّر شيئاً في الإقليم والعالم، بل في تحديد ما الذي تغيّر فعلياً في شروط الصراع، وما الذي بقي من البنية القديمة قادراً على إعادة إنتاج نفسه. وقد تتراجع شرعية إسرائيل في قطاعات واسعة من الرأي العام، وتتسع المساءلة القانونية والسياسية، ويصبح تجاوز الفلسطينيين أكثر صعوبة على المستوى الخطابي؛ لكن هذه التحولات، على أهميتها، لا تتحول تلقائياً إلى تغيير في موازين القوة أو في بنية السيطرة. إن المسافة بين انكشاف أزمة المشروع الاستعماري والقدرة على تجاوزها هي المسافة التي ينبغي أن يشغلها التفكير السياسي الفلسطيني، لا أن يقفز فوقها.

وتأتي نزهة الإدريسي لتفتح مستوى آخر من السؤال، حين تقترح مفهوم «جغرافية الصدى»، وتنقل النظر من غزة بوصفها مكان الحدث إلى المجتمعات التي استقبلته وأعادت إنتاج معناه داخل سياقاتها الخاصة. وهذه إضافة مهمة؛ لأنها تخرجنا من التعامل مع التضامن باعتباره استجابة عاطفية متجانسة، وتدفعنا إلى البحث فيما أحدثته غزة في الوعي السياسي والاجتماعي للمجتمعات الأخرى، وفي علاقتها بذاتها وبالدولة والسياسة والمجال العام. فغزة في المغرب ليست مجرد غزة التي وصلت أخبارها إلى المغاربة، بل غزة التي دخلت إلى الذاكرة السياسية والاجتماعية المغربية، وأصبحت مرآة تُقرأ من خلالها أسئلة العدالة والسيادة والعلاقة بين المجتمع والقرار الرسمي.

لكن «جغرافية الصدى» تفتح سؤالاً يتجاوز رصد انتشار الأثر: ماذا يحدث لهذا الأثر بعد أن يدخل المجتمع؟ هل يظل تضامناً أخلاقياً واسعاً، أم يعيد تشكيل الوعي السياسي؟ وهل يتحول هذا الوعي إلى تنظيم مستدام، وإلى قدرة على التأثير والمساءلة، أم تبقى المسافة قائمة بين ما يريده المجتمع وما يستطيع فرضه في المجال السياسي؟ فالمظاهرات ليست هي التنظيم، واتساع التضامن ليس هو التحول في بنية الوعي، والتحول في الوعي ليس بالضرورة تحولاً في موازين الفعل. وبين هذه المستويات تقع مهمة البحث، لا في التقليل من أهمية الصدى، بل في فهم الشروط التي تجعله قادراً على تجاوز حدود التعبير إلى إنتاج أثر سياسي متراكم.

وأظن أن ما يجمع المسارين هو أن الحدث لا يصنع مآلاته بنفسه؛ إنه يفتح إمكانات، ويكشف تناقضات، ويعيد ترتيب الأسئلة، لكن مصير هذه الإمكانات يتوقف على القوى التي تستطيع استثمارها. وهذا ما يجعلنا بحاجة إلى التمييز بين ثلاثة مستويات: الحدث بما أحدثه من كسر، والوعي بما أنتجه من معانٍ وتحولات، والقدرة بما تتيحه من تنظيم هذه المعاني وتحويلها إلى فعل مستمر. فالتعطيل قد يفتح نافذة، والصدى قد يوسّع المجال، لكن النافذة لا تصبح طريقاً، والمجال لا يصبح قوة، ما لم توجد إرادة منظمة ومشروع يربط الفعل بأفق تاريخي.

وهنا أعود إلى السؤال الفلسطيني الذي أراه أكثر إلحاحاً من أي حكم مبكر على الحدث: ماذا نملك نحن من القدرة على تحويل ما انكشف في العالم إلى تحول في شروط وجودنا السياسي؟ لقد أعاد الحدث فلسطين إلى مركز الاهتمام، لكنه كشف في الوقت نفسه حجم الفجوة بين الحضور الفلسطيني في الوعي العالمي وبين غياب القدرة السياسية الفلسطينية الموحدة القادرة على توظيف هذا الحضور. وهذه المفارقة لا تُحل بمزيد من الاحتفاء بالتضامن، ولا بمجرد الدعوة إلى مراجعة التجربة، بل بإعادة بناء القدرة الوطنية على الفعل؛ أي القدرة على وصل المجتمع بالمشروع، والمشروع بالتمثيل، والتمثيل بالمحاسبة، والمقاومة بأفق سياسي يجعل التضحيات جزءاً من استراتيجية وطنية، لا مجرد وقائع جسيمة يترك التاريخ نتائجها مفتوحة.
فالأزمة الفلسطينية ليست فقط أزمة مشروع لم يحقق أهدافه، بل أزمة القدرة على إنتاج المشروع وتجديده، وعلى تحويل تعدد الساحات والخبرات وأشكال الفعل إلى قوة وطنية تراكمية. كما أن المأزق لا يكمن في أن العالم لم يرَ ما يجري، بل في أن الرؤية الأخلاقية والسياسية التي اتسعت في المجتمعات لم تجد بعدُ، بالقدر الكافي، ما يحولها إلى ضغط مستدام، فيما لا تزال السياسة الفلسطينية تعاني من الانقسام وغياب مرجعية قادرة على تنظيم الإرادة الشعبية وتمثيلها.

لذلك لا أرى أن السؤال ينبغي أن ينحصر في ما إذا كان «طوفان الأقصى» قد غيّر العالم، أو ما إذا كان قد عطّل مساراً إقليمياً بعينه؛ فهذه أسئلة ضرورية، لكنها لا تستنفد المسألة. السؤال الأعمق هو: هل نمتلك القدرة على تحويل ما غيّره الحدث في العالم إلى تغيير في قدرتنا نحن على صناعة مستقبلنا؟ وهل تستطيع المجتمعات التي تحركت من أجل فلسطين أن تطور تضامنها إلى فعل منظم، فيما يستطيع الفلسطينيون أنفسهم استعادة السياسة من أسر الانقسام وإدارة البقاء إلى أفق بناء الإرادة الوطنية؟

في تقديري، هنا يلتقي التعطيل الاستراتيجي بجغرافية الصدى: الأول يكشف أن المسارات القائمة ليست قدراً نهائياً، والثاني يكشف أن الحدث يستطيع تجاوز مكانه وإعادة تشكيل معانيه في مجتمعات أخرى. لكن كليهما يظل مفتوحاً على احتمالين: أن يُمتص الأثر وتُرمم البنية القديمة نفسها، أو أن تتشكل من هذا الانكشاف وهذه التحولات قدرة جديدة تغيّر اتجاه الصراع. وليس ثمة ضمانة تاريخية تحسم أحد الاحتمالين سلفاً.

لهذا، فإن الامتحان ليس في أن نثبت أن الحدث كان مفصلياً، ولا في أن نرصد اتساع صداه، بل في أن نفهم ما الذي ينبغي بناؤه كي لا تبقى أهميته أكبر من قدرتنا على استثمارها. فالتاريخ لا يكافئ الحدث لمجرد أنه أحدث صدمة، ولا يحوّل التضامن إلى قوة لمجرد اتساعه؛ إنما يتحدد المآل بقدرة الفاعلين على تنظيم ما فتحه الحدث من إمكانات، وحماية المجتمع الذي يدفع الكلفة، وبناء مشروع يستطيع أن يجعل من اللحظة التاريخية بداية لمسار جديد.

فالتعطيل لا يصنع المآل، والصدى لا يصنع القدرة؛ لكنهما يفتحان مجالاً تاريخياً لا تصبح له قيمة مستدامة إلا حين يتحول إلى إرادة منظمة، ومشروع سياسي، وقدرة على الفعل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى