في غزة، ربما كان رجل يحاول صباح العاشر من تشرين الأول أن يزيح حجرًا عن عتبة بيته، ليتأكد أن المكان الذي عرفه طوال حياته ما زال يتسع لقدميه. وفي قرية من قرى الضفة، ربما كان فلاح يراقب زيتوناته من بعيد، ينتظر فرصة للوصول إليها قبل أن يسبقه المستوطنون. وفي القدس، كانت امرأة تعبر حاجزًا لتصل إلى عملها، تحمل في حقيبتها أشياء يومية صغيرة، ولا تحمل تصريحًا يضمن لها أن تعود من الطريق نفسه.
وفي رام الله، كان موعد جديد يُكتب على ورقة.
الحادي عشر من أيلول 2027.
هكذا انتقلت الانتخابات الفلسطينية من تشرين الثاني القريب إلى أيلول البعيد نسبيًا. أُرجئت الانتخابات التشريعية، وأُضيفت إليها الانتخابات الرئاسية لتجريا معًا. تسعة أشهر وأيام انتقلت من عمر الناس إلى دفاتر السياسة. أما المجلس الوطني، الذي يفترض أن يحمل أصوات الفلسطينيين من غزة إلى أقصى المنافي، فقد بقي خارج العبارة التي حددت الموعد الجديد، مع أن مرسومًا سابقًا كان قد دعا إلى انتخابه في الأول من تشرين الثاني 2026.
ليس في تغيير الموعد وحده ما يستدعي كل هذا التأمل. فقد تؤجل الأمم انتخابات بسبب حرب أو كارثة أو ظرف يستحيل معه ضمان حرية الناخبين وسلامتهم. وغزة التي خرجت من حرب الإبادة مثقلة بالموت والخراب ليست مكانًا يمكن الحديث فيه عن صناديق الاقتراع كما لو أننا نتحدث عن يوم عادي. والقدس ليست مدينة يستطيع أهلها ممارسة حقوقهم السياسية دون أن يقف الاحتلال عند الأبواب. والضفة ليست أرضًا مفتوحة بين المدن والقرى.
لكن هذه البلاد كانت هكذا، أو قريبة من هذا الجحيم، حين أُعلن الموعد الأول.
ما الذي تغير إذن؟
أهو حال البلاد، أم حال الذين يستعدون للذهاب إلى الانتخابات؟
لا أملك جوابًا جاهزًا، وربما لا يملكه أحد خارج الغرف التي جرت فيها المشاورات. لكنني أتذكر كيف بدأ المشهد قبل أشهر، يوم عاد الحديث عن الانتخابات بعد غياب طويل. كان هناك شيء يشبه حركة خفيفة في ماء ظل راكدًا سنوات. أسماء تتردد، قوائم يجري التفكير فيها، وجوه قديمة تستعد للعودة، وأخرى جديدة تبحث عن مكان، وشباب لم يعرفوا في حياتهم السياسية إلا القيادة نفسها، فإذا بهم يسمعون أن بإمكانهم أخيرًا أن يختاروا.
في البداية بدت الانتخابات كدائرة مرسومة بعناية. داخلها القوى التي تعرف بعضها جيدًا، وتعرف أحجامها وخلافاتها وحدود التفاهم الممكن بينها. دائرة يمكن أن تتحرك فيها الأسماء وتتبدل المقاعد، من دون أن تتغير بالضرورة القواعد التي اعتاد الجميع إدارة اللعبة من خلالها.
لكن الدائرة لم تبقَ دائرة.
مع اقتراب موعد الاقتراع، بدأت تظهر زوايا لم تكن في الرسم الأول. خلافات داخل فتح، وقوائم محتملة خارج حساباتها، وتحالفات غير مألوفة، ومستقلون وشباب وأصوات لم تعد ترى مستقبلها في الخيارات القديمة. كل زاوية جديدة كانت تحمل احتمالًا آخر، وكل احتمال كان يجعل النتيجة أقل قابلية للتوقع.
هكذا رأيت الدائرة تتحول إلى مثمّن.
ولم يكن ما يشغلني عدد زواياه، بل ما كشفه تحوله: أن المجتمع الفلسطيني قد يختار خريطة سياسية تختلف عن الخريطة التي اعتادت القيادات التفاهم داخلها.
وهنا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي.
هل نريد انتخابات لأننا نؤمن بحق الناس في تغيير موازين القوى، أم لأننا نريد منهم تجديد الشرعية لموازين القوى القائمة؟ وهل نقبل صندوق الاقتراع حين يفتح احتمالات لا نرغب فيها، بالقدر نفسه الذي نقبله حين نتوقع أن يعيد إلينا الوجوه والمقاعد المألوفة؟
لم يكن المثمّن تهديدًا للديمقراطية. كان امتحانها.
فالديمقراطية لا تبدأ عندما يذهب الناس إلى الصناديق، بل عندما تقبل القوى السياسية، مسبقًا، أن يخرج منها ما لم تخطط له.
ثم جاء الحديث عن التأجيل.
لا أزعم أن اتساع زوايا المنافسة هو الذي صنع القرار، ولا أن الباب كان معدًّا سلفًا للخروج منه. فالاحتلال والدمار والانقسام عقبات حقيقية، والقرار المعلن يستند إليها. لكن تزامن اتساع الاحتمالات الانتخابية مع العودة إلى طاولة التوافق يضع أمامنا سؤالًا لا يجوز أن يضيع بين البيانات:
هل يجري التوافق لتهيئة الطريق أمام المجتمع كي يختار بحرية، أم لإعادة رسم الدائرة قبل السماح له بالاختيار؟
هذا هو الفارق كله.
فإذا كانت الأشهر التي تفصلنا عن أيلول المقبل ستُستخدم لحماية حق الفلسطينيين في الاقتراع وضمان احترام نتائجه، فقد يصبح التأجيل طريقًا إلى انتخابات أوسع وأكثر جدية. أما إذا استُخدمت لإغلاق الزوايا التي فتحها المجتمع وإعادة المنافسة إلى حدودها القديمة، فلن نكون قد عالجنا أزمة الشرعية، بل أرجأنا ظهورها.
عندئذ لن تكون المشكلة في أن الدائرة أصبحت مثمّنًا.
ستكون في أننا ما زلنا نريد من المجتمع أن يسير داخل الخطوط التي نرسمها له، بدل أن نعترف بحقه في رسم الخريطة نفسها.
وقبل أيام من المرسوم الجديد، كانت القوى الفلسطينية تجلس إلى طاولات الحوار في القاهرة. قيل إن أجواء إيجابية سادت اللقاءات، وإن الجميع أبدى مسؤولية وطنية واستعدادًا لتجاوز الانقسام.
توقفت طويلًا أمام هذه العبارة.
كم مرة سمعناها منذ انقسم الفلسطينيون على أنفسهم؟ وكم مرة عاد المتحاورون من القاهرة يحملون صور المصافحة وبيانات التفاؤل، ثم عاد كل طرف إلى موقعه، وبقي المجتمع الفلسطيني ينتظر؟
لقد مرّت على هذا الانقسام سنوات، وعبرت فوقه حروب وحصارات ومجازر، حتى جاءت غزة بما لم تعرفه من قبل من قتل ودمار وتجويع وتهجير. ومع ذلك لم تستطع القوى السياسية أن تصنع قيادة وطنية واحدة تقف أمام العالم باسم شعب واحد.
ثم اقتربت الانتخابات، وأصبح التفاهم على تأجيلها ممكنًا.
لماذا؟
ليس السؤال اتهامًا لأحد. إنه ذلك السؤال البسيط الذي يطرحه طفل حين يرى الكبار يعجزون عن الاتفاق على إنقاذ البيت، ثم يتفقون على تأجيل موعد فتح أبوابه.
وأنا أعرف أن الوحدة الوطنية ليست أمرًا سهلًا، وأن بين القوى الفلسطينية خلافات عميقة تتعلق بالبرنامج السياسي والمقاومة والسلطة والعلاقة مع العالم. لكنني أعرف أيضًا أن الوحدة لا تعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة، ولا أن يختفي الاختلاف قبل أن يجلس الناس إلى طاولة مشتركة.
فإذا كان علينا أن نتفق أولًا على كل شيء كي نذهب إلى الانتخابات، فما الذي ستبقى للانتخابات مهمة أن تحسمه؟
وإذا كان التوافق الوطني شرطًا لكل اختيار، فمن يختار الذين يتوافقون؟
هذا السؤال ليس جديدًا في كتاباتي. لقد رافقني وأنا أعود إلى تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، إلى الأيام التي كان فيها المجتمع يسبق مؤسساته، ويصنع قياداته من حاجته إلى التحرر.
أتذكر فتح الأولى، لا بوصفها صورة معلقة على جدار أو أسماء محفوظة في الذاكرة، بل بوصفها حركة خرجت من إحساس الفلسطينيين بأن عليهم أن يستعيدوا فعلهم بعد أن صاروا موضوعًا لقرارات الآخرين. لم تكن فتح يومها سلطة تدير حياة الناس، ولا مؤسسة تبحث عن طريقة للاحتفاظ بمقاعدها. كانت وعدًا باستعادة المبادرة، وكانت قوتها في أنها فتحت أبوابًا واسعة أمام أجيال وتجارب وأفكار مختلفة.
ثم مضت السنوات.
جاءت منظمة التحرير، واتسع الحضور الفلسطيني في العالم. وجاءت الانتفاضات، ثم أوسلو والسلطة والانقسام، وأصبحت المؤسسات التي نشأت لخدمة المشروع الوطني تحمل أعباء الحكم والإدارة والمال والأمن، حتى صار من الصعب أحيانًا أن نعرف أين تنتهي الحركة الوطنية وأين تبدأ السلطة.
وهذا ما كان يشغلني وأنا أقرأ استعدادات مؤتمر فتح الثامن. لم أكن أبحث عن أسماء من سيدخل اللجنة المركزية ومن سيغادرها. كنت أبحث عن الحركة نفسها. عن تلك المسافة التي نشأت بينها وبين مجتمعها، وعن معنى أن تتجدد حركة تحرر وطني وهي تحمل في داخلها أثقال السلطة ومؤسساتها.
وفي التاسع من تشرين الأول، عشية المرسوم الجديد، قرأت بيان اللجنة المركزية لفتح. توقفت عند عبارة صغيرة وسط الكلام الكبير عن الوحدة الوطنية والاحتلال والمبادرة المصرية.
قال البيان إن الحركة ناقشت آليات تجاوز «الوضع الاستثنائي» الذي تعيشه.
لم يقل لنا البيان كثيرًا عن طبيعة ذلك الوضع، لكنه اعترف بوجوده.
وبدا لي أن العبارة تفتح بابًا آخر في المشهد. فالحركة التي تستعد للمشاركة في تجديد النظام السياسي الفلسطيني، تبحث هي نفسها عن طريق لتجاوز وضعها الداخلي الاستثنائي. وحين قرأت ما كتبه مروان إميل طوباسي عن إجراءات اختيار المرشحين، وعن انسحابه من تلك العملية، شعرت أن السؤال لم يعد متعلقًا بالانتخابات العامة وحدها.
كيف نطلب من المجتمع أن يثق بقدرة الأحزاب على تجديد الحياة السياسية، إذا كانت الحياة داخل هذه الأحزاب نفسها تحتاج إلى تجديد؟
ولا أستثني من هذا السؤال حماس أو الجهاد الإسلامي أو الجبهات أو سائر القوى. فالتاريخ النضالي لأي حركة يمنحها مكانة في الذاكرة، لكنه لا يمنحها حقًا أبديًا في تمثيل من لم يختاروها. والتضحيات لا تلغي المساءلة، كما أن مواجهة الاحتلال لا تجعل الديمقراطية شأنًا يمكن تأجيله إلى ما بعد التحرير.
ولعل أكثر ما يؤلمني في هذا المشهد أن الجميع يتحدث عن الشعب الفلسطيني، بينما نادرًا ما نسمع المجتمع نفسه.
يقال إن الظروف لا تسمح له بالانتخاب. ويقال إن مصلحته تقتضي التوافق. ويقال إن المرحلة تحتاج إلى قيادة انتقالية، أو إلى إعادة بناء المؤسسات قبل الاقتراع.
وربما كانت في كل هذه الآراء أجزاء من الحقيقة.
قرأنا هاني المصري وهو يحذر من انتخابات لا تملك شروط النجاح، ومحمد جبريني وهو يبحث عن وحدة المرجعية وإعادة بناء النظام السياسي، وعبد الحميد صيام وهو يضع المشروع الوطني قبل صناديق الاقتراع. وفي المقابل سمعنا أصواتًا حقوقية ومدنية ترفض أن يصبح التأجيل طريقًا آخر لإبقاء الناس خارج القرار.
لكنني، كلما قرأت هذه الآراء، عدت إلى السؤال نفسه.
إذا كنا نريد مشروعًا وطنيًا جديدًا، فلماذا لا يشارك المجتمع في صناعته؟ وإذا أردنا قيادة انتقالية، فمن يمنحها حق القيادة؟ وإذا قررنا إعادة بناء منظمة التحرير، فهل نعيد بناءها من الناس إلى المؤسسات، أم من المؤسسات إلى الناس؟
لا أرى في صندوق الاقتراع معجزة. فقد ذهب الفلسطينيون إلى انتخابات من قبل، ثم رأوا كيف يمكن للاحتلال والانقسام والتدخلات الخارجية أن تحاصر النتائج وتمنع المؤسسات من أداء دورها. لكنني لا أرى في هذه التجربة سببًا للتخلي عن حق الانتخاب. فحين تفشل تجربة ديمقراطية، لا يكون العلاج بحرمان الناس من الديمقراطية، بل بمعالجة الأسباب التي أفشلتها.
وفي العالم الذي يتحدث عن حقوق الإنسان، ليست الانتخابات الحرة مجرد صناديق وأوراق. إنها حق الناس في أن يختاروا دون خوف، وأن يترشحوا دون إقصاء تعسفي، وأن يختلفوا دون أن يفقدوا حقوقهم، وأن يعرفوا أن أصواتهم ستُحسب وأن نتائجها ستُحترم. وهي جزء من حق أوسع، حق الشعب في تقرير مصيره، لا منحة تمنحها السلطة أو تسحبها حين تتغير الظروف.
ثم إن هناك فلسطينيًا لا يظهر كثيرًا في صورة الانتخابات المقبلة.
الفلسطيني الذي يعيش خارج الضفة وغزة والقدس.
ذاك الذي ورث مفتاح بيت في يافا، أو صورة شارع في حيفا، أو حكاية قرية لم يرها. والذي ولد في مخيم بلبنان، أو كبر في عمّان، أو بنى حياته في أوروبا أو الأميركيتين، ولم يفقد بذلك حقه في أن يكون شريكًا في تقرير مستقبل فلسطين.
أين مكان هذا الفلسطيني في المرسوم الجديد؟
الانتخابات الرئاسية والتشريعية ستجري في القدس والضفة وغزة، وفق ما أُعلن. لكن المجلس الوطني الفلسطيني، الذي يفترض أن يمثل الشعب كله، كان قد حُدد له موعد سابق في الأول من تشرين الثاني 2026. وجاء المرسوم الجديد دون أن يوضح مصير ذلك الاستحقاق.
وهنا يصبح الصمت ذا معنى سياسي.
فالمجلس الوطني ليس مقعدًا إضافيًا في النظام السياسي. إنه البيت الذي يفترض أن يتسع للفلسطينيين جميعًا، وأن يحمل حقوقهم الوطنية التي لا تختزلها حدود السلطة الفلسطينية.
إذا أُعيد تشكيله قبل الانتخابات الرئاسية والتشريعية، فمن سيختار أعضاءه؟ وإذا تأخر إلى ما بعدها، كيف ستُربط المؤسسات المنتخبة بالتمثيل الوطني الأوسع؟ وإذا تعذر الاقتراع في بعض المنافي، فهل يصبح التوافق استثناءً تفرضه الضرورة، أم طريقًا مريحًا لاختيار ممثلين دون العودة إلى الناس؟
إن المجلس الذي يمثل الفلسطينيين لا ينبغي أن يتحول إلى مجلس يمثل الذين اتفقوا على أعضائه.
ولا أريد هنا أن أضع التوافق في مواجهة الانتخابات. فقد تحتاج الشعوب الواقعة تحت الاحتلال إلى صيغ استثنائية لحماية وحدتها ومؤسساتها. لكن الاستثناء يجب أن يبقى استثناءً، وأن يكون واضح الأسباب ومحدود المدى، وألا يتحول مع الزمن إلى قاعدة دائمة تحجب حق المجتمع في الاختيار.
وثمة مشهد آخر يستحق التأمل.
قبل صدور المرسوم، كانت رسالة حسين الشيخ إلى فرنسا تتحدث عن تأجيل الانتخابات. وكانت باريس قد تلقت من القيادة الفلسطينية تعهدات بالإصلاح وإجراء الانتخابات في سياق الجهود الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية ودعم مؤسساتها.
لا أستهين بأهمية الاعتراف الدولي، ولا بما حققته الدبلوماسية الفلسطينية في هذا المجال. لكنني أتساءل عن تلك المسافة بين باريس ورام الله.
كيف أصبح الخارج حاضرًا في مواعيد تجديد الشرعية الفلسطينية، بينما ينتظر الفلسطينيون أن يعرفوا من البيانات ما تقرر بشأن حقهم في اختيار ممثليهم؟
قد تحتاج الدولة إلى اعتراف العالم، لكن القيادة تحتاج، قبل ذلك، إلى ثقة مجتمعها. ولا تستطيع الأموال ولا الوعود ولا المؤتمرات الدولية أن تمنح مؤسسة سياسية ما لا يمنحه لها الناس.
وفي الصحافة العبرية ظهرت قراءة أخرى تربط توقيت التأجيل باحتمالات تحالف انتخابي يضم حماس والجهاد الإسلامي وتيار محمد دحلان. لا أعرف إن كان هذا التحالف هو ما أقلق بعض مراكز القرار، ولا أرى في التزامن بين الأخبار دليلًا كافيًا على السببية. لكن مجرد ظهور هذه الاحتمالات يعيدنا إلى الدائرة التي بدأت تتحول إلى مثمّن.
فهل كان اتساع احتمالات المنافسة جزءًا من الحسابات التي سبقت التأجيل؟
يبقى السؤال مفتوحًا، مثل أسئلة كثيرة لم يجب عنها المرسوم.
وأنا لا أريد أن أكتب عن السياسة الفلسطينية كما لو أنها لعبة تدور فوق رؤوس الناس. فخلف كل قرار إنسان يعيش نتائجه، وخلف كل مؤسسة مجتمع دفع من عمره ودمه وذاكرته ثمن بقائها.
في غزة، لا يحتاج الفلسطيني إلى من يشرح له معنى الصمود. وفي القدس، لا ينتظر أهلها درسًا في التمسك بالهوية. وفي قرى الضفة، يعرف المزارع الذي يحاول الوصول إلى زيتوناته أن الأرض ليست بندًا في بيان سياسي. وفي المنافي، يعرف الفلسطيني أن وطنه ليس مجرد ذكرى عائلية.
هؤلاء جميعًا صنعوا فلسطين التي نتحدث باسمها.
ولذلك فإن السؤال عن الشرعية ليس سؤالًا قانونيًا مجردًا، ولا خلافًا بين الفصائل على عدد المقاعد. إنه سؤال عن العلاقة التي تربط هذا المجتمع بمن يقوده، وعن حق الأجيال الجديدة في أن تدخل الحياة السياسية دون أن تطلب الإذن من الأجيال التي سبقتها.
قد يكون تأجيل الانتخابات إلى أيلول المقبل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. وقد يصبح مجرد انتقال من انتظار إلى انتظار. ما سيحدد ذلك ليس التاريخ المكتوب في المرسوم، بل ما سيجري خلال الأشهر الفاصلة: هل تتسع المؤسسات للمجتمع أم تضيق به؟ هل تُفتح أبواب المشاركة أم تُعاد صياغة شروط الدخول؟ هل نرى مشروعًا وطنيًا يشارك الناس في بنائه، أم اتفاقًا جديدًا بين القوى على إدارة المشروع القديم؟
أفكر أحيانًا في تلك الدائرة التي رسمناها للانتخابات.
ربما لم تكن المشكلة أنها تحولت إلى مثمّن. ربما كانت المشكلة أننا أردنا للمجتمع أن يبقى داخل شكل رسمناه له، بينما هو أكبر من الدائرة والمثمّن وكل الخرائط التي تصنعها السياسة.
لقد سبق المجتمع الفلسطيني قياداته في لحظات كثيرة من تاريخه. سبقها حين حافظ على هويته بعد النكبة، وحين صنع مؤسساته الشعبية، وحين خرج إلى الانتفاضات، وحين أعاد تعريف فلسطين في وعي العالم من خلال صور غزة ووجوه أطفالها وصمود أهلها.
وليس غريبًا أن يسبقها مرة أخرى.
في نهاية هذا اليوم، ستبقى الأوراق في ملفاتها، والمراسيم في الجريدة الرسمية، والمواعيد في دفاتر لجنة الانتخابات. وسيعود الناس إلى حياتهم الثقيلة، إلى البيوت التي يحاولون ترميمها، وإلى الزيتون الذي ينتظر قطافه، وإلى المدن التي يعبرون إليها بصعوبة، وإلى المنافي التي يحملون فيها فلسطين معهم.
لكن سؤالًا سيظل حاضرًا، لا يحتاج إلى مؤتمر ولا إلى بيان كي يُطرح:
إذا كان الشعب الفلسطيني هو مصدر الشرعية، فلماذا يبدو، كلما حان موعد تجديدها، آخر من يُستشار؟
يحيى بركات
10/10/2026
وفي رام الله، كان موعد جديد يُكتب على ورقة.
الحادي عشر من أيلول 2027.
هكذا انتقلت الانتخابات الفلسطينية من تشرين الثاني القريب إلى أيلول البعيد نسبيًا. أُرجئت الانتخابات التشريعية، وأُضيفت إليها الانتخابات الرئاسية لتجريا معًا. تسعة أشهر وأيام انتقلت من عمر الناس إلى دفاتر السياسة. أما المجلس الوطني، الذي يفترض أن يحمل أصوات الفلسطينيين من غزة إلى أقصى المنافي، فقد بقي خارج العبارة التي حددت الموعد الجديد، مع أن مرسومًا سابقًا كان قد دعا إلى انتخابه في الأول من تشرين الثاني 2026.
ليس في تغيير الموعد وحده ما يستدعي كل هذا التأمل. فقد تؤجل الأمم انتخابات بسبب حرب أو كارثة أو ظرف يستحيل معه ضمان حرية الناخبين وسلامتهم. وغزة التي خرجت من حرب الإبادة مثقلة بالموت والخراب ليست مكانًا يمكن الحديث فيه عن صناديق الاقتراع كما لو أننا نتحدث عن يوم عادي. والقدس ليست مدينة يستطيع أهلها ممارسة حقوقهم السياسية دون أن يقف الاحتلال عند الأبواب. والضفة ليست أرضًا مفتوحة بين المدن والقرى.
لكن هذه البلاد كانت هكذا، أو قريبة من هذا الجحيم، حين أُعلن الموعد الأول.
ما الذي تغير إذن؟
أهو حال البلاد، أم حال الذين يستعدون للذهاب إلى الانتخابات؟
لا أملك جوابًا جاهزًا، وربما لا يملكه أحد خارج الغرف التي جرت فيها المشاورات. لكنني أتذكر كيف بدأ المشهد قبل أشهر، يوم عاد الحديث عن الانتخابات بعد غياب طويل. كان هناك شيء يشبه حركة خفيفة في ماء ظل راكدًا سنوات. أسماء تتردد، قوائم يجري التفكير فيها، وجوه قديمة تستعد للعودة، وأخرى جديدة تبحث عن مكان، وشباب لم يعرفوا في حياتهم السياسية إلا القيادة نفسها، فإذا بهم يسمعون أن بإمكانهم أخيرًا أن يختاروا.
في البداية بدت الانتخابات كدائرة مرسومة بعناية. داخلها القوى التي تعرف بعضها جيدًا، وتعرف أحجامها وخلافاتها وحدود التفاهم الممكن بينها. دائرة يمكن أن تتحرك فيها الأسماء وتتبدل المقاعد، من دون أن تتغير بالضرورة القواعد التي اعتاد الجميع إدارة اللعبة من خلالها.
لكن الدائرة لم تبقَ دائرة.
مع اقتراب موعد الاقتراع، بدأت تظهر زوايا لم تكن في الرسم الأول. خلافات داخل فتح، وقوائم محتملة خارج حساباتها، وتحالفات غير مألوفة، ومستقلون وشباب وأصوات لم تعد ترى مستقبلها في الخيارات القديمة. كل زاوية جديدة كانت تحمل احتمالًا آخر، وكل احتمال كان يجعل النتيجة أقل قابلية للتوقع.
هكذا رأيت الدائرة تتحول إلى مثمّن.
ولم يكن ما يشغلني عدد زواياه، بل ما كشفه تحوله: أن المجتمع الفلسطيني قد يختار خريطة سياسية تختلف عن الخريطة التي اعتادت القيادات التفاهم داخلها.
وهنا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي.
هل نريد انتخابات لأننا نؤمن بحق الناس في تغيير موازين القوى، أم لأننا نريد منهم تجديد الشرعية لموازين القوى القائمة؟ وهل نقبل صندوق الاقتراع حين يفتح احتمالات لا نرغب فيها، بالقدر نفسه الذي نقبله حين نتوقع أن يعيد إلينا الوجوه والمقاعد المألوفة؟
لم يكن المثمّن تهديدًا للديمقراطية. كان امتحانها.
فالديمقراطية لا تبدأ عندما يذهب الناس إلى الصناديق، بل عندما تقبل القوى السياسية، مسبقًا، أن يخرج منها ما لم تخطط له.
ثم جاء الحديث عن التأجيل.
لا أزعم أن اتساع زوايا المنافسة هو الذي صنع القرار، ولا أن الباب كان معدًّا سلفًا للخروج منه. فالاحتلال والدمار والانقسام عقبات حقيقية، والقرار المعلن يستند إليها. لكن تزامن اتساع الاحتمالات الانتخابية مع العودة إلى طاولة التوافق يضع أمامنا سؤالًا لا يجوز أن يضيع بين البيانات:
هل يجري التوافق لتهيئة الطريق أمام المجتمع كي يختار بحرية، أم لإعادة رسم الدائرة قبل السماح له بالاختيار؟
هذا هو الفارق كله.
فإذا كانت الأشهر التي تفصلنا عن أيلول المقبل ستُستخدم لحماية حق الفلسطينيين في الاقتراع وضمان احترام نتائجه، فقد يصبح التأجيل طريقًا إلى انتخابات أوسع وأكثر جدية. أما إذا استُخدمت لإغلاق الزوايا التي فتحها المجتمع وإعادة المنافسة إلى حدودها القديمة، فلن نكون قد عالجنا أزمة الشرعية، بل أرجأنا ظهورها.
عندئذ لن تكون المشكلة في أن الدائرة أصبحت مثمّنًا.
ستكون في أننا ما زلنا نريد من المجتمع أن يسير داخل الخطوط التي نرسمها له، بدل أن نعترف بحقه في رسم الخريطة نفسها.
وقبل أيام من المرسوم الجديد، كانت القوى الفلسطينية تجلس إلى طاولات الحوار في القاهرة. قيل إن أجواء إيجابية سادت اللقاءات، وإن الجميع أبدى مسؤولية وطنية واستعدادًا لتجاوز الانقسام.
توقفت طويلًا أمام هذه العبارة.
كم مرة سمعناها منذ انقسم الفلسطينيون على أنفسهم؟ وكم مرة عاد المتحاورون من القاهرة يحملون صور المصافحة وبيانات التفاؤل، ثم عاد كل طرف إلى موقعه، وبقي المجتمع الفلسطيني ينتظر؟
لقد مرّت على هذا الانقسام سنوات، وعبرت فوقه حروب وحصارات ومجازر، حتى جاءت غزة بما لم تعرفه من قبل من قتل ودمار وتجويع وتهجير. ومع ذلك لم تستطع القوى السياسية أن تصنع قيادة وطنية واحدة تقف أمام العالم باسم شعب واحد.
ثم اقتربت الانتخابات، وأصبح التفاهم على تأجيلها ممكنًا.
لماذا؟
ليس السؤال اتهامًا لأحد. إنه ذلك السؤال البسيط الذي يطرحه طفل حين يرى الكبار يعجزون عن الاتفاق على إنقاذ البيت، ثم يتفقون على تأجيل موعد فتح أبوابه.
وأنا أعرف أن الوحدة الوطنية ليست أمرًا سهلًا، وأن بين القوى الفلسطينية خلافات عميقة تتعلق بالبرنامج السياسي والمقاومة والسلطة والعلاقة مع العالم. لكنني أعرف أيضًا أن الوحدة لا تعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة، ولا أن يختفي الاختلاف قبل أن يجلس الناس إلى طاولة مشتركة.
فإذا كان علينا أن نتفق أولًا على كل شيء كي نذهب إلى الانتخابات، فما الذي ستبقى للانتخابات مهمة أن تحسمه؟
وإذا كان التوافق الوطني شرطًا لكل اختيار، فمن يختار الذين يتوافقون؟
هذا السؤال ليس جديدًا في كتاباتي. لقد رافقني وأنا أعود إلى تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، إلى الأيام التي كان فيها المجتمع يسبق مؤسساته، ويصنع قياداته من حاجته إلى التحرر.
أتذكر فتح الأولى، لا بوصفها صورة معلقة على جدار أو أسماء محفوظة في الذاكرة، بل بوصفها حركة خرجت من إحساس الفلسطينيين بأن عليهم أن يستعيدوا فعلهم بعد أن صاروا موضوعًا لقرارات الآخرين. لم تكن فتح يومها سلطة تدير حياة الناس، ولا مؤسسة تبحث عن طريقة للاحتفاظ بمقاعدها. كانت وعدًا باستعادة المبادرة، وكانت قوتها في أنها فتحت أبوابًا واسعة أمام أجيال وتجارب وأفكار مختلفة.
ثم مضت السنوات.
جاءت منظمة التحرير، واتسع الحضور الفلسطيني في العالم. وجاءت الانتفاضات، ثم أوسلو والسلطة والانقسام، وأصبحت المؤسسات التي نشأت لخدمة المشروع الوطني تحمل أعباء الحكم والإدارة والمال والأمن، حتى صار من الصعب أحيانًا أن نعرف أين تنتهي الحركة الوطنية وأين تبدأ السلطة.
وهذا ما كان يشغلني وأنا أقرأ استعدادات مؤتمر فتح الثامن. لم أكن أبحث عن أسماء من سيدخل اللجنة المركزية ومن سيغادرها. كنت أبحث عن الحركة نفسها. عن تلك المسافة التي نشأت بينها وبين مجتمعها، وعن معنى أن تتجدد حركة تحرر وطني وهي تحمل في داخلها أثقال السلطة ومؤسساتها.
وفي التاسع من تشرين الأول، عشية المرسوم الجديد، قرأت بيان اللجنة المركزية لفتح. توقفت عند عبارة صغيرة وسط الكلام الكبير عن الوحدة الوطنية والاحتلال والمبادرة المصرية.
قال البيان إن الحركة ناقشت آليات تجاوز «الوضع الاستثنائي» الذي تعيشه.
لم يقل لنا البيان كثيرًا عن طبيعة ذلك الوضع، لكنه اعترف بوجوده.
وبدا لي أن العبارة تفتح بابًا آخر في المشهد. فالحركة التي تستعد للمشاركة في تجديد النظام السياسي الفلسطيني، تبحث هي نفسها عن طريق لتجاوز وضعها الداخلي الاستثنائي. وحين قرأت ما كتبه مروان إميل طوباسي عن إجراءات اختيار المرشحين، وعن انسحابه من تلك العملية، شعرت أن السؤال لم يعد متعلقًا بالانتخابات العامة وحدها.
كيف نطلب من المجتمع أن يثق بقدرة الأحزاب على تجديد الحياة السياسية، إذا كانت الحياة داخل هذه الأحزاب نفسها تحتاج إلى تجديد؟
ولا أستثني من هذا السؤال حماس أو الجهاد الإسلامي أو الجبهات أو سائر القوى. فالتاريخ النضالي لأي حركة يمنحها مكانة في الذاكرة، لكنه لا يمنحها حقًا أبديًا في تمثيل من لم يختاروها. والتضحيات لا تلغي المساءلة، كما أن مواجهة الاحتلال لا تجعل الديمقراطية شأنًا يمكن تأجيله إلى ما بعد التحرير.
ولعل أكثر ما يؤلمني في هذا المشهد أن الجميع يتحدث عن الشعب الفلسطيني، بينما نادرًا ما نسمع المجتمع نفسه.
يقال إن الظروف لا تسمح له بالانتخاب. ويقال إن مصلحته تقتضي التوافق. ويقال إن المرحلة تحتاج إلى قيادة انتقالية، أو إلى إعادة بناء المؤسسات قبل الاقتراع.
وربما كانت في كل هذه الآراء أجزاء من الحقيقة.
قرأنا هاني المصري وهو يحذر من انتخابات لا تملك شروط النجاح، ومحمد جبريني وهو يبحث عن وحدة المرجعية وإعادة بناء النظام السياسي، وعبد الحميد صيام وهو يضع المشروع الوطني قبل صناديق الاقتراع. وفي المقابل سمعنا أصواتًا حقوقية ومدنية ترفض أن يصبح التأجيل طريقًا آخر لإبقاء الناس خارج القرار.
لكنني، كلما قرأت هذه الآراء، عدت إلى السؤال نفسه.
إذا كنا نريد مشروعًا وطنيًا جديدًا، فلماذا لا يشارك المجتمع في صناعته؟ وإذا أردنا قيادة انتقالية، فمن يمنحها حق القيادة؟ وإذا قررنا إعادة بناء منظمة التحرير، فهل نعيد بناءها من الناس إلى المؤسسات، أم من المؤسسات إلى الناس؟
لا أرى في صندوق الاقتراع معجزة. فقد ذهب الفلسطينيون إلى انتخابات من قبل، ثم رأوا كيف يمكن للاحتلال والانقسام والتدخلات الخارجية أن تحاصر النتائج وتمنع المؤسسات من أداء دورها. لكنني لا أرى في هذه التجربة سببًا للتخلي عن حق الانتخاب. فحين تفشل تجربة ديمقراطية، لا يكون العلاج بحرمان الناس من الديمقراطية، بل بمعالجة الأسباب التي أفشلتها.
وفي العالم الذي يتحدث عن حقوق الإنسان، ليست الانتخابات الحرة مجرد صناديق وأوراق. إنها حق الناس في أن يختاروا دون خوف، وأن يترشحوا دون إقصاء تعسفي، وأن يختلفوا دون أن يفقدوا حقوقهم، وأن يعرفوا أن أصواتهم ستُحسب وأن نتائجها ستُحترم. وهي جزء من حق أوسع، حق الشعب في تقرير مصيره، لا منحة تمنحها السلطة أو تسحبها حين تتغير الظروف.
ثم إن هناك فلسطينيًا لا يظهر كثيرًا في صورة الانتخابات المقبلة.
الفلسطيني الذي يعيش خارج الضفة وغزة والقدس.
ذاك الذي ورث مفتاح بيت في يافا، أو صورة شارع في حيفا، أو حكاية قرية لم يرها. والذي ولد في مخيم بلبنان، أو كبر في عمّان، أو بنى حياته في أوروبا أو الأميركيتين، ولم يفقد بذلك حقه في أن يكون شريكًا في تقرير مستقبل فلسطين.
أين مكان هذا الفلسطيني في المرسوم الجديد؟
الانتخابات الرئاسية والتشريعية ستجري في القدس والضفة وغزة، وفق ما أُعلن. لكن المجلس الوطني الفلسطيني، الذي يفترض أن يمثل الشعب كله، كان قد حُدد له موعد سابق في الأول من تشرين الثاني 2026. وجاء المرسوم الجديد دون أن يوضح مصير ذلك الاستحقاق.
وهنا يصبح الصمت ذا معنى سياسي.
فالمجلس الوطني ليس مقعدًا إضافيًا في النظام السياسي. إنه البيت الذي يفترض أن يتسع للفلسطينيين جميعًا، وأن يحمل حقوقهم الوطنية التي لا تختزلها حدود السلطة الفلسطينية.
إذا أُعيد تشكيله قبل الانتخابات الرئاسية والتشريعية، فمن سيختار أعضاءه؟ وإذا تأخر إلى ما بعدها، كيف ستُربط المؤسسات المنتخبة بالتمثيل الوطني الأوسع؟ وإذا تعذر الاقتراع في بعض المنافي، فهل يصبح التوافق استثناءً تفرضه الضرورة، أم طريقًا مريحًا لاختيار ممثلين دون العودة إلى الناس؟
إن المجلس الذي يمثل الفلسطينيين لا ينبغي أن يتحول إلى مجلس يمثل الذين اتفقوا على أعضائه.
ولا أريد هنا أن أضع التوافق في مواجهة الانتخابات. فقد تحتاج الشعوب الواقعة تحت الاحتلال إلى صيغ استثنائية لحماية وحدتها ومؤسساتها. لكن الاستثناء يجب أن يبقى استثناءً، وأن يكون واضح الأسباب ومحدود المدى، وألا يتحول مع الزمن إلى قاعدة دائمة تحجب حق المجتمع في الاختيار.
وثمة مشهد آخر يستحق التأمل.
قبل صدور المرسوم، كانت رسالة حسين الشيخ إلى فرنسا تتحدث عن تأجيل الانتخابات. وكانت باريس قد تلقت من القيادة الفلسطينية تعهدات بالإصلاح وإجراء الانتخابات في سياق الجهود الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية ودعم مؤسساتها.
لا أستهين بأهمية الاعتراف الدولي، ولا بما حققته الدبلوماسية الفلسطينية في هذا المجال. لكنني أتساءل عن تلك المسافة بين باريس ورام الله.
كيف أصبح الخارج حاضرًا في مواعيد تجديد الشرعية الفلسطينية، بينما ينتظر الفلسطينيون أن يعرفوا من البيانات ما تقرر بشأن حقهم في اختيار ممثليهم؟
قد تحتاج الدولة إلى اعتراف العالم، لكن القيادة تحتاج، قبل ذلك، إلى ثقة مجتمعها. ولا تستطيع الأموال ولا الوعود ولا المؤتمرات الدولية أن تمنح مؤسسة سياسية ما لا يمنحه لها الناس.
وفي الصحافة العبرية ظهرت قراءة أخرى تربط توقيت التأجيل باحتمالات تحالف انتخابي يضم حماس والجهاد الإسلامي وتيار محمد دحلان. لا أعرف إن كان هذا التحالف هو ما أقلق بعض مراكز القرار، ولا أرى في التزامن بين الأخبار دليلًا كافيًا على السببية. لكن مجرد ظهور هذه الاحتمالات يعيدنا إلى الدائرة التي بدأت تتحول إلى مثمّن.
فهل كان اتساع احتمالات المنافسة جزءًا من الحسابات التي سبقت التأجيل؟
يبقى السؤال مفتوحًا، مثل أسئلة كثيرة لم يجب عنها المرسوم.
وأنا لا أريد أن أكتب عن السياسة الفلسطينية كما لو أنها لعبة تدور فوق رؤوس الناس. فخلف كل قرار إنسان يعيش نتائجه، وخلف كل مؤسسة مجتمع دفع من عمره ودمه وذاكرته ثمن بقائها.
في غزة، لا يحتاج الفلسطيني إلى من يشرح له معنى الصمود. وفي القدس، لا ينتظر أهلها درسًا في التمسك بالهوية. وفي قرى الضفة، يعرف المزارع الذي يحاول الوصول إلى زيتوناته أن الأرض ليست بندًا في بيان سياسي. وفي المنافي، يعرف الفلسطيني أن وطنه ليس مجرد ذكرى عائلية.
هؤلاء جميعًا صنعوا فلسطين التي نتحدث باسمها.
ولذلك فإن السؤال عن الشرعية ليس سؤالًا قانونيًا مجردًا، ولا خلافًا بين الفصائل على عدد المقاعد. إنه سؤال عن العلاقة التي تربط هذا المجتمع بمن يقوده، وعن حق الأجيال الجديدة في أن تدخل الحياة السياسية دون أن تطلب الإذن من الأجيال التي سبقتها.
قد يكون تأجيل الانتخابات إلى أيلول المقبل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. وقد يصبح مجرد انتقال من انتظار إلى انتظار. ما سيحدد ذلك ليس التاريخ المكتوب في المرسوم، بل ما سيجري خلال الأشهر الفاصلة: هل تتسع المؤسسات للمجتمع أم تضيق به؟ هل تُفتح أبواب المشاركة أم تُعاد صياغة شروط الدخول؟ هل نرى مشروعًا وطنيًا يشارك الناس في بنائه، أم اتفاقًا جديدًا بين القوى على إدارة المشروع القديم؟
أفكر أحيانًا في تلك الدائرة التي رسمناها للانتخابات.
ربما لم تكن المشكلة أنها تحولت إلى مثمّن. ربما كانت المشكلة أننا أردنا للمجتمع أن يبقى داخل شكل رسمناه له، بينما هو أكبر من الدائرة والمثمّن وكل الخرائط التي تصنعها السياسة.
لقد سبق المجتمع الفلسطيني قياداته في لحظات كثيرة من تاريخه. سبقها حين حافظ على هويته بعد النكبة، وحين صنع مؤسساته الشعبية، وحين خرج إلى الانتفاضات، وحين أعاد تعريف فلسطين في وعي العالم من خلال صور غزة ووجوه أطفالها وصمود أهلها.
وليس غريبًا أن يسبقها مرة أخرى.
في نهاية هذا اليوم، ستبقى الأوراق في ملفاتها، والمراسيم في الجريدة الرسمية، والمواعيد في دفاتر لجنة الانتخابات. وسيعود الناس إلى حياتهم الثقيلة، إلى البيوت التي يحاولون ترميمها، وإلى الزيتون الذي ينتظر قطافه، وإلى المدن التي يعبرون إليها بصعوبة، وإلى المنافي التي يحملون فيها فلسطين معهم.
لكن سؤالًا سيظل حاضرًا، لا يحتاج إلى مؤتمر ولا إلى بيان كي يُطرح:
إذا كان الشعب الفلسطيني هو مصدر الشرعية، فلماذا يبدو، كلما حان موعد تجديدها، آخر من يُستشار؟
يحيى بركات
10/10/2026