مصطفى عبدالملك الصميدي - الإبادة على ضفتي الحياة: الإنسان والزيتون

تتوالى في فلسطين مشاهد الإبادة على الحياة كما لو أنها حرب قُدِّر لها أن تكون على الوجود نفسه، تصيب الأدمي أولاً في جسده وحياته وأسرته، ثم تتسع إلى ما يمنح وجوده معنى البقاء وتنال من كل شاهد على أنه كان ذات حين هنا. وما بين إبادة وأخرى ينفتح للمأساة مسرحان كلاهما لا يفضي إلا إلى المرارة والأسى؛ مسرح يُمعن في فناء الإنسان، وآخر يطارد أثره في المكان، فيطمس البيت الذي آواه والمدينة التي شهدت خطاه والحقل الذي احتضن مشاقه والشجرة التي أودع في ظلها شيئاً من سيرته الأولى. فإذا كانت الإبادة الجماعية تستأصل الإنسان من عالمه، فإن الإبادة الخضراء تقتلعه من صميم انتمائه وتنزع عنه كل ما كان شاهداً على بقائه. فالزيتون، رمز البقاء وذاكرة المكان وهوية الأرض واستقرارها، يُقتلع اليوم بدم بارد أمام عالم يرى ولا يرى، يسمع ولا يسمع؛ عالم يلوذ بصمتٍ تتواطأ فيه القسوة مع الخذلان، إذ يترك أهل الأرض لافتراسٍ يستبيح جذورهم، ويمد إلى الشجر يد الفناء التي امتدت إلى أهلها.

لإبادة الإنسان - فرداً كان أو جماعة - فداحة تضيق عنها مذاهب القول، وتنحسر دونها بلاغة اللغة؛ إذ كيف للكلمات أن تستوعب من الموت ما تتصدّع له معاني الحياة، أو أن تصور من الفقد ما تعجز الذاكرة عن احتمال صورته؟ وأيُّ بيانٍ يفي أُمّاً تنبش الركام لعلّها تظفر بصوتٍ ألفته، أو بيتاً كان بالأمس مأوى لأهله، فأضحى اليوم أثراً بعد عين؟ غير أن للإبادة ما هو أدهى وأمرّ من إزهاق الأرواح؛ إذ تمتدّ يدها إلى الآتي الذي لن يأتي، وإلى الأعمار التي تُبتر قبل أن تستوفي نصيبها من الحياة، وإلى المصائر التي تُوأد قبل أن تُفصح عن مآلاتها. فكم من مستقبلٍ واراه التراب قبل أن يرى النور، وكم من حكايةٍ انطوت بانطواء صاحبها، وكم من صلةٍ انفرط عقدها فلم يبقَ منها سوى فراغ موحش في حياة من نجوا، وكم من عائلة مُحيت من سِجلّ الوجود، وانقطع امتدادها لتخلّف وراءها ذاكرة ينوء بها الفقد، وصدى يتيم يتردد في خواء المكان. وإذا استحال الفناء نكبةً تستأصل جماعات بأسرها، تجاوزت الخسارة الأرواح التي تُزهق إلى ما نسجته الأعوام بين أهلها من وشائج، وما أودعته الذاكرة من حكايات ومآثر، وما توارثته الأجيال من شواهد الانتماء، حتى لكأنّ الموت، إذ يستوفي نصيبه من البشر، ينتزع معهم نصيباً من روح الحياة تاركاً ما بقي منها غريباً عن صورته الأولى.

وللإبادة الخضراء من فداحة الجرم ما تتقاصر دونه مقاييس الخراب، إذ تُقتلع الجذور من منابتها لتغدو الروح غريبة حتى في ترابها الأثير. فالزيتون الذي شقّ طريقه في مسام الثرى واختزن في عروقه سِيَر القرون، وصاغ من ثماره أسباب البقاء، يُساق اليوم إلى السقوط تحت مناشير الفؤوس، كأنّما يُراد لهذه الأرض أن تتخلّى عن هويتها وذاكرتها. وما بين جذع يخرّ وآخر يُقتلع، تنقلب الهيئة التي نسجتها الفصول في أديمها؛ فينحسر الظلّ الذي كان يقي المكان لهيب الحرّ، وينكسر الغصن الذي كان يأوي الطير، ويُسلَّم الحقل الذي ألف الخصب إلى قسوة العراء. وهكذا يُعاد تشكيل الأرض بحد الحديد، وتُمحى من تضاريسها الملامح حتى يغدو الاقتلاع عدواناً على ما كان وما هو كائن وما كان ينبغي أن يكون؛ إبادة تسعى إلى ترك أمة أمام تراب لا يدلها على حكايات من سبقوا. غير أن لهذا الشجر العتيق، بما ضمّ من صبر السنين وعمق الجذور شهادة أبلغ من ضجيج الحديد؛ فحتى حين يسقط الجذع، لا يسقط الحقّ الذي شهد له ولا تُقتلع من الأرض حقيقة الذين انغرسوا فيها حياةً وأصالةً وانتماء؛ فلكل جذع نسبٌ في التراب ولكلّ غصن جهة في التاريخ، ولكلّ حبة ثمر سيرة كدحٍ وارتباط وامتداد.

في فلسطين، لا يستباح الإنسان وحده؛ يستباح معه الذاكرة والهوية والمكان وكل ما يمنح حياته امتداداً يتجاوز موته الغزير. فأيُّ فجيعةٍ أفدح من أن يُوارى تحت الركام، ثم يُوارى أثره في طبقات متراكمة من كثرة الموت والاقتلاع؟ وأي ظلم أبلغ من أن يُقتل الإنسان مرتين: مرة في جسده، وأخرى في الشواهد التي تحفظ هويته؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى