علي سيف الرعيني -| الكتابة في زمن المأسي وقصف الطائرات !!

ثمة كوارث تتجاوز قدرة اللغة على الاحتمال ومشاهد تبلغ من الفظاعة حداً تصبح معه الكلمات عاجزة عن أداء وظيفتها كأن الحروف التي طالما احتمت بها أرواحنا قد فقدت قدرتها على التعبير وكأن القلم الذي اعتاد أن يفتش في وجع الإنسان عن عبارة تليق به يقف اليوم مذهولاً أمام وجع لا تسعه العبارة ولا يحتويه الكلام
في الحروب لا تبدو الكتابة دائماً ذلك الملاذ الآمن الذي نلوذ به كلما ضاقت بنا الحياة بل تتحول أحياناً إلى شاهد مرتبك على مأساة أكبر من قدرته على الوصف كيف يستطيع الكاتب أن يصوغ جملة متماسكة وهو يرى البيوت تتهاوى فوق ساكنيها وغارات الطيران تمزق سكون المدن والانفجارات تحيل الشوارع إلى ركام بينما يركض الأطفال في اتجاهات مجهولة يحملون خوفهم أكبر من أعمارهم وتبحث الأمهات بين الأنقاض عن وجوه كانت قبل لحظات تملأ البيوت حياة
أي لغة تستطيع أن تصف دمعة طفل لا يعرف لماذا فقد أمانه أو أن تترجم ارتجافة أم تضم أبناءها إلى صدرها فيما السماء تمطر ناراً وأي استعارة أدبية يمكنها أن تبلغ حقيقة المشهد حين يصبح الموت خبراً متكرراً وتغدو صور الضحايا أرقاماً تتزاحم على الشاشات ثم تنطفئ سريعاً في زحام الأخبار
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في عجز الكلمات وحده بل في أن تتكرر الفواجع حتى يوشك العالم أن يعتادها حين يصبح دوي الانفجارات مألوفاً ومشاهد الدم أمراً عابراً وأسماء القتلى أرقاماً في نشرات المساء نكون أمام كارثة أخرى لا تقل خطورة عن الحرب نفسها كارثة تآكل الحس الإنساني وانسحاب الضمير من موقع الشهادة إلى مقاعد المتفرجين
ولعل أكثر المشاهد قسوة تلك التي لا تحظى بما يكفي من الالتفات حيوانات مذعورة تهرب من الحظائر التي مزقتها الانفجارات وبهائم تتخبط في الحقول المحترقة وطيور تفزع من أعشاشها ومخلوقات لا تعرف شيئاً عن السياسة ولا تفهم خرائط النفوذ لكنها تدفع ثمن صراعات لم تخترها حتى الطبيعة التي لم تكن طرفا في الخصومة تجد نفسها شاهدة على خراب الإنسان فيما تتسع دائرة الخوف لتشمل كل كائن يبحث عن مأوى أو لقمة أو لحظة أمان
أمام هذه المشاهد يشعر الكاتب بأن مخزونه اللغوي يتراجع أمام حقيقة دامية لا تحتاج إلى زخرفة كي تكون موجعة تتزاحم الأفكار في رأسه ثم تتعثر عند عتبة الجملة الأولى يكتب كلمة ويمحوها يستدعي صورة فتخذله ويحاول أن يمنح الألم شكلاً لغوياً فيكتشف أن بعض الأوجاع أكبر من أن تُحاصر بين سطرين وأن بعض الحقائق تفقد شيئاً من فداحتها حين تُروى ببلاغة مفرطة
فليست كل مأساة بحاجة إلى وصف بديع ولا كل دمعة تنتظر استعارة ولا كل جريمة يمكن اختزالها في نص مؤثر ثمة لحظات يكون فيها الإفراط في تجميل العبارة نوعاً من الابتعاد عن الحقيقة لأن الركام لا يحتاج إلى زينة لغوية والطفل المنتشل من تحت الأنقاض لا يحتاج إلى تشبيه بقدر ما يحتاج إلى يد تنقذه وسماء المدن لا تحتاج إلى قصيدة عن السلام بقدر ما تحتاج إلى أن تتوقف عنها الطائرات التي تحمل الموت وتمزق اجسادالابرياء كطالبات المدارس لاخرمشهد لغارة طيران دفعت ثمنها طالبات
ومع ذلك فإن صمت الكاتب لا ينبغي أن يتحول إلى استقالة من مسؤوليته ولا أن تصبح خرس الحروف ذريعة لترك الضحايا وحدهم في مواجهة النسيان فحين تعجز اللغة عن وصف الفاجعة تستطيع أن تشهد عليها وحين لا تجد الكلمات ما يوازي حجم الألم يمكنها على الأقل أن ترفض تبريره وأن تفضح منطق القوة الذي يجعل حياة الإنسان تفصيلاً هامشياً في حسابات الحرب
الكتابة في زمن المآسي ليست مطالبة بأن تنتصر على الموت بالكلمات فهذا انتصار لا تملكه الحروف لكنها مطالبة بألا تسمح للموت أن ينتصر مرتين مرة حين يحصد الأرواح ومرة حين يمحو قصصها من الذاكرة ويحول أصحابها إلى أرقام عابرة لا يتوقف عندها أحد
إن الكاتب الذي يقف عاجزا أمام مشاهد الدمار لا يفقد بالضرورة قدرته على الكتابة بل قد يكون قد بلغ تلك المنطقة النادرة التي يدرك فيها حدود اللغة ويفهم أن الصدق ليس في أن يقول كل شيء وإنما في أن يعترف بما لا يستطيع قوله هناك يصبح الصمت موقفاً أخلاقياً وتغدو الحروف الخرساء أكثر صدقاً من خطب طويلة تتحدث عن الإنسانية بينما يواصل الأبرياء دفع ثمن غيابها
لكن للصمت حدوداً أيضا فحين يتحول إلى اعتياد ويصبح السكوت قبولا يفقد براءته لذلك ينبغي للكاتب أن يصمت أمام عجز العبارة لا أمام الظلم وأن يخفض صوته احتراماً لوجع الضحايا لا خوفاً من تسمية الجريمة وأن يترك للدموع حقها في الظهور دون أن يتخلى عن واجبه في حفظ الحقيقة من التزييف والنسيان
نعم قد تنهزم الكلمات أمام أزيز الطائرات وقد تتكسر الجمل على حواف الركام وقد يجلس الكاتب طويلا أمام صفحة بيضاء لا يعرف من أين يبدأ غير أن الصفحة البيضاء نفسها قد تكون شهادة على فداحة ما يحدث وعلى المسافة الهائلة بين ما يراه الإنسان وما يستطيع قوله
وإذا كان القلم عاجزاً عن إعادة طفل إلى حضن أمه أو عن ترميم بيت دمرته غارة أوعن إيقاف حرب تنهش أرواح الأبرياء فإنه يستطيع أن يرفض تحويل المأساة إلى مشهد عادي وأن يبقي أسماء الضحايا حية في الذاكرة وأن يذكّر العالم بأن وراء كل انفجار حياة كانت تحلم بالاستمرار
فالحروب قد تخرس الحروف لكنها لا تمنح القتلة حق محو الحقيقة وقد يعجز الكاتب عن وصف المأساة لكنه لا ينبغي أن يعجز عن الانحياز للإنسان وحين تصبح الكلمات أقل من حجم الألم فلعل أصدق ما يكتبه القلم أن يعترف بصمته ثم يواصل الشهادة حتى لا يصبح النسيان حرباً أخرى على الضحايا !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى