قد يغيّر صندوق الاقتراع الحكومة، لكنه لا يغيّر بالضرورة النظام الذي ينتج سياساتها. وقد تحتفظ حركة سياسية بشرعيتها التاريخية، فيما تفقد تدريجياً القدرة على تحويل هذه الشرعية إلى فعل. بين هاتين الحقيقتين تقع المفارقة التي تكشفها الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في مقابل تأجيل الانتخابات الفلسطينية: مجتمع يخوض صراعاً على من يحكم الدولة وكيف تُدار، وشعب يجد نفسه أمام سؤال أكثر تعقيداً: ما طبيعة النظام السياسي الذي يفترض أن يحكمه، وأين تبدأ قدرته على تقرير مصيره وأين تنتهي؟
ليست المسألة، إذاً، أن الإسرائيليين يتجهون إلى صناديق الاقتراع فيما يؤجل الفلسطينيون استحقاقهم الانتخابي. فهذه مقارنة إجرائية لا تقول الكثير عن جوهر الأزمة. الأهم هو أن الانتخابات تجري في إسرائيل داخل دولة تملك مؤسسات السيادة وأدوات القوة، بينما يواجه الفلسطينيون أزمة تمثيل داخل واقع استعماري تتوزع فيه السلطة بين الاحتلال ومؤسسات فلسطينية محدودة الصلاحيات، ويتعمق فيه الانقسام الجغرافي والسياسي. إننا أمام تفاوت لا يقتصر على شروط الاقتراع، بل يمتد إلى القدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى قرار نافذ.
في إسرائيل، من المقرر إجراء انتخابات الكنيست في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد ثلاث سنوات من هجوم السابع من أكتوبر والحرب التي تلته. وفي العاشر من أكتوبر، أعلن محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي كان مقرراً إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني، وتحديد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2027 موعداً متزامناً للانتخابات التشريعية والرئاسية، وفق الإعلان الفلسطيني الرسمي.
لكن ما يستحق التحليل ليس اختلاف الموعدين، بل اختلاف السؤال الذي تطرحه كل حالة. في إسرائيل، يدور التنافس حول القيادة ومسؤولية الإخفاق الأمني ومستقبل الحكومة واتجاهات الدولة بعد الحرب. أما فلسطينياً، فقد أصبح السؤال متعلقاً بإمكان تجديد المؤسسات التي فقدت تفويضها الانتخابي منذ سنوات، وبقدرة النظام السياسي على استعادة دوره التمثيلي والوطني. وهكذا تتجاور أزمة الاتجاه الاستراتيجي في إسرائيل مع أزمة التأسيس والتمثيل والقدرة في فلسطين، من دون أن تكونا أزمتين متماثلتين في طبيعة البنية أو موازين القوة.
أزمة إسرائيل ليست مجرد أزمة حكومة، وأزمة فلسطين ليست مجرد أزمة انتخابات.
في الحالة الإسرائيلية، يختبر الاقتراع قدرة النظام السياسي على استيعاب آثار الحرب ومراجعة السياسات التي سبقتها وتلتها. فقد أعاد السابع من أكتوبر فتح أسئلة حول مسؤولية القيادة، ومفهوم الأمن، وعلاقة الجيش بالمجتمع، ومستقبل الحرب على غزة، وموقع إسرائيل الإقليمي والدولي. لكن انتقال هذه الأسئلة إلى المجال الانتخابي لا يعني بالضرورة أن الإجابات المطروحة ستتجاوز حدود إدارة الأزمة إلى مراجعة الافتراضات التي تحكم علاقة الدولة بالفلسطينيين.
وهنا ينبغي التمييز بين المعارضة لنتنياهو والمعارضة للسياسات التي يمثلها. فالتنافس بين القوى الإسرائيلية لا يجري على فراغ، بل داخل مجال سياسي تشكلت فيه، خلال عقود، تصورات مشتركة حول السيطرة على الأرض والأمن والاستيطان، وإن اختلفت الأحزاب في وسائل تحقيقها وفي حدود المخاطرة السياسية التي تقبل بها.
توضح مواقف بعض قوى المعارضة هذا التباين. فهناك من يدعو إلى مراجعة سياسات الحكومة الحالية، وإلى معالجة إخفاقات السابع من أكتوبر، وإلى الحد من عنف المستوطنين أو إعادة النظر في بعض إجراءات الاستيطان. لكن ذلك لا يعني تبني مشروع سياسي ينهي الاحتلال أو يعترف بالضرورة بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة. وقد عبّر غادي آيزنكوت عن معارضته قيام دولة فلسطينية بعد السابع من أكتوبر، فيما يتمسك نفتالي بينيت بمواقف رافضة لها أيضاً.
لا تثبت هذه المواقف أن جميع القوى الإسرائيلية متطابقة، ولا تلغي الفروق بين برامجها في القضاء والأمن والاقتصاد وإدارة الصراع. لكنها تضع سؤالاً ضرورياً أمام التحليل: ما حدود التغيير الذي تستطيع الانتخابات إنتاجه عندما تتنافس الأحزاب على إدارة الدولة، بينما تبقى حقوق الفلسطينيين ومستقبل سيادتهم خارج الإجماع السياسي المطلوب لتحقيقها؟
إن إخفاق القيادة الإسرائيلية في منع هجوم السابع من أكتوبر، أو في تحقيق الأهداف التي أعلنتها الحرب، يمكن أن يصبح موضوعاً للمساءلة الانتخابية. لكن هذه المساءلة قد تظل محصورة في سؤال الأمن الإسرائيلي، من دون أن تتحول إلى مراجعة أخلاقية أو سياسية للسياسات التي تحكم حياة الفلسطينيين. وهنا تظهر حدود الديمقراطية حين يُختزل مجال المساءلة في المجتمع الذي يمارس الاقتراع، بينما تبقى آثار قراراته على شعب آخر خارج دائرة التمثيل السياسي المباشر.
لذلك، لا يمكن افتراض أن تغيير الحكومة الإسرائيلية سيؤدي تلقائياً إلى تغيير اتجاه الدولة. وقد تنتج الانتخابات تعديلاً مهماً في الائتلافات والسياسات والعلاقات الدولية، لكن الحكم على طبيعة التحول يظل مرتبطاً بما سيحدث في ملفات الاحتلال والاستيطان والضم وغزة والحقوق الوطنية الفلسطينية. فالتغيير في شاغلي السلطة واقعة سياسية، أما التغيير في البنية التي تنتج السياسات فهو مسألة أخرى.
على الجانب الفلسطيني، يبدو السؤال مختلفاً، لكنه لا يقل تعقيداً. فمنذ الانتخابات التشريعية عام 2006 والانتخابات الرئاسية عام 2005، لم تُجدَّد المؤسسات الوطنية عبر انتخابات عامة مماثلة، فيما تعمق الانقسام بين فتح وحماس، وتعطلت الرقابة التشريعية، وتراجعت قدرة النظام السياسي على تمثيل التعددية الفلسطينية وإدارة الخلاف داخل إطار مؤسسي مشترك.
لا يمكن فهم هذا المسار من دون الاحتلال، ولا من دون السيطرة الإسرائيلية على الحركة والأرض وإمكان إجراء الاقتراع في القدس الشرقية وغزة، ولا من دون الدمار الواسع الذي أصاب المجتمع الفلسطيني ومؤسساته. لكن تفسير الأزمة بهذه العوامل وحدها يبقى ناقصاً، لأنه لا يفسر كيف تحولت حالة الاستثناء إلى نمط مستمر في إدارة النظام السياسي، ولا لماذا لم تنجح القيادة الفلسطينية في بناء مسار مستدام لتجديد المؤسسات وإعادة توحيد المرجعية الوطنية.
إن تأجيل الانتخابات ليس أصل الأزمة، بل أحد مظاهرها المتجددة. فأصل الأزمة أعمق من قرار إداري أو خلاف على موعد الاقتراع؛ إنه يتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي يُطلب من الفلسطينيين تجديد شرعيته، وبوظيفة هذا النظام في ظل الاحتلال، وبحدود قدرته على تمثيل المجتمع وتحويل المطالب الوطنية إلى استراتيجية قابلة للفعل.
هنا يصبح نقد السلطة الفلسطينية أكثر من نقد لأدائها أو لقيادتها. فالمشكلة لا تتعلق فقط بضعف الكفاءة أو غياب المساءلة، بل بالتحول الذي أصاب وظيفة السلطة نفسها: من إطار كان يُفترض أن يكون مرحلة على طريق التحرر الوطني، إلى بنية إدارية وأمنية وتمويلية تعمل ضمن شروط يحدد الاحتلال جانباً أساسياً منها، وتعيد النخب السياسية إنتاجها عبر مصالحها وترتيباتها الداخلية.
إن مفهوم «الوساطة السياسية المشروطة» يتيح فهم هذا التحول. فالسلطة لا تعمل في فراغ، ولا تملك سيادة كاملة على المجال الذي تديره، لكنها ليست مجرد أداة بلا إرادة أو مسؤولية. إنها تتوسط بين المجتمع والاحتلال والمانحين، وتدير جانباً من الحياة اليومية الفلسطينية ضمن حدود مفروضة، فيما تتحدد قدرتها على الفعل الوطني بعلاقة معقدة بين القيود الخارجية وخيارات القيادة ومصالح البنية المؤسسية القائمة.
وهذا ما يجعل أزمة السلطة مختلفة عن مجرد أزمة شرعية انتخابية. فقد تحتفظ المؤسسات بوجودها القانوني والإداري، وقد يستمر الاعتراف الدولي بها، لكن ذلك لا يكفي لإنتاج شرعية سياسية حية إذا لم تستطع تمثيل المجتمع، وتجديد تفويضها، ومساءلة قيادتها، وربط وظائفها بمشروع وطني واضح. كما أن الشرعية التاريخية للحركة الوطنية لا تعفي مؤسساتها من المساءلة، ولا تمنحها تفويضاً دائماً بصرف النظر عن قدرتها على الفعل.
من هنا، لا يكفي أن نسأل لماذا لم تُجرَ الانتخابات، بل ينبغي أن نسأل: ما الذي ستغيره الانتخابات لو أُجريت؟ هل ستفتح المجال أمام إعادة بناء النظام السياسي، أم ستعيد توزيع المواقع داخل بنيته القائمة؟ وهل تستطيع نتائج الاقتراع أن تعيد وصل السلطة بمنظمة التحرير، وأن توسع التمثيل ليشمل الفلسطينيين في الشتات، وأن تضع حداً لاحتكار القرار، أم أن الانتخابات ستظل محصورة في مؤسسات لا تمثل وحدها كامل الشعب الفلسطيني؟
كان من الممكن أن تتيح الانتخابات تجديد التفويض الشعبي، وإعادة تشكيل المجلس التشريعي، واختبار موازين القوى بين الفصائل والقوى المستقلة، وإعادة إدخال التنافس السياسي في إطار مؤسسي. لكنها لم تكن لتضمن وحدها إنهاء الانقسام أو إنهاء الاحتلال أو إعادة بناء الحركة الوطنية. فصندوق الاقتراع يستطيع أن يغيّر التمثيل داخل المؤسسة، لكنه لا يعيد بالضرورة تأسيس المؤسسة أو تغيير الوظيفة التي تؤديها.
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تتجاوز عندها المقاربة الفلسطينية الجدل بين تأييد الانتخابات ورفضها، أو بين الدعوة إلى إصلاح السلطة والمطالبة بحلها. فالمسألة ليست في الانتخابات بوصفها قيمة مجردة، ولا في المؤسسة بوصفها غاية في ذاتها، بل في العلاقة بينهما وبين المشروع الوطني. إن تجديد السلطة من دون تغيير وظيفتها قد يعيد إنتاج الأزمة، كما أن هدم البنية القائمة من دون تصور للانتقال قد يترك فراغاً سياسياً لا يملكه المجتمع بالضرورة، وقد تملؤه القوى الأكثر قدرة على التنظيم والسيطرة.
ولذلك، فإن إعادة تأسيس المجال السياسي الفلسطيني تقتضي أكثر من تجديد الوجوه أو تعديل القوانين الانتخابية. إنها تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، واستعادة التمثيل الوطني الشامل، وبناء آليات للمساءلة والمشاركة، وتطوير تصور سياسي يربط إدارة الحياة اليومية بمشروع التحرر الوطني، بدلاً من إبقاء الوظيفتين منفصلتين أو متعارضتين.
غير أن هذا التأسيس لا يمكن أن يتحقق بمجرد إعلان الإرادة الداخلية. فالاحتلال يفرض قيوداً مادية وسياسية على إمكان بناء المجال الوطني الموحد، ويملك القدرة على تعطيل الحركة والانتخابات والمؤسسات. لكن الاعتراف بهذا الواقع لا يعني تعليق الفعل الفلسطيني على تغير الحكومات الإسرائيلية أو انتظار تسوية دولية. بل يعني أن بناء القدرة السياسية يصبح جزءاً من مواجهة الاحتلال، لا مرحلة تأتي بعد زواله.
وهنا تلتقي الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية من دون أن تتطابقا. فنتائج الانتخابات الإسرائيلية قد تحدد شكل الحكومة المقبلة، وطبيعة سياساتها تجاه غزة والضفة الغربية والاستيطان، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً عن وجود مشروع سياسي فلسطيني مستقل. والانتخابات الفلسطينية يمكن أن تجدد المؤسسات وتعيد فتح المجال العام، لكنها لن تتحول إلى أداة للتحرر ما لم ترتبط بإعادة بناء القدرة الوطنية على اتخاذ القرار وتنفيذه.
إن اختزال مستقبل الفلسطينيين في نتائج الانتخابات الإسرائيلية يعيد إنتاج التبعية السياسية التي تجعل قضيتهم موضوعاً للتنافس بين القوى الإسرائيلية. وفي المقابل، فإن اختزال أزمة النظام السياسي الفلسطيني في غياب الانتخابات يحجب المشكلة الأعمق: غياب إطار قادر على تحويل الإرادة الوطنية إلى فعل سياسي منظم، وعلى إدارة التعددية من دون احتكار، وعلى بناء علاقة جديدة بين الشرعية والتمثيل والقدرة.
لهذا، لا يكفي أن تكون هناك انتخابات كي يكون هناك تغيير، ولا يكفي أن تكون هناك شرعية تاريخية كي يكون هناك تمثيل فاعل. فالشرعية التي لا تتجدد معرضة للتآكل، والمؤسسات التي لا تُراجع وظائفها معرضة لإعادة إنتاج الأزمة، والمشروع الوطني الذي لا يمتلك أدوات سياسية لتنفيذه يبقى عرضة لأن تحدد الأطراف الأخرى شروطه وحدوده.
إن المقارنة بين إسرائيل وفلسطين لا تهدف إلى وضعهما في ميزان واحد، بل إلى كشف الفارق بين مجتمع يتنافس على إدارة دولة قائمة، وشعب ما زال يصارع على شروط امتلاك المجال السياسي الذي يمكّنه من تقرير مصيره. وفي إسرائيل، يظل الاختبار هو ما إذا كانت الانتخابات ستراجع الاتجاه الاستراتيجي للدولة أم ستعيد ترتيب أدوات إدارته. أما فلسطينياً، فالاختبار أسبق: هل يمكن إعادة بناء نظام سياسي يملك شرعية متجددة وقدرة على الفعل، ويستعيد السياسة من اختزالها في إدارة الممكن تحت الاحتلال؟
فالانتخابات تفتح إمكان التغيير، لكنها لا تصنعه؛ إذ يبدأ التغيير حين يصبح المجتمع قادراً على مساءلة السلطة وتغيير وظيفتها، لا حين يمنحها تفويضاً جديداً لإدارة العجز نفسه.
ليست المسألة، إذاً، أن الإسرائيليين يتجهون إلى صناديق الاقتراع فيما يؤجل الفلسطينيون استحقاقهم الانتخابي. فهذه مقارنة إجرائية لا تقول الكثير عن جوهر الأزمة. الأهم هو أن الانتخابات تجري في إسرائيل داخل دولة تملك مؤسسات السيادة وأدوات القوة، بينما يواجه الفلسطينيون أزمة تمثيل داخل واقع استعماري تتوزع فيه السلطة بين الاحتلال ومؤسسات فلسطينية محدودة الصلاحيات، ويتعمق فيه الانقسام الجغرافي والسياسي. إننا أمام تفاوت لا يقتصر على شروط الاقتراع، بل يمتد إلى القدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى قرار نافذ.
في إسرائيل، من المقرر إجراء انتخابات الكنيست في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد ثلاث سنوات من هجوم السابع من أكتوبر والحرب التي تلته. وفي العاشر من أكتوبر، أعلن محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي كان مقرراً إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني، وتحديد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2027 موعداً متزامناً للانتخابات التشريعية والرئاسية، وفق الإعلان الفلسطيني الرسمي.
لكن ما يستحق التحليل ليس اختلاف الموعدين، بل اختلاف السؤال الذي تطرحه كل حالة. في إسرائيل، يدور التنافس حول القيادة ومسؤولية الإخفاق الأمني ومستقبل الحكومة واتجاهات الدولة بعد الحرب. أما فلسطينياً، فقد أصبح السؤال متعلقاً بإمكان تجديد المؤسسات التي فقدت تفويضها الانتخابي منذ سنوات، وبقدرة النظام السياسي على استعادة دوره التمثيلي والوطني. وهكذا تتجاور أزمة الاتجاه الاستراتيجي في إسرائيل مع أزمة التأسيس والتمثيل والقدرة في فلسطين، من دون أن تكونا أزمتين متماثلتين في طبيعة البنية أو موازين القوة.
أزمة إسرائيل ليست مجرد أزمة حكومة، وأزمة فلسطين ليست مجرد أزمة انتخابات.
في الحالة الإسرائيلية، يختبر الاقتراع قدرة النظام السياسي على استيعاب آثار الحرب ومراجعة السياسات التي سبقتها وتلتها. فقد أعاد السابع من أكتوبر فتح أسئلة حول مسؤولية القيادة، ومفهوم الأمن، وعلاقة الجيش بالمجتمع، ومستقبل الحرب على غزة، وموقع إسرائيل الإقليمي والدولي. لكن انتقال هذه الأسئلة إلى المجال الانتخابي لا يعني بالضرورة أن الإجابات المطروحة ستتجاوز حدود إدارة الأزمة إلى مراجعة الافتراضات التي تحكم علاقة الدولة بالفلسطينيين.
وهنا ينبغي التمييز بين المعارضة لنتنياهو والمعارضة للسياسات التي يمثلها. فالتنافس بين القوى الإسرائيلية لا يجري على فراغ، بل داخل مجال سياسي تشكلت فيه، خلال عقود، تصورات مشتركة حول السيطرة على الأرض والأمن والاستيطان، وإن اختلفت الأحزاب في وسائل تحقيقها وفي حدود المخاطرة السياسية التي تقبل بها.
توضح مواقف بعض قوى المعارضة هذا التباين. فهناك من يدعو إلى مراجعة سياسات الحكومة الحالية، وإلى معالجة إخفاقات السابع من أكتوبر، وإلى الحد من عنف المستوطنين أو إعادة النظر في بعض إجراءات الاستيطان. لكن ذلك لا يعني تبني مشروع سياسي ينهي الاحتلال أو يعترف بالضرورة بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة. وقد عبّر غادي آيزنكوت عن معارضته قيام دولة فلسطينية بعد السابع من أكتوبر، فيما يتمسك نفتالي بينيت بمواقف رافضة لها أيضاً.
لا تثبت هذه المواقف أن جميع القوى الإسرائيلية متطابقة، ولا تلغي الفروق بين برامجها في القضاء والأمن والاقتصاد وإدارة الصراع. لكنها تضع سؤالاً ضرورياً أمام التحليل: ما حدود التغيير الذي تستطيع الانتخابات إنتاجه عندما تتنافس الأحزاب على إدارة الدولة، بينما تبقى حقوق الفلسطينيين ومستقبل سيادتهم خارج الإجماع السياسي المطلوب لتحقيقها؟
إن إخفاق القيادة الإسرائيلية في منع هجوم السابع من أكتوبر، أو في تحقيق الأهداف التي أعلنتها الحرب، يمكن أن يصبح موضوعاً للمساءلة الانتخابية. لكن هذه المساءلة قد تظل محصورة في سؤال الأمن الإسرائيلي، من دون أن تتحول إلى مراجعة أخلاقية أو سياسية للسياسات التي تحكم حياة الفلسطينيين. وهنا تظهر حدود الديمقراطية حين يُختزل مجال المساءلة في المجتمع الذي يمارس الاقتراع، بينما تبقى آثار قراراته على شعب آخر خارج دائرة التمثيل السياسي المباشر.
لذلك، لا يمكن افتراض أن تغيير الحكومة الإسرائيلية سيؤدي تلقائياً إلى تغيير اتجاه الدولة. وقد تنتج الانتخابات تعديلاً مهماً في الائتلافات والسياسات والعلاقات الدولية، لكن الحكم على طبيعة التحول يظل مرتبطاً بما سيحدث في ملفات الاحتلال والاستيطان والضم وغزة والحقوق الوطنية الفلسطينية. فالتغيير في شاغلي السلطة واقعة سياسية، أما التغيير في البنية التي تنتج السياسات فهو مسألة أخرى.
على الجانب الفلسطيني، يبدو السؤال مختلفاً، لكنه لا يقل تعقيداً. فمنذ الانتخابات التشريعية عام 2006 والانتخابات الرئاسية عام 2005، لم تُجدَّد المؤسسات الوطنية عبر انتخابات عامة مماثلة، فيما تعمق الانقسام بين فتح وحماس، وتعطلت الرقابة التشريعية، وتراجعت قدرة النظام السياسي على تمثيل التعددية الفلسطينية وإدارة الخلاف داخل إطار مؤسسي مشترك.
لا يمكن فهم هذا المسار من دون الاحتلال، ولا من دون السيطرة الإسرائيلية على الحركة والأرض وإمكان إجراء الاقتراع في القدس الشرقية وغزة، ولا من دون الدمار الواسع الذي أصاب المجتمع الفلسطيني ومؤسساته. لكن تفسير الأزمة بهذه العوامل وحدها يبقى ناقصاً، لأنه لا يفسر كيف تحولت حالة الاستثناء إلى نمط مستمر في إدارة النظام السياسي، ولا لماذا لم تنجح القيادة الفلسطينية في بناء مسار مستدام لتجديد المؤسسات وإعادة توحيد المرجعية الوطنية.
إن تأجيل الانتخابات ليس أصل الأزمة، بل أحد مظاهرها المتجددة. فأصل الأزمة أعمق من قرار إداري أو خلاف على موعد الاقتراع؛ إنه يتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي يُطلب من الفلسطينيين تجديد شرعيته، وبوظيفة هذا النظام في ظل الاحتلال، وبحدود قدرته على تمثيل المجتمع وتحويل المطالب الوطنية إلى استراتيجية قابلة للفعل.
هنا يصبح نقد السلطة الفلسطينية أكثر من نقد لأدائها أو لقيادتها. فالمشكلة لا تتعلق فقط بضعف الكفاءة أو غياب المساءلة، بل بالتحول الذي أصاب وظيفة السلطة نفسها: من إطار كان يُفترض أن يكون مرحلة على طريق التحرر الوطني، إلى بنية إدارية وأمنية وتمويلية تعمل ضمن شروط يحدد الاحتلال جانباً أساسياً منها، وتعيد النخب السياسية إنتاجها عبر مصالحها وترتيباتها الداخلية.
إن مفهوم «الوساطة السياسية المشروطة» يتيح فهم هذا التحول. فالسلطة لا تعمل في فراغ، ولا تملك سيادة كاملة على المجال الذي تديره، لكنها ليست مجرد أداة بلا إرادة أو مسؤولية. إنها تتوسط بين المجتمع والاحتلال والمانحين، وتدير جانباً من الحياة اليومية الفلسطينية ضمن حدود مفروضة، فيما تتحدد قدرتها على الفعل الوطني بعلاقة معقدة بين القيود الخارجية وخيارات القيادة ومصالح البنية المؤسسية القائمة.
وهذا ما يجعل أزمة السلطة مختلفة عن مجرد أزمة شرعية انتخابية. فقد تحتفظ المؤسسات بوجودها القانوني والإداري، وقد يستمر الاعتراف الدولي بها، لكن ذلك لا يكفي لإنتاج شرعية سياسية حية إذا لم تستطع تمثيل المجتمع، وتجديد تفويضها، ومساءلة قيادتها، وربط وظائفها بمشروع وطني واضح. كما أن الشرعية التاريخية للحركة الوطنية لا تعفي مؤسساتها من المساءلة، ولا تمنحها تفويضاً دائماً بصرف النظر عن قدرتها على الفعل.
من هنا، لا يكفي أن نسأل لماذا لم تُجرَ الانتخابات، بل ينبغي أن نسأل: ما الذي ستغيره الانتخابات لو أُجريت؟ هل ستفتح المجال أمام إعادة بناء النظام السياسي، أم ستعيد توزيع المواقع داخل بنيته القائمة؟ وهل تستطيع نتائج الاقتراع أن تعيد وصل السلطة بمنظمة التحرير، وأن توسع التمثيل ليشمل الفلسطينيين في الشتات، وأن تضع حداً لاحتكار القرار، أم أن الانتخابات ستظل محصورة في مؤسسات لا تمثل وحدها كامل الشعب الفلسطيني؟
كان من الممكن أن تتيح الانتخابات تجديد التفويض الشعبي، وإعادة تشكيل المجلس التشريعي، واختبار موازين القوى بين الفصائل والقوى المستقلة، وإعادة إدخال التنافس السياسي في إطار مؤسسي. لكنها لم تكن لتضمن وحدها إنهاء الانقسام أو إنهاء الاحتلال أو إعادة بناء الحركة الوطنية. فصندوق الاقتراع يستطيع أن يغيّر التمثيل داخل المؤسسة، لكنه لا يعيد بالضرورة تأسيس المؤسسة أو تغيير الوظيفة التي تؤديها.
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تتجاوز عندها المقاربة الفلسطينية الجدل بين تأييد الانتخابات ورفضها، أو بين الدعوة إلى إصلاح السلطة والمطالبة بحلها. فالمسألة ليست في الانتخابات بوصفها قيمة مجردة، ولا في المؤسسة بوصفها غاية في ذاتها، بل في العلاقة بينهما وبين المشروع الوطني. إن تجديد السلطة من دون تغيير وظيفتها قد يعيد إنتاج الأزمة، كما أن هدم البنية القائمة من دون تصور للانتقال قد يترك فراغاً سياسياً لا يملكه المجتمع بالضرورة، وقد تملؤه القوى الأكثر قدرة على التنظيم والسيطرة.
ولذلك، فإن إعادة تأسيس المجال السياسي الفلسطيني تقتضي أكثر من تجديد الوجوه أو تعديل القوانين الانتخابية. إنها تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، واستعادة التمثيل الوطني الشامل، وبناء آليات للمساءلة والمشاركة، وتطوير تصور سياسي يربط إدارة الحياة اليومية بمشروع التحرر الوطني، بدلاً من إبقاء الوظيفتين منفصلتين أو متعارضتين.
غير أن هذا التأسيس لا يمكن أن يتحقق بمجرد إعلان الإرادة الداخلية. فالاحتلال يفرض قيوداً مادية وسياسية على إمكان بناء المجال الوطني الموحد، ويملك القدرة على تعطيل الحركة والانتخابات والمؤسسات. لكن الاعتراف بهذا الواقع لا يعني تعليق الفعل الفلسطيني على تغير الحكومات الإسرائيلية أو انتظار تسوية دولية. بل يعني أن بناء القدرة السياسية يصبح جزءاً من مواجهة الاحتلال، لا مرحلة تأتي بعد زواله.
وهنا تلتقي الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية من دون أن تتطابقا. فنتائج الانتخابات الإسرائيلية قد تحدد شكل الحكومة المقبلة، وطبيعة سياساتها تجاه غزة والضفة الغربية والاستيطان، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً عن وجود مشروع سياسي فلسطيني مستقل. والانتخابات الفلسطينية يمكن أن تجدد المؤسسات وتعيد فتح المجال العام، لكنها لن تتحول إلى أداة للتحرر ما لم ترتبط بإعادة بناء القدرة الوطنية على اتخاذ القرار وتنفيذه.
إن اختزال مستقبل الفلسطينيين في نتائج الانتخابات الإسرائيلية يعيد إنتاج التبعية السياسية التي تجعل قضيتهم موضوعاً للتنافس بين القوى الإسرائيلية. وفي المقابل، فإن اختزال أزمة النظام السياسي الفلسطيني في غياب الانتخابات يحجب المشكلة الأعمق: غياب إطار قادر على تحويل الإرادة الوطنية إلى فعل سياسي منظم، وعلى إدارة التعددية من دون احتكار، وعلى بناء علاقة جديدة بين الشرعية والتمثيل والقدرة.
لهذا، لا يكفي أن تكون هناك انتخابات كي يكون هناك تغيير، ولا يكفي أن تكون هناك شرعية تاريخية كي يكون هناك تمثيل فاعل. فالشرعية التي لا تتجدد معرضة للتآكل، والمؤسسات التي لا تُراجع وظائفها معرضة لإعادة إنتاج الأزمة، والمشروع الوطني الذي لا يمتلك أدوات سياسية لتنفيذه يبقى عرضة لأن تحدد الأطراف الأخرى شروطه وحدوده.
إن المقارنة بين إسرائيل وفلسطين لا تهدف إلى وضعهما في ميزان واحد، بل إلى كشف الفارق بين مجتمع يتنافس على إدارة دولة قائمة، وشعب ما زال يصارع على شروط امتلاك المجال السياسي الذي يمكّنه من تقرير مصيره. وفي إسرائيل، يظل الاختبار هو ما إذا كانت الانتخابات ستراجع الاتجاه الاستراتيجي للدولة أم ستعيد ترتيب أدوات إدارته. أما فلسطينياً، فالاختبار أسبق: هل يمكن إعادة بناء نظام سياسي يملك شرعية متجددة وقدرة على الفعل، ويستعيد السياسة من اختزالها في إدارة الممكن تحت الاحتلال؟
فالانتخابات تفتح إمكان التغيير، لكنها لا تصنعه؛ إذ يبدأ التغيير حين يصبح المجتمع قادراً على مساءلة السلطة وتغيير وظيفتها، لا حين يمنحها تفويضاً جديداً لإدارة العجز نفسه.