يحيى بركات حين يصبح التقويم بديلًا عن صندوق الاقتراع من تأجيل الانتخابات إلى سؤال الشرعية… ومن الاعتراف بالدولة إلى حق المجتمع في اختيار قيادته

في غرفة هادئة، تمتد يد إلى التقويم المعلق على الجدار، تنزع ورقة، وتضع مكانها ورقة أخرى. لا يتغير شيء في الغرفة. الطاولة هي الطاولة، والكراسي هي الكراسي، والوجوه التي اعتادت الاجتماع حولها لم تغادر أماكنها. وحده التاريخ يتغير.

وخارج الغرفة، في غزة، يحاول رجل أن يعيد بناء ما تبقى من بيته، وفي الضفة يخرج مزارع إلى أرضه وهو لا يعرف إن كان سيعود بزيتونه أم بخبر اقتلاع أشجاره، وفي القدس تعبر امرأة حاجزًا عسكريًا لتصل إلى عملها، وفي مخيم بعيد عن فلسطين يكبر شاب يحمل هوية وطنية لم تتح له فرصة المشاركة في اختيار مؤسساتها.

هؤلاء جميعًا لا ينتظرون ورقة جديدة على التقويم. ينتظرون أن يصبح لهم صوت في القرار الذي يرسم مستقبلهم.

في العاشر من تشرين الأول 2026، صدر المرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كان مقررًا إجراؤها في الثامن والعشرين من تشرين الثاني، وتحديد الحادي عشر من أيلول 2027 موعدًا متزامنًا للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وهكذا أضيفت عشرة أشهر تقريبًا إلى انتظار امتد قرابة عشرين عامًا منذ آخر انتخابات تشريعية، وأكثر من عشرين عامًا منذ آخر انتخابات رئاسية. وللمرة الثانية خلال خمس سنوات، بعد تأجيل انتخابات 2021، يجد الفلسطيني نفسه أمام موعد انتخابي يبتعد كلما ظن أنه اقترب.

لكن الزمن السياسي لا يُقاس بالأيام التي تمر، بل بما يحدث خلالها، وبالحقوق التي تبقى معلقة، وبالأجيال التي تدخل الحياة العامة دون أن تعرف تجربة اختيار ممثليها.

وقد أثار اختيار الحادي عشر من أيلول ضجة بين من استحضروا أحداث ذلك اليوم في الذاكرة العالمية، ومن استعادوا جراح أيلول الفلسطيني والعربي، حتى بدا للحظة أن المشكلة في اليوم والشهر، لا في تأجيل الانتخابات نفسها.

وتساءلت وأنا أتابع ذلك السجال: ماذا لو اختير الثاني عشر من أيلول؟ هل كانت الأزمة ستصبح أقل خطورة؟ وماذا لو أضيف شهر آخر إلى سنوات الانتظار؟ هل كانت الشرعية ستصبح أكثر حضورًا؟

لقد انشغلنا بالرسن، وتركنا الجمل يمضي حيث يشاء.

وربما كان الأجدر بنا، إذا أردنا أن نذهب بالسخرية إلى نهايتها، أن نقترح التاسع والعشرين من شباط موعدًا للانتخابات، فهو يوم لا يأتي إلا مرة كل أربع سنوات، وإذا تعذّر إجراؤها في موعده، فلن نحتاج إلى مرسوم تأجيل جديد؛ يكفي أن ننتظر الدورة الكبيسة التالية!

لكن ما يبدو نكتة على الورق يصبح موجعًا حين نتذكر أن الحديث يدور عن حق شعب في اختيار قيادته، لا عن موعد احتفال يمكن نقله من فصل إلى آخر.

ليس من الإنصاف تجاهل الظروف التي يعيشها الفلسطينيون. فغزة تحمل آثار الحرب والدمار، والضفة تواجه الاستيطان والاقتحامات والحواجز والاعتقالات، والقدس تتعرض لمحاولات متواصلة لتقييد حضورها الفلسطيني. والاحتلال يمتلك من أدوات السيطرة على الأرض والحركة والمعابر ما يستطيع به عرقلة أي عملية انتخابية.

هذه حقائق لا يجوز إبعادها عن الصورة. لكن الاعتراف بها لا يعني أن يصبح الاحتلال، الذي يتحكم أصلًا بجوانب واسعة من حياتنا، صاحب الحق العملي في تحديد متى ننتخب ومتى ننتظر.

لقد جرى تبرير التأجيل بالحاجة إلى تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية، وإلى حوار وطني يعزز الوحدة ويضمن مشاركة القدس وغزة والضفة الغربية.

والحوار الوطني ضرورة، والوحدة الوطنية ضرورة، وضمان مشاركة الفلسطينيين جميعًا ضرورة أيضًا. لكن الضرورة تفقد معناها حين تتحول من وسيلة لإنجاز الاستحقاق إلى شرط مفتوح يؤجله مرة بعد أخرى.

فالفصائل التي عجزت طوال سنوات عن إنهاء انقسامها، كيف يمكن أن نضع حق المجتمع في الانتخاب رهينة اتفاقها الكامل؟ ومن يضمن أن تنتهي خلافاتها في أيلول المقبل، أو في أي أيلول يأتي بعده؟

المفارقة أن القوى السياسية التي يفترض أن تستمد شرعيتها من المجتمع أصبحت هي التي تتفاوض على موعد السماح له بتجديد هذه الشرعية.

وقبل قرار التأجيل، كانت الساحة الفلسطينية تتحرك على نحو لم تعهده منذ سنوات. بدأت تتشكل قوائم وتحالفات، وظهرت احتمالات لتنافس يتجاوز الحدود التقليدية بين فتح وحماس واليسار والمستقلين، واتسعت النقاشات حول الشباب والنساء والتمثيل السياسي ومستقبل المؤسسات.

كانت الدائرة المألوفة تتسع، وربما تتحول إلى مثمّن تتعدد فيه الزوايا ومراكز القوة واحتمالات التحالف. ولم يكن ممكنًا الجزم بما ستنتجه صناديق الاقتراع، لكن مجرد عودة الاحتمالات إلى الحياة السياسية كان يعني أن المجتمع قد يجد فرصة لإعادة رسم خريطته التمثيلية.

ثم جاء التأجيل.

لا أقول إن اتساع المنافسة كان سبب القرار، لكن تزامن الأمرين يضع أمامنا سؤالًا مشروعًا: هل نريد انتخابات تسمح للمجتمع بتغيير موازين القوة، أم انتخابات تجري بعد أن تطمئن القوى القائمة إلى شكل هذه الموازين؟

توالت البيانات والمواقف. من رأى في التأجيل فرصة لاستكمال المصالحة والحوار، ومن اعتبره تراجعًا عن استحقاق ديمقراطي طال انتظاره. وبرزت أصوات ناقدة من داخل فتح نفسها، إلى جانب معارضين من خارجها، بينما طالب الائتلاف الأهلي للرقابة على الانتخابات بحماية حق المجتمع في الاقتراع، وطرح إجراءات تتعلق بضمانات العملية الانتخابية ومشاركة القدس وغزة والرقابة وقبول النتائج.

على الشاشات تتوالى التصريحات، وفي القاعات تُفتح ملفات المصالحة وتقاسم المسؤوليات. أسماء تتقدم وأخرى تتراجع، وأوراق تُنقل من طرف الطاولة إلى طرفها الآخر. أما المواطن الذي يفترض أن يختار بين هذه البرامج، فلا يزال ينتظر موعد دخوله إلى المشهد.

وفي قلب هذا السجال ظهرت فكرة تستحق أن تتحول إلى قاعدة وطنية: التوافق على قواعد المنافسة، لا على نتائجها.

فالمصالحة التي تهيئ الطريق أمام المجتمع كي يختار تختلف عن المصالحة التي تتفق فيها القوى على توزيع مواقع السلطة قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع.

وقد ظهرت في النقاش اقتراحات بتوزيع الرئاسات بين القوى السياسية، على نحو يشبه بعض ترتيبات النظام اللبناني. لكن توزيع المواقع مسبقًا يطرح سؤالًا عن معنى الانتخابات نفسها. قد تحتاج مرحلة انتقالية إلى تفاهمات وطنية واسعة، غير أن التفاهم على حماية المؤسسات واحترام النتائج شيء، وتحويل المناصب إلى حصص ثابتة شيء آخر.

فالمجتمع ليس ضيفًا على مائدة الفصائل، ولا ينبغي أن ينتظر حتى تنتهي من توزيع المقاعد ليُسمح له بالدخول إلى القاعة.

وفي الحادي عشر من تشرين الأول، جاء الموقف الفرنسي ليضيف إلى المشهد زاوية جديدة.

في باريس، حيث سبق أن أُعلن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، خرج موقف يدعو إلى مراجعة قرار التأجيل وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في أقرب فرصة ممكنة، مع إبداء الاستعداد للمساعدة الأوروبية في تنظيمها ومراقبتها.

على طاولة الدبلوماسية وثيقة اعتراف بدولة، وعلى طاولة السياسة الفلسطينية مؤسسات تنتظر منذ سنوات تجديد تفويضها الانتخابي. وبين الطاولتين يقف شعب يريد أن تتحول الدولة التي يعترف بها العالم إلى مؤسسات يستطيع اختيار من يديرها ومحاسبته.

لقد ربطت باريس بين الاعتراف بالدولة الفلسطينية وبين تجديد الشرعية الديمقراطية لمؤسساتها، وذكّرت بالتعهدات المتعلقة بالانتخابات.

وهنا تبرز مفارقة سياسية لا يمكن المرور عليها سريعًا. نحن نسعى منذ عقود إلى اعتراف العالم بدولتنا، ونخوض معركة سياسية ودبلوماسية من أجل تثبيت حقنا في تقرير المصير. لكن الدولة التي نريد للعالم أن يعترف بها تحتاج أيضًا إلى مؤسسات يختارها المجتمع الذي ستقوم باسمه.

غير أن الاعتراف الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر بديل للشرعية الشعبية، ولا يجوز أن يصبح رضا العواصم الخارجية هو المقياس الذي تتحدد على أساسه أهلية القيادة الفلسطينية.

من حق فرنسا أن تعلن موقفها، وأن تطالب بالوفاء بالتعهدات السياسية، وأن تقدم المساعدة في حماية العملية الانتخابية. لكن مصدر الشرعية الفلسطينية ينبغي أن يبقى الفلسطينيين أنفسهم.

فالدولة لا تصبح أكثر ديمقراطية لأن العالم يطالبها بذلك، بل حين يستطيع مواطنوها أن يختاروا ممثليهم ويحاسبوهم ويغيروهم.

وثمة مسألة أخرى تكاد تضيع وسط النقاش حول المواعيد، مع أنها تمس معنى الانتخابات نفسها.

تخيلوا قوائم انتخابية تتقدم من أبواب مختلفة، تحمل برامج متباينة: واحدة تريد مراجعة أوسلو، وأخرى تدعو إلى تغيير العلاقة الاقتصادية مع الاحتلال، وثالثة ترى طريقًا سياسيًا مختلفًا، ورابعة تقدم تصورًا جديدًا لإصلاح المؤسسات. وحين تصل جميعها إلى باب الترشح، تجد أمامها شرطًا يتعلق بالالتزام ببرنامج سياسي قائم.

فالتعديلات على قانون الانتخابات أبقت شرط الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

وهنا ينبغي التمييز بين مكانة منظمة التحرير بوصفها إطارًا وطنيًا جامعًا، وبين إلزام القوائم المتنافسة ببرنامج سياسي محدد.

فمنظمة التحرير ليست حزبًا سياسيًا واحدًا، ولا ينبغي أن تتحول إلى برنامج مغلق لا يحق لأحد مراجعته. لقد نشأت لتكون إطارًا تمثيليًا لشعب متعدد الاتجاهات والأفكار والتيارات، ولم تكن قيمتها في إلغاء الاختلاف، بل في محاولة جمعه داخل مشروع وطني مشترك.

أما البرامج السياسية، فهي بطبيعتها قابلة للمراجعة والتغيير والتطوير.

فما معنى أن تقدم قائمة برنامجًا يدعو إلى مراجعة اتفاقيات أوسلو أو تغيير العلاقة السياسية والأمنية والاقتصادية مع الاحتلال، إذا كان عليها أن تثبت قبل دخول المنافسة التزامها ببرنامج سياسي قائم؟

إن احترام المؤسسة الوطنية لا يعني بالضرورة الموافقة على كل قراراتها السياسية، والاعتراف بشرعية التمثيل لا يلغي حق المجتمع في تغيير البرنامج الذي يحكم هذا التمثيل.

ولا ينبغي الخلط بين احترام القانون والمؤسسات وبين فرض التطابق السياسي على المتنافسين.

فالانتخابات ليست امتحانًا في الوفاء للماضي، وإنما فرصة للمجتمع كي يقرر ما الذي يريد الاحتفاظ به منه، وما الذي يريد تغييره.

ولذلك فإن مراجعة شروط الترشح ليست تفصيلًا إجرائيًا صغيرًا، بل جزء من النقاش حول التعددية السياسية ذاتها. فلا معنى لتعدد القوائم إذا ضاقت المسافة بين برامجها إلى حدود ما تسمح به شروط مسبقة.

وهنا يعود إلى الذاكرة السؤال الذي أثاره الصديق خالد عطية في مقاله «الانتخابات: من يحكم، ومن يملك القرار؟».

فصندوق الاقتراع قد يغير الوجوه، لكنه لا يغير بالضرورة النظام الذي ينتج السياسات.

فالسلطة التي نشأت في سياق أوسلو، بوصفها مرحلة انتقالية يفترض أن تقود إلى الدولة، أصبحت مع مرور الزمن بنية إدارية ومالية وأمنية تدير شؤون المجتمع داخل قيود الاحتلال والاتفاقيات والتمويل والانقسام.

تتغير أسماء الوزراء والمسؤولين، وتُرفع صور جديدة في المكاتب، لكن المواطن قد يجد نفسه أمام الأبواب نفسها، والإجراءات نفسها، والحدود نفسها التي لا يملك قرار فتحها أو إغلاقها.

ولم يعد السؤال متعلقًا فقط بمن يجلس على مقاعد الحكم، بل بطبيعة الوظيفة التي تؤديها هذه المؤسسات، وبقدرتها على تحويل الإرادة الوطنية إلى فعل.

لكن إذا كانت الانتخابات وحدها لا تكفي لإعادة بناء النظام السياسي، فمن الذي سيعيد بناءه حين تبقى الانتخابات مؤجلة؟

هل ننتظر أن تتفق القوى القائمة على نظام جديد، ثم تطلب من المجتمع الموافقة عليه؟ أم نجعل تجديد التفويض الشعبي جزءًا من عملية إعادة البناء نفسها؟

فالشرعية التاريخية لحركة التحرر الوطني لا تعفيها من تجديد شرعيتها السياسية، كما أن انتخاب قيادة جديدة لا يعفيها من مراجعة وظيفة المؤسسات التي تتولاها.

إننا بحاجة إلى الأمرين معًا: أن يستعيد المجتمع حق الاختيار، وأن تستعيد مؤسساته قدرتها على خدمة مشروع التحرر الوطني.

ولا يمكن فصل هذا كله عن منظمة التحرير الفلسطينية.

فالسلطة، مهما اتسعت صلاحياتها، لا تمثل وحدها الشعب الفلسطيني بأكمله. وهناك ملايين الفلسطينيين في الشتات، يحملون ذاكرة الوطن وحقوقه السياسية والتاريخية، ولا يجوز أن يبقوا خارج عملية تجديد التمثيل الوطني.

في مخيمات لبنان وسوريا والأردن، وفي المدن التي وصل إليها الفلسطينيون عبر عقود المنفى، ما زالت أسماء القرى والمدن الفلسطينية تنتقل من جيل إلى جيل. لكن الذاكرة وحدها لا تمنح أصحابها صوتًا في المؤسسات التي تتحدث باسمهم.

ومن هنا فإن انتخابات المجلس الوطني ليست استحقاقًا ثانويًا يأتي بعد الانتهاء من ترتيب مؤسسات السلطة، بل جزء من إعادة بناء البيت الوطني الجامع.

وإذا كنا نريد أن نخرج من دائرة الاعتراض على التأجيل إلى اقتراح يمكن مناقشته، فلماذا لا نعيد النظر في الجدول الزمني كله؟

كنت سأجد مبررًا مفهومًا لتأجيل الانتخابات التشريعية ثلاثة أشهر فقط، لو كان الهدف جمعها مع الانتخابات الرئاسية في استحقاق واحد.

فبدل الثامن والعشرين من تشرين الثاني 2026، يمكن اقتراح يوم الخميس الخامس والعشرين من شباط 2027 لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية معًا.

وبذلك يصبح للتأجيل سبب محدد، لا مجرد انتظار طويل لا نعرف ما الذي سيتغير خلاله.

أما انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، التي تتطلب تحضيرات أوسع تشمل الفلسطينيين في الوطن والشتات، فيمكن اقتراح يوم الخميس الثامن والعشرين من تشرين الأول 2027 موعدًا لها.

ثمانية أشهر إضافية تقريبًا بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، تُخصص لإعداد السجلات والآليات التمثيلية، والتفاهم مع الدول التي يقيم فيها الفلسطينيون، ووضع ترتيبات المشاركة حيث يتعذر الاقتراع المباشر.

هذا اقتراح للنقاش الوطني، لا ادعاء بأن العقبات التقنية والسياسية قد زالت، ولا أن مجرد كتابة التاريخ تضمن إجراء الانتخابات.

لكن الفرق بين الجدول الزمني الواضح والتأجيل المفتوح أن الأول يتيح للمجتمع أن يسأل: ماذا أنجزتم؟ وما الذي بقي؟ ومن المسؤول عن التعطيل؟ وما البدائل الممكنة؟

ويمكن أن تبدأ التحضيرات فورًا، لا أن تنتظر انتهاء الحوارات السياسية.

كما ينبغي أن تقترن المواعيد بمراجعة شروط الترشح، وضمان حرية البرامج السياسية، والاتفاق على احترام نتائج الانتخابات والاحتكام إلى القضاء في الطعون، وتحديد آليات عملية لمشاركة القدس وغزة، بدل ترك الاحتلال يمتلك حق النقض على الاستحقاق الفلسطيني.

أما انتخابات المجلس الوطني، فينبغي أن تكون مناسبة لإعادة فتح النقاش حول تمثيل الفلسطينيين في الشتات، وعلاقة المجلس بمنظمة التحرير، وكيفية استعادة دورها بوصفها الإطار الوطني الجامع.

فليس المطلوب ثلاثة صناديق اقتراع تُفتح ثم تُغلق، بل مسار يعيد وصل المؤسسات بالمجتمع، ويجعل تجديد الشرعية بداية لتجديد الوظيفة السياسية.

وفي الغرفة التي بدأت منها الحكاية، ما زالت الطاولة في مكانها. تتناثر فوقها الأوراق، وتمتد الأصابع إلى خريطة فلسطين، وتتقاطع الكلمات حول الوحدة الوطنية والبرنامج السياسي والاتفاقيات والتحالفات والرئاسات ومواعيد الانتخابات.

وعند الباب يقف أولئك الذين تتحدث الغرفة باسمهم: العامل والمزارع والطالب والمرأة والشاب واللاجئ، وأولئك الذين لم يعرفوا فلسطين إلا من حكايات آبائهم وصور بيوتهم القديمة.

لا يطلبون أن يتوقف الحوار الوطني، ولا أن تُلغى الخلافات السياسية، ولا أن يتظاهر أحد بأن الاحتلال غير موجود.

إنهم يريدون فقط أن يكونوا جزءًا من القرار، لا موضوعًا يتفاوض الآخرون بشأنه.

وتمتد اليد مرة أخرى نحو التقويم.

وقبل أن تنتزع الورقة، يأتي صوت من خلف الباب:

ليس المطلوب أن تتفقوا على من يحكمنا، بل أن تتفقوا على حقنا في اختيار من يحكم، وعلى حقنا في تغييره.

تتوقف اليد.

وتبقى ورقة التقويم معلقة في مكانها.

فالقضية لم تكن يومًا في الحادي عشر من أيلول، ولا في الخامس والعشرين من شباط، ولا في أي يوم آخر من أيام السنة.

القضية في أن يصبح للموعد معنى، وللصوت قيمة، وللانتخابات قدرة على فتح أبواب السياسة أمام المجتمع، بدل أن تبقى السياسة محصورة في الغرف التي تقرر متى يُسمح له بالدخول.

فالشعب الذي يطالب العالم بالاعتراف بحقه في تقرير مصيره، ينبغي ألا يبقى آخر من يُستشار في تقرير مصير مؤسساته.

يحيى بركات
12/10/2026
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
أعلى