د. حسين عبدالبصير - المصريون أعظم ما في مصر

كلما تأملت مصر وتاريخها الطويل، شعرت بأن أعظم ما فيها ليس الأهرامات ولا المعابد ولا الكنوز التي تركها لنا الأجداد، بل الإنسان المصري الذي صنع كل ذلك، وعاش على هذه الأرض، وعمل وحلم، وترك بصمته في تاريخ الإنسانية.

وبوصفي عالم آثار، قضيت سنوات طويلة بين آثار مصر القديمة، رأيت فيها عظمة الفنان المصري، ومهارة العامل، وذكاء المهندس، وخيال الإنسان الذي استطاع أن يحوّل الحجر إلى عمل فني خالد. وكلما وقفت أمام أثر عظيم، تذكرت أن وراءه أناسًا ربما لا نعرف أسماءهم، لكن أعمالهم بقيت شاهدة على قدرتهم وإبداعهم.

مصر ليست تاريخًا نقرؤه في الكتب فقط، بل حياة نراها كل يوم في شوارع القاهرة، وعلى شاطئ الإسكندرية، وفي قرى الدلتا والصعيد، وبين جبال سيناء ورمال الواحات. نراها في الفلاح الذي يزرع أرضه، والعامل الذي يتقن عمله، والمعلم الذي يعلّم أبناءنا، والطبيب الذي يعالج المرضى، والأم التي تسهر على أسرتها، والشاب الذي يحلم بمستقبل أفضل.

هؤلاء هم مصر الحقيقية. قد لا تظهر أسماؤهم في كتب التاريخ، لكن الحياة لا تستمر من دونهم، ولا يمكن لأي وطن أن يتقدم إلا بجهود أبنائه.

لقد علّمتني دراسة الحضارة المصرية أن الإنجازات العظيمة لا يصنعها شخص واحد، وإنما تتضافر فيها العقول والأيدي والجهود. فالأهرامات لم تكن مجرد أحجار متراصة، بل كانت نتيجة معرفة وتنظيم وعمل متواصل. ومن هنا، فإن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من أجدادنا هو أن الإنسان حين يمتلك العلم والإرادة والفرصة يستطيع أن يحقق الكثير.

وأعتقد أن حب مصر لا يعني أن نتحدث عن الماضي طوال الوقت، بل أن نعمل من أجل الحاضر ونستعد للمستقبل. فالماضي يمنحنا الثقة، لكنه لا يغني عن العمل، والتاريخ يلهمنا، لكنه ينتظر منا أن نضيف إليه شيئًا جديدًا.

وشباب مصر هم أملها الكبير. في عقولهم أفكار، وفي أحلامهم طموحات، وفي قدرتهم على التعلم والعمل والإبداع فرص واسعة لمستقبل أفضل. وهم يستحقون أن يجدوا من يشجعهم، وأن تتاح لهم فرص حقيقية لإظهار مواهبهم وتحقيق أحلامهم. فكل شاب ينجح في العلم أو الأدب أو الصناعة أو أي مجال نافع، يضيف صفحة جديدة إلى قصة مصر.

ومن خلال عملي في الآثار والمتاحف، أدركت أن الحفاظ على التراث لا ينفصل عن الاهتمام بالإنسان. فالمتحف الذي يحفظ آثار الأجداد يؤدي رسالته الحقيقية حين يجعل الناس أكثر معرفة بتاريخهم، وأكثر وعيًا بقيمة حضارتهم، وأكثر قدرة على استلهامها في حياتهم المعاصرة.

إن مصر تحتاج إلى أن يعتز أبناؤها بماضيها، وأن يؤمنوا بقدرتهم على صنع مستقبلها. وكل واحد منا يستطيع أن يقدم شيئًا، مهما بدا بسيطًا: كلمة طيبة، أو عمل متقن، أو فكرة جديدة، أو مساعدة إنسان يحتاج إلينا. فالأوطان لا تُبنى بالمشروعات الكبرى وحدها، وإنما أيضًا بما يقدمه الناس كل يوم من جهد وإخلاص.

وحين ننظر إلى تاريخ مصر، نرى أن الأجيال تتعاقب، وأن الأزمنة تتغير، لكن الإنسان يظل هو العنصر الأهم في استمرار الحضارة. تبقى الآثار لتروي حكاية من سبقونا، وتأتي الأجيال الجديدة لتكتب حكاياتها الخاصة.

لهذا أؤمن بأن أعظم استثمار تقوم به مصر هو الاستثمار في أبنائها، بالعلم والثقافة والعمل، وبفتح أبواب المعرفة أمامهم، وتشجيعهم على الابتكار، ومساعدتهم على تحويل أحلامهم إلى إنجازات.

مصر جميلة بتاريخها، عظيمة بحضارتها، غنية بتنوعها، لكن أجمل ما فيها يظل المصري نفسه؛ بطيبته، وخفة ظله، وصبره، وقدرته على مواجهة الحياة، وتمسكه بالأمل مهما كانت الظروف.

المصريون هم الذين صنعوا حكاية مصر عبر آلاف السنين، وهم القادرون على مواصلة هذه الحكاية. فالأهرامات تذكّرنا بعظمة الأجداد، أما ما نصنعه اليوم فهو ما سيحكيه أحفادنا عنّا غدًا.

يا جمالك يا مصر، ليس فقط بما تملكين من آثار وتاريخ، بل بما تحملينه من بشر وأحلام وطاقات تستحق أن تنطلق. فالمصريون أعظم ما في مصر، وبهم تظل هذه البلاد قادرة على أن تكتب فصولًا جديدة من قصتها الجميلة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى