الدكتور مصطفى غَلْمان - بين الياس كانيتي وآنا ماريا غالو: مراكش والآخر: ذاكرة عابرة للثقافات

حين وصلتني النسخة المهداة من ديوان الشاعرة الإيطالية آنا ماريا لوغا «أصوات المدينة»، وجدتني أمام مأزق القراءة قبل أن أكون أمام مهمة التقديم. ماذا يمكن أن أضيف إلى نصٍّ يبدو أنه بلغ من الاكتفاء حدّاً يجعل أي اقتراب خارجي منه مهدداً بأن يتحول إلى فائضٍ لغوي على ما قاله الشعر في صمته وإيقاعه وصوره؟ كان الديوان، منذ عتبته الأولى، مفتوحاً على بصيرة العالم، يذهب إلى الأشياء من داخل هشاشتها، ويترك للقصيدة أن تشق طريقها دون وصاية نقدية أو شروحات تستعجل القبض على معناها. كنت أبحث عن مدخل لا يزاحم النص، ولا يضع عليه أثقالا تأويلية جاهزة، بل يتيح لي أن أقترب منه من الجهة التي لا يكون فيها الأدب شرحا للأدب، وإنما ذاكرة تستدعي ذاكرة، وروحاً تتعرف إلى روح عبر المسافة والزمن.
وخلال تجوالي في مكتبتي الصغيرة، تلك الفوضى التي لا تخضع كثيرا لمنطق التصنيف بقدر ما تخضع لذاكرة الاقتناء والمصادفة، وقعت عيناي على رف تتناثر فوقه كتب عن مراكش: تاريخها ومؤرخوها ورحّالتها وناظروها، ومن كتبوا عنها من الداخل والخارج، ومن حاولوا الإمساك بسر المدينة وهي تفلت دائماً من التعريف.
هناك تحديدا عثرت على نسخة قديمة من كتاب "أصوات مراكش" للرحالة والباحث الألماني إلياس كانيتي، الكتاب الذي اقتنيته ذات زمن بعيد من أحد أكشاك الكتب المستعملة بساحة جامع الفنا، في تسعينيات القرن الماضي. كانت النسخة من إصدارات دار توبقال في زمنها الذهبي، بترجمة الكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي.
توقفت طويلاً أمام المصادفة. كيف يمكن لكتاب ظلّ في مكتبتي عقودا، صامتا بين رفوفها، أن يستعيد صوته في اللحظة التي كنت أبحث فيها عن مدخل إلى كتاب آخر يحمل اسماً قريباً، وروحاً تذهب في الاتجاه نفسه: "أصوات المدينة"؟
لم تعد المسألة بالنسبة إليّ، مجرد تشابه في العنوان. بدا الأمر كأن المدينة نفسها كانت تعيد ترتيب ذاكرتها، وتستدعي نصاً قديماً كي تضيء نصاً جديداً. كان كانيتي قد جاء إلى مراكش من خارجها، فأصغى إلى أصواتها، إلى أسواقها وناسها وفضائها الروحي والحسي، بينما تأتي آنا ماريا غالو إلى المدينة من بوابة أخرى، بوابة الشعر والتشكيل والإنصات إلى ما تتركه الأمكنة في الروح. وبين النصين مسافة زمنية وجمالية وثقافية، لكنها مسافة لا تلغي ذلك الخيط الدقيق الذي يجعل المدينة قادرة على أن توحّد غرباء مختلفين حول حساسية واحدة تجاه المكان.
إذاك بدأت أرى أن المصادفة ليست خارج النص، وأن الذاكرة ليست مجرد مستودع للماضي. ثمة ذاكرة تختزن الأشياء إلى أن تأتي لحظة معينة فتمنحها معنى جديداً. ولعل أجمل ما في الكتاب الذي ظل بين يديّ كل هذه السنوات أنني لم أكن أعرف، يوم اقتنيته، أنه سيعود ذات يوم ليكون جزءاً من جواب عن سؤال لم يكن قد وُلد بعد.
من هذه العتبة دخلت إلى النصين، "أصوات مراكش" لكانيتي و"أصوات المدينة" لآنا ماريا غالو. لم أبحث عن مطابقة بينهما، ولا عن تأويل يذيب أحدهما في الآخر، وإنما عن تلك المنطقة التي تتجاور فيها تجربتان مختلفتان للمدينة، المدينة بوصفها مكاناً يُرى، والمدينة بوصفها مكانا يُعاش؛ المدينة التي تسكن الجغرافيا، والمدينة التي تتحول، عبر الذاكرة، إلى كائن داخلي.
فالأمكنة الكبرى لا تبقى أمكنة حين تعبر إلى الكتابة. إنها تتحول إلى ذوات رمزية، وإلى أرشيف عاطفي للبشر الذين مروا بها وتركوا فيها شيئاً من أرواحهم. ومن هنا فإن مراكش التي نقرأها عند كانيتي ليست بالضرورة مراكش التي نقرأها عند غالو، كما أنها ليست مراكش التي يعرفها أبناؤها وسكانها. إنها مراكش متعددة بتعدد العيون التي أحبّتها، والأرواح التي أنصتت إليها، والذاكرات التي حملتها معها.
وربما هنا تكمن قيمة الأدب، أنه لا يحفظ المكان من النسيان فحسب، وإنما يمنحه إمكانات جديدة للوجود. المدينة التي يكتبها شاعر ليست هي المدينة التي يسكنها المؤرخ، والمدينة التي يلتقطها الفنان ليست هي المدينة التي يعبرها العابر. كل واحد منهم يستخرج من المكان طبقة لا يراها الآخر، ثم تأتي النصوص بعد ذلك، لتجعل هذه الطبقات المتباعدة جزءاً من ذاكرة إنسانية واحدة.
لذلك بدا لي أن ثمة نوعاً من التناسخ العاطفي بين الكتابين؛ لا تناسخ الأفكار أو الصور، وإنما تناسخ ذلك الشعور العميق الذي يجعل أرواحاً مختلفة، في أزمنة مختلفة، تتعلق بالمدينة نفسها، وتعيد اكتشافها من مواقع حسية وروحية متباينة. كأن مراكش لا تُقرأ مرة واحدة، وإنما تستمر في إنتاج قرائها، وتستدعي من كل واحد منهم صوته الخاص، ثم تجمع الأصوات كلها في ذاكرة لا تنتهي.
وهكذا لم تعد المقارنة بين "أصوات مراكش" و"أصوات المدينة" بالنسبة إليّ بحثاً عن تشابه عابر، وإنما صارت بحثاً في أنطولوجيا الذاكرة نفسها: كيف يستطيع المكان أن يتجاوز جغرافيته ليصبح علاقة إنسانية؟ وكيف تتحول المدينة من موضوع للكتابة إلى وسيط للتعارف بين الأرواح؟ وكيف يمكن لنص كتبه كاتب ألماني عن مراكش، ونص كتبته شاعرة وتشكيلية إيطالية عن المدينة، أن يلتقيا في نقطة لا تعترف بالحدود الوطنية ولا باللغة ولا بالزمن؟
ربما لأن المدن التي تدخل التاريخ لا تُقاس فقط بما شُيّد فيها، وإنما بما استطاعت أن تتركه في مخيلة الآخرين.
ومن هنا يصبح الأدب أكثر من كتابة عن الأمكنة. إنه أحد أشكال العبور الإنساني بينها. وكلما كتب غريب عن مدينة أحبها، وكلما استعاد ابن مدينة ملامحها في ذاكرته، وكلما التقط فنان صوتاً لم يسمعه سواه، كانت الإنسانية تضيف طبقة جديدة إلى سجلها المشترك.
وفي مراكش، حيث تتجاور الأزمنة في الأزقة والساحات والوجوه، يصبح الصوت نفسه ذاكرةً للآخر. ولعل هذا ما جعلني أعود، بعد عقود، إلى كتاب كانيتي كي أقرأ غالو: لا لأن أحدهما يشرح الآخر، وإنما لأن كليهما يبرهن، بطريقته الخاصة، على أن المدينة تستطيع أن تكون لغة مشتركة بين أناس لم يلتقوا قط.
هكذا وجدت نفسي أمام مفارقة جميلة: كنت أبحث عن طريقة أتجنب بها تكرار الكلام المعتاد عن مراكش، فإذا بالمدينة نفسها تقودني إلى نص قديم كي تفتح أمامي نصاً جديداً. كنت أبحث عن مسافة بيني وبين الديوان، فإذا بي أجد أن المسافة الحقيقية ليست بين النصوص، وإنما بين الأزمنة التي تستطيع المدينة أن تصل بينها.
ولعل أعظم ما يمكن أن يفعله الأدب أن يجعلنا ندرك أن المدن لا تنتمي إلينا وحدنا؛ نحن أيضاً ننتمي إلى ما تكتبه المدن في أرواحنا. ومراكش، في نهاية الأمر، ليست فقط تلك المدينة التي نراها حين نمشي في شوارعها، وإنما تلك التي تستمر فينا بعد أن نغادرها، وتجد لنفسها أصواتاً جديدة كلما جاءها قلب آخر، وعين أخرى، ولغة أخرى، لتقول: كنت هنا، وأحببت هذه المدينة.
من كانيتي إلى غالو: المدينة بوصفها صوتا
لا توجد مدينة في الأدب كما توجد في الجغرافيا. فالجغرافيا تمنح المكان اسماً وحدوداً وإحداثيات، بينما تمنحه الكتابة حياةً ثانية، وتعيد توزيع علاقاته بين الذاكرة والجسد واللغة والغياب. وما إن تدخل المدينة في النص حتى تكفّ عن أن تكون مساحةً محايدة تُرى من الخارج؛ تصير بنيةً رمزية تنتج المعنى بقدر ما تستقبله، وتتحول من موضوع للمعرفة إلى قوة خفية تعيد تشكيل وعي من يحاول معرفتها.
تكتسب "أصوات المدينة" للشاعرة الإيطالية آنا ماريا غالو قيمة تتجاوز حدود الكتابة عن المكان. فالمدينة في هذه التجربة لا تظهر بوصفها موضوعا خارجيا تتأمله شاعرة عابرة، وإنما بوصفها فضاءً تتشابك داخله الذاكرة بالحواس، والرحلة بالمعرفة، والآخر بالذات. تقول غالو إن رحلتها الأولى إلى المغرب تعود إلى سنة 1994، وإن الذكرى ظلت محفوظة في أعماقها أكثر من عقدين قبل أن تتحول إلى قصيدة؛ ثم امتدت علاقتها بالمغرب عبر رحلات استمرت اثنين وثلاثين عاماً.
ينزاح في السياق سؤال: متى يتحول المكان من فضاء جغرافي إلى مكان داخلي؟ ومتى تصبح الرحلة انتقالاً في الوعي لا في المسافة؟
غاستون باشلار، في شعرية المكان، لم يتعامل مع المكان باعتباره وعاءً محايدا للحياة، وإنما باعتباره خزّاناً للحميمية والذاكرة. البيت، الغرفة، الزاوية، الدرج، النافذة؛ كلها تستمد دلالتها من قدرتها على احتضان الذاكرة. وإذا نقلنا هذه الفكرة من المكان الحميمي إلى المدينة، أمكن النظر إلى مراكش في أصوات المدينة باعتبارها مكاناً للذاكرة الجمعية، لا مجرد خلفية جمالية للقصائد.
فالمدينة العتيقة، كما تظهر في النص، لا تسكنها الأصوات فقط؛ الأصوات هي التي تمنحها وجودها. إنها مدينة "تسبق فيها الأصوات الوجوه"، وتبقى فيها الكلمات والروائح والإشارات بعد اختفاء أصحابها. وهنا يتحول السمع إلى طريقة في المعرفة، ويصبح الإصغاء فعلاً تأويلياً.
يصعب الحديث عن "أصوات المدينة" من دون استحضار "أصوات مراكش" لإلياس كانيتي. فالكتاب الذي صدر بالألمانية سنة 1967 بعد رحلة كانيتي إلى مراكش، يقدم المدينة من خلال مشاهد ولقاءات وأصوات وتفاصيل يومية، ويجعل من السماع إحدى أدوات التقاط المدينة وفهمها. وتشير الدراسات النقدية إلى أن كتاب كانيتي يقوم على شبكة معقدة من الذاكرة والتبادل الثقافي، وأن مراكش تتحول فيه إلى نقطة التقاء بين أزمنة وثقافات وتجارب متعددة.
لكن التقاطع بين العملين لا يعني التطابق. فكأني أقرأ بين الكتابين مسافتين مختلفتين في النظر إلى المدينة: ككانيتي يصغي إلى مراكش لكي يكتشف الآخر، بينما تصغي غالو إلى مراكش لكي تستعيد أثر الآخر داخل ذاتها.
إنها مسافة دقيقة، لكنها حاسمة. فالأول ينطلق من تجربة الرحلة بوصفها مواجهة مع عالم مغاير، فيما تجعل الثانية من الرحلة استعارة للمعرفة والتحول الداخلي؛ وهي تصرح بذلك حين تجعل السفر طريقاً إلى قبول تنوع الآخرين واكتشاف جوانب غير مكتشفة في الذات.
ومن ثمة يمكن أن نفهم التحول من "أصوات مراكش" إلى "أصوات المدينة" بوصفه انتقالاً من تسمية المكان إلى تحريره من اسمه. مراكش عند غالو لا تعود ملكاً لجغرافيا محددة؛ إنها تتحول إلى مفهوم شعري للذاكرة، وإلى مختبر للعلاقة بين الإنسان والمكان.
المدينة التي لا تنتهي عند حدودها:
كان فالتر بنيامين يرى في المدينة أرشيفاً من العلامات، وفي التجوال فيها طريقة للقراءة. فالفلانور لا يمشي فقط؛ إنه يقرأ. يلتقط من التفاصيل الصغيرة ما لا تقوله السرديات الكبرى.
هذه الحساسية حاضرة بقوة في أصوات المدينة. كوب الشاي، رائحة الزعتر، زيت الأرغان، التين، الثلج على جبال الأطلس، وادي أوريكا، الزليج، السوق، الكرسي الفارغ لمحمد؛ كلها تفاصيل تبدو للوهلة الأولى هامشية، لكنها تتحول شعرياً إلى وحدات ذاكرة.
إن تجربة غالو تقترب من مفهوم الأثر عند بول ريكور، ما يبقى من الحدث بعد انقضاء الحدث نفسه. فالقصيدة لا تستعيد المغرب باعتباره حاضراً كاملاً، وإنما تستعيد ما تركه المغرب في الذاكرة. ولذلك تبدو كلمة "أثر" التي تستحضرها مقدمة الكتاب مركزاً تأويلياً بالغ الأهمية؛ فهي العلامة، والخطى، وبقايا اللقاء، وما يستمر بعد الغياب.
وهو ما يفسر حضور دلالة "كرسي محمد" في الكتاب. فالكرسي لا يعود شيئاً مادياً. إنه يتحول إلى غياب مرئي. الرجل مات، لكن الكرسي بقي في المكان. وما يفعله النص هنا بالغ الدلالة: يجعل الغياب أكثر حضوراً من الحضور نفسه. فالكرسي الفارغ يصبح شاهداً، والجماد يستعيد وظيفة الذاكرة، والمكان يحتفظ بمن غادره.
نستطيع استحضار موريس هاليفاكس ومفهومه عن الذاكرة الجمعية، حيث الذاكرة لا تعيش داخل الفرد وحده، وإنما تحتاج إلى أطر مكانية واجتماعية تستدعيها وتعيد تركيبها. مراكش عند غالو ليست في الذاكرة فحسب؛ إنها آلة لاستدعاء الذاكرة.
إذا كان الاستشراق، كما كشف إدوارد سعيد، قد أنتج تاريخياً أنظمة من تمثيل الشرق عبر عين غربية تصف وتُصنّف وتمنح المعنى، فإن الكتابة عن مدينة مثل مراكش تظل مطالبة بسؤال أكثر حساسية: من يتكلم؟ ومن يملك حق تمثيل المكان؟
هذه المسألة لا يمكن تجاوزها حتى في النصوص التي تكتب بدافع الإعجاب والمحبة. فالدراسات النقدية الحديثة حول كانيتي، مثلاً، اختلفت في قراءتها لتمثيله لمراكش؛ بعضها يرى في الكتاب شبكة عابرة للثقافات، بينما تضع دراسات أخرى إصبعها على بقايا النظرة الاستشراقية وعلى التوتر بين الانبهار بالآخر وإعادة إنتاج صور عنه من موقع خارجي.
وهذه الملاحظة ضرورية كي لا تتحول القراءة الاحتفائية إلى قراءة ساذجة. فحتى الحب قد يحمل داخله سلطة النظر.. حتى الدهشة قد تنتج صورة مختزلة عن الآخر.. وحتى الكتابة عن الجمال قد تخفي علاقات القوة التي تحدد من يصف ومن يوصف.
غير أن "أصوات " غالو تفتح في الوقت نفسه، إمكانا مختلفا حين تنتقل من الرؤية إلى الإصغاء. فالصوت أقل استقرارا من الصورة؛ إنه مفكك هش، لا يُمتلك بسهولة. ولذلك تصبح المدينة هنا شيئاً يسمع أكثر مما يُحاط به. إنها مراكش التي لا تقدم نفسها دفعة واحدة، وإنما تتسرب إلى الذاكرة عبر شظاياها.
الأشياء حين تصبح كائنات للذاكرة:
في قصيدة "قفطان أمل" مثلا تتجاوز غالو الوصف السياحي للمغرب إلى حكاية اجتماعية صغيرة عن فتاة تجمع بقايا الأقمشة لتصنع منها قفطاناً ترتديه في حفل زفاف صديقتها. وفي نهاية الحكاية يتحول القفطان من قطعة لباس إلى استعارة للكرامة والإبداع والإرادة.
تتغير هنا وظيفة الشعر. فالقصيدة لا تنظر إلى الفقر باعتباره مشهداً فولكلورياً، وإنما تحاول استخراج معنى إنساني من تجربة امرأة محدودة الإمكانات. غير أن النقد يظل ضرورياً: متى يتحول الفقر إلى صورة رومانسية جميلة في عين الكاتب القادم من الخارج؟ ومتى يصبح الاعتراف بقدرة الإنسان على المقاومة إلغاءً للبنية الاجتماعية التي أنتجت الحرمان؟
هذا السؤال يقودنا إلى بيير بورديو، فالأذواق والملابس والرموز الجمالية ليست منفصلة عن الرأسمال الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. والقفطان في القصيدة يحمل، بهذا المعنى، أكثر من قيمته الجمالية؛ إنه نقطة تقاطع بين الطبقة والهوية والجسد والكرامة.
ومن اللافت أن غالو تنقل القيمة من الذهب والحرير إلى العمل والإبداع. ولذلك يصبح القفطان، في البنية الرمزية للقصيدة، جمالاً مصنوعاً من الندرة.
ومن أكثر نصوص المجموعة دلالة وعمقا قصيدة "مهدي كروفيت". حادثة إنقاذ طفل من الغرق تتحول بعد ثلاثين عاما إلى ذاكرة لم تنطفئ. لا تعرف الشاعرة أين صار الرجل الذي كان طفلاً، لكنها تحتفظ باللحظة في قلبها.
تنفصل الذاكرة عن ملكية الحدث. فالذاكرة لا تحتاج إلى استمرار العلاقة كي تستمر. يكفي أن يحدث اللقاء لكي يترك أثراً لا يخضع للزمن. وهذه واحدة من الأفكار العميقة في الكتاب: نحن لا نملك كل الذين مروا في حياتنا، لكننا نحمل آثارهم.
وهذا قريب من تصور ريكور للهوية السردية؛ فالذات لا تتشكل فقط بما تفعله، وإنما أيضاً بما تتذكره، وبما تحتفظ به من حكايات الآخرين. الإنسان في النهاية ليس سيرة مغلقة، وإنما شبكة من اللقاءات.
وتبلغ المجموعة ذروتها التأملية في قصيدة "كرسي محمد". فالرجل الذي كان يجلس أمام متجره في سوق مراكش يغيب، لكن كرسيه يبقى. تعود الشاعرة بعد سنوات فلا تجد محمد، فتجد المكان وقد تحول إلى ذاكرة.
تقترب القصيدة في هذا التأمل الفلسفي من هايدغر، لا في معناها الوجودي المباشر، وإنما في سؤال الحضور والغياب: الأشياء لا تظل مجرد أشياء حين تدخل في عالم الإنسان. الكرسي يصبح شيئاً آخر لأنه كان جزءاً من وجود شخص.
ويمكن استحضار ميرلو-بونتي أيضاً، الذي يرى أن المكان ليس سطحاً محايداً أمام الوعي؛ إنه مجال تتقاطع فيه الأجساد والحركة والذاكرة والإدراك. ولذلك لا يكون كرسي محمد فارغاً تماماً. إنه ممتلئ بغيابه. فالكرسي هنا لا يقول إن محمد غائب؛ إنه يجعل الغياب مرئياً. وهذه إحدى أجمل المفارقات التي تمنح الكتاب قوته الشعرية، حيث الأشياء التي تبدو صامتة تصبح أكثر قدرة على الكلام من أصحابها.
وفي قصيدة "الزليج: شعر هندسي" تبلغ علاقة الكتاب بالمغرب مستوى أكثر عمقاً. فالزليج ليس زخرفة، والحرفي ليس مجرد صانع؛ إنهما معاً استعارة عن كيفية ولادة الكل من الأجزاء. الشظايا الصغيرة، الألوان، المطرقة، الطين، النار، اليد البشرية؛ كلها تتجمع لتصنع وحدة لا تلغي اختلاف مكوناتها.
وهنا يمكن استدعاء جيل دولوز وفكرة الاختلاف الذي لا يحتاج إلى أن يذوب في وحدة متماثلة. فالزليج يعلمنا أن الانسجام ليس محو الفروق، وإنما تنظيمها داخل تركيب جديد. ومن هذه الزاوية يصبح الزليج فلسفة بصرية للمدينة نفسها:
مراكش ليست وحدة صافية؛ إنها تركيب من شظايا. لغات ولهجات، عرب وأمازيغ، مسلمون ويهود، عابرون ومقيمون، تجار وشعراء وحرفيون وسياح، موتى وأحياء، ذاكرة وحاضر؛ كلهم يدخلون في هندسة بشرية لا تكتمل إلا باختلاف عناصرها. فالمدينة إذن هي كشبكة للذاكرة العابرة للثقافات
نعود مرة أخرى إلى كانيتي. لقد اقترحت دراسات نقدية معاصرة قراءة "أصوات مراكش" باعتبارها شبكة ذاكرة عابرة للثقافات، تتقاطع فيها جغرافيا مراكش مع أوروبا والشرق، ويتجاور فيها الماضي والحاضر، ويتداخل الشخصي بالتاريخي والعالمي. كما اعتبرت مراكش في هذا التصور عقدة جغرافية وثقافية لا مجرد مدينة موضوع للفرجة. لكن "" تنقل هذه الشبكة من مجال السرد الرحلي إلى المجال الشعري. كأن كانيتي يسأل: ماذا تفعل مراكش بالعين التي تراها؟ بينما تسأل غالو: ماذا تفعل مراكش بالروح التي تغادرها؟
في السؤال الأول تكون المدينة موضوعاً للمعرفة. أما الثانيف تصبح المدينة جزءاً من تكوين الذات. وهنا تكمن القيمة الأعمق للتقاطعهما: كلاهما يكتشف أن المدينة أكبر من معالمها. غير أن المسافة بينهما تكشف أيضاً تحولاً مهماً في أدب الرحلة: من محاولة القبض على المكان ووصفه إلى الاعتراف بأن المكان هو الذي يعيد تشكيل من يمر به.
من مراكش إلى غزة: جغرافيا الضمير
ثمة لحظة في الكتابة يتوقف فيها الأدب عن النظر إلى العالم بوصفه مادة للدهشة، ويبدأ في مواجهته بوصفه مسؤولية. عند هذه النقطة يصبح الشعر أكثر من تمرين على اللغة، وتتحول القصيدة إلى موقف من الإنسان، ومن الحق في الحياة، ومن الذاكرة التي لا ينبغي أن تُترك رهينةً لمن يملك القوة على كتابة التاريخ. ولعل هذا هو المدخل الأعمق إلى تجربة آنا ماريا غالو في «أصوات المدينة»: شاعرة تعبر مراكش من داخل حساسيتها الإنسانية، فتلتقط في المدينة ما يتجاوز عمرانها وصورها المتداولة، وتبحث عن المعنى الكامن خلف الأشياء والأمكنة والوجوه، إلى أن يصبح المكان نفسه اختباراً للضمير. ومن هنا يأتي انحيازها إلى صوت الحقيقة؛ ذلك الصوت الذي لا يحتاج إلى شعارات كبرى كي يكشف هشاشة الإنسان أمام العنف، ولا إلى خطاب سياسي مباشر كي يجعل العدالة جزءاً من المعنى الشعري. فمراكش عند غالو ليست خاتمة الرحلة، وإنما عتبتها؛ منها تنفتح القصيدة على عالم تتقاطع فيه الذاكرة بالجغرافيا، والجمال بالمسؤولية، والحنين بسؤال المصير الإنساني.
وفي العمق، تبدو هذه الحساسية متصلة بأحد الخيوط الراسخة في الثقافة الإيطالية الحديثة والمعاصرة، حيث ظل الأدب والفكر والفن في مناسبات كثيرة مجالاً للاشتباك مع أسئلة الحرية والكرامة والعدالة وذاكرة العنف. من دانتي الذي جعل من القصيدة فضاءً لمحاكمة أخلاقية وتاريخية للعالم، إلى بريمو ليفي الذي جعل من الكتابة شاهداً على ما أراد التاريخ أن يحوله إلى صمت، وصولاً إلى أصوات إيطالية معاصرة وجدت نفسها أمام مأساة غزة، لم تعد العلاقة بين الجمال والحقيقة علاقة تجاور، وإنما صارت امتحاناً متواصلاً لمعنى الثقافة نفسها. ولهذا اكتسبت المواقف الإيطالية الراهنة إزاء غزة دلالة تتجاوز المجال السياسي المباشر؛ فقد رفع فلاسفة وكتاب ومؤرخون وفنانون ومخرجون أصواتهم احتجاجاً على قتل المدنيين وتدمير الحياة، ودافعوا عن ضرورة إخضاع القوة للقانون، وعن حق الضحية في أن تُرى وتُسمع بعيداً عن آليات المحو والتبرير. وفي هذا السياق برز الفيلسوف أندريا زوك في نقده الأخلاقي للحرب على غزة، كما وقّع مئات الكتاب والفنانين الإيطاليين عرائض وبيانات تطالب باحترام القانون الإنساني الدولي، فيما انخرطت أسماء بارزة من عالم الأدب والفن والسينما في الدفاع عن الأصوات التي تحاول أن تجعل من الثقافة مساحةً لمقاومة الصمت.
ومن هنا تصبح تجربة غالو أكثر إثارة للاهتمام؛ لأنها لا تستورد مأساة العالم إلى القصيدة من خارجها، وإنما تكتشف داخل فعل الكتابة نفسه أن الانتماء إلى المكان يظل ناقصاً إذا لم يمتد إلى الإنسان في محنته. وحين تصل القصيدة إلى غزة، فإن مراكش تتغير دلالياً: لا تعود المدينة نهايةً بصرية للرحلة، وإنما تصبح نقطة عبور نحو سؤال أوسع عن العالم الذي نعيش فيه، وعن الحدود التي تفصل بين جمال مكان وآلام مكان آخر. في «أنوار فوق غزة» تحديداً، يتراجع بريق الصورة السياحية أمام ثقل الحقيقة، ويتحول الضوء من استعارة للفرجة إلى استعارة للانكشاف؛ كأن الشاعرة تضع القارئ أمام امتحان بسيط وقاسٍ: ماذا يبقى من جمال العالم إذا فقد الإنسان حقه في أن يعيش؟ هنا تتخذ عبارة «نحن الإنسانية» موقعها الأكثر كثافة، لأنها تنقل التجربة من ضمير المتكلم إلى ضمير الجمع، ومن المدينة إلى العالم، ومن الرحلة الفردية إلى المصير المشترك. وغزة، في هذا السياق، لا تظهر كموضوع طارئ على الكتاب، وإنما كاختبار للمعنى الذي جاءت القصيدة أصلاً لتدافع عنه: أن الإنسان لا يمكن أن يكون غائباً عن الشعر حين يكون حاضراً في قلب المأساة.
إن استحضار حنّة أرندت هنا يفتح إمكاناً آخر للقراءة؛ فـ«العالم المشترك» عندها هو الفضاء الذي يجعل وجود البشر قابلاً للتقاسم، ويحفظ بينهم إمكان الكلام والفعل والظهور أمام الآخرين. وعندما يُدمَّر هذا العالم أو يُختزل الإنسان إلى رقم في سجل الموت، فإن الخسارة لا تخص الضحية وحدها، وإنما تمس البنية الأخلاقية التي تجعل من العالم عالماً مشتركاً. لذلك تبدو قصيدة غالو، في أعمق مستوياتها، محاولة لاستعادة هذا العالم من خلال اللغة: أن تجعل من الشعر مساحةً للظهور حين يُراد للضحايا أن يختفوا، وللذاكرة حين يحاول العنف أن يفرض النسيان، وللحقيقة حين تتكاثر الروايات التي تبحث عن تبرير الألم. وفي هذا تحديداً تكمن قيمة «أصوات المدينة»: أن مراكش لا تنتهي عند حدودها الجغرافية، وإنما تصبح، عبر عين الشاعرة، سؤالاً عن الإنسان حين يتجاوز المكان نفسه، وعن الأدب حين يكتشف أن أجمل ما يستطيع فعله ليس أن يصف العالم، وإنما أن يمنع العالم من فقدان حساسيته تجاه الحقيقة.
المدينة التي لا تنتهي عند حدودها:
في نهاية المطاف، لا تبدو أصوات المدينة كتاباً عن مراكش بالمعنى التقليدي. إنها كتاب عن الأثر الذي تتركه مراكش في القادم إليها. فالمدينة لا تظهر كموضوع ثابت، وإنما ككائن متحرك داخل الذاكرة. إنها تذهب مع المسافر. ولذلك تقول غالو إن العودة من السفر تكون بعيون جديدة وروح أكثر رحابة.
هذه الفكرة تجعل الرحلة فعلاً معرفياً بالمعنى الذي كان يحضر لدى بول ريكور، وبالمعنى الذي يمكن أن نستشفه أيضاً من إدوارد سعيد حين يصبح اللقاء بالآخر اختباراً للذات التي تنظر إليه. فالآخر ليس مرآة نرى فيها صورته فقط؛ إنه المرآة التي تكشف لنا صورتنا نحن. ومن هنا يمكن قراءة الكتاب كله باعتباره محاولة للانتقال من جغرافيا المكان إلى أنطولوجيا الأثر.
مراكش عند كانيتي كانت أصواتاً ووجوهاً وطقوساً ولقاءات، لكنها كانت أيضاً سؤالاً عن الآخر، وعن قدرة الكتابة الغربية على تمثيل فضاء غير غربي. أما عند غالو، فتبدو المدينة وقد دخلت مرحلة أخرى: لم تعد الآخر الذي ينبغي اكتشافه، وإنما الذاكرة التي ينبغي الإصغاء إليها. ولعل هذا هو سر بقاء المدن الكبرى في الأدب: أنها لا تنتهي عندما نغادرها.
إن المدينة الحقيقية ليست ما رأيناه فيها، وإنما ما بقي منها فينا. وحين تتوقف العين عن النظر، تبدأ الذاكرة في الإصغاء. وحين يغيب الأشخاص، تتكلم الأشياء. وحين يصمت المكان، تبدأ الحكاية.
لهذا تبدو "أصوات المدينة" امتداداً بعيداً، ومغايراً في الوقت نفسه، لـ"أصوات مراكش". ففي كانيتي نسمع مدينة تكتشف نفسها عبر عين الغريب؛ وفي غالو نسمع غريبةً اكتشفت أن المدينة التي جاءت لتراها انتهت إلى أن تسكنها. فتنقلب العلاقة كلها، حيث لا تعود مراكش موضوعاً للكتابة؛ بل تصير شريكاً في كتابتها. وهذه في تقديري هي القيمة الجمالية والفلسفية الأعمق لهذه المجموعة، أنها لا تحفظ المدينة في الصور، وإنما تحفظها في الأثر؛ لا تقدمها كمنظر، وإنما كصوت؛ لا تختزلها في معالمها، وإنما تستعيدها عبر بشرها، وذاكرتها، وحرفها، وموتاها، وأطفالها، وكرسيها الفارغ، وزليجها الذي يحول الشظايا إلى انسجام.
ختاما، إن مدينة مراكش لا تستنفد ما كُتب عنها، لأن المدينة التي تدخل الأدب لا تعود ملكا للجغرافيا وحدها. إنها تغادر حدود المكان لتستقر في اللغة، ثم تغادر اللغة لتدخل الذاكرة، وهناك تبدأ حياة أخرى لا تخضع لخرائط الرحلة ولا لتواريخ العبور.
بين "أصوات مراكش" و"أصوات المدينة" يتكشف هذا التحول في جوهره، من مدينة تُرى إلى مدينة تُصغي إليها الذات، ومن مكان يقدّم نفسه للعين إلى أثر يعيد ترتيب الداخل الإنساني. عند كانيتي تبدو مراكش فضاءً كثيفاً للقاء والاختلاف والغرابة؛ وعند غالو تتقدم خطوة أخرى، فتغدو المدينة ذاكرةً تستمر بعد الرحيل، وأثراً لا ينقطع بانتهاء الطريق.
لذلك فإن الكتابة عن المدينة لا تنتهي حين ينتهي وصف أسواقها وأزقتها وأصواتها. ثمة شيء آخر يبدأ بعد الوصف، إنه ما يبقى من المدينة حين تسقط تفاصيلها من العين؟ ما الذي يستمر من وجهٍ عابر، أو صوتٍ بعيد، أو كرسيٍّ فارغ، أو قطعة زليج، أو يدٍ صنعت الجمال من شظاياها؟ حيث تتحول الأشياء إلى ذاكرة، ويتحول الغياب إلى حضور، ويتحول المكان من جغرافيا محسوسة إلى تجربة وجودية.
ولعل مراكش، في الكتابين معاً، لا تكون موضوعاً مكتمل المعالم، وإنما نصاً مفتوحاً على الذين مروا بها وتركوا فيها شيئاً منهم، وعلى الذين غادروها وهم يحملون شيئاً منها. فكل عابر يضيف إلى المدينة معنى، وكل غائب يترك فيها أثراً، وكل ذاكرة تعيد ترتيب صورتها من جديد. المدينة، بهذا المعنى، لا تسكن المكان وحده؛ إنها تتوزع بين المكان ومن عاشه، وبين ما حدث وما بقي منه.
وفي هذا التماس الدقيق تنقلب معادلة التمثيل نفسها. حيث الأمر لم يعد متعلقاً بمن يكتب المدينة ومن تُكتب عنه؛ فالمدينة تدخل في فعل الكتابة بوصفها قوةً فاعلة في تكوين الذاكرة. الكاتب يظن أنه يستعيد المكان، بينما المكان يستعيده بطريقته الخاصة. يظن أنه يصف المدينة، فإذا به يكتشف أنه يكتب تاريخ العلاقة التي أقامتها المدينة في داخله.
ربما لهذا لا تكون مراكش في "أصوات مراكش" و"أصوات المدينة "مجرد مكانين في كتابين، وإنما ذاكرة تتعلم كيف تتكلم بأكثر من صوت. صوت الغريب، وصوت المقيم، صوت الحرفي، وصوت الطفل، صوت الغائب، وصوت الأشياء التي ظلت في أماكنها بعد أن غادر أصحابها. ومن اجتماع هذه الأصوات تتشكل مدينة لا يمكن اختزالها في صورة واحدة، لأنها أكبر من كل عين حاولت امتلاكها.
ومن ثمة تكمن المفارقة الأخيرة، فنحن نكتب المدن لكي نحفظها من النسيان، لكنها هي التي تكتبنا لكي تحفظ نفسها فينا. لهذا لا تكون الصفحة الأخيرة نهاية المدينة، وإنما بداية انتقالها من الكتاب إلى الذاكرة؛ من النص إلى القارئ؛ من المكان إلى الأثر. فالمدينة التي تُكتب تنتهي عند حدود الكتاب، أما المدينة التي تسكن الذاكرة فلا تنتهي. إنها تبدأ حين نظن أننا غادرناها.
لعل اختيار الشاعرة أن ترفق نصوصها بنماذج من لوحات الفنان محمد نجاحي لا يأتي من فائض جمالي، وإنما من وعيٍ بأن القصيدة قد تحتاج إلى ما يجاورها كي تكشف ما يستعصي على اللغة. فلوحات نجاحي لا تعمل كصورٍ شارحة لـ"أصوات المدينة"، ولا كزخرف بصري يرافق أنطولوجيا الذاكرة وتوثيق الزمن ووصف الحياة؛ إنها تدخل في صميم التجربة، وتفتح للنص ممراً آخر نحو ما وراءه، نحو ذلك الأثر الخفي الذي لا تقوله الكلمات بقدر ما تستدعيه.
والشاعرة، وهي تشكيلية أيضاً، تعرف أن العين قد تسبق العبارة إلى المعنى، وأن اللون يمكن أن يكون ضرباً من التفكير في المكان. لذلك تبدو اختياراتها محكومة بحساسية جمالية مشتركة: أن تُرى المدينة قبل أن تُوصف، وأن تُستعاد بوصفها كثافة حسية وذاكرةً ووجوداً.
أما لوحات نجاحي، فأكاد أقول إنها تستغني عن كل تأويل؛ لأنها لا تشرح المدينة، وإنما تتركها تتكلم بالألوان. إنها تصقل ألوان مراكش، وحضارتها، وإنسانها، وأزقتها ودروبها ومتاهاتها، حتى تبدو القصائد وكأنها خرجت من تلك الطبقات العميقة التي تختبئ تحت سطح المدينة.
هنا لا تعود القصيدة نصاً واللوحة صورةً مرافقة، وإنما يصيران معاً أثراً مزدوجاً لمدينة واحدة: قصيدة ترى، ولوحة تصغي؛ وبين الرؤية والإصغاء تنكشف مراكش بوصفها ذاكرةً تمشي في الجدران، وتسكن الوجوه، وتترك في الروح ما لا تستطيع الكلمات وحدها أن تستعيده.

ــــــــــــــ
*"أصوات مراكش" إلياس كانيتي، ترجمة: حسونة المصباحي، دار توبقال الرباط 1988 / (78 صفحة).
*"أصوات المدينة" آنا ماريا لوغا، دار النشر CTL Alberto Marubbi إيطاليا 2026 (102 صفحة)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى