طارق حنفي - (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: ٨٢]
خواطر بقلم: طارق حنفي
---

القرآن الكريم كلام الله تعالى، المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبَّد بتلاوته. هو نور ويقين، وفيه منهج الصالحين وأخبار الأولين، وآيات تبيّن معجزات الله وقدرته، وأحكام العقيدة التي يستقر بها الإيمان في كل قلب مستكين، وأحكام الشريعة التي تميّز الحلال من الحرام، وتكشف الباطل من الحق المبين. وفيه بيان المعاد ومصير العباد؛ فإما إلى نار الخزي فيكونوا من الصاغرين، وإما إلى جنات النعيم، حيث العيون الجارية والزروع النامية والمقام الكريم.

هذا هو القرآن الكريم كما عرفه العلماء، ولكن كيف يكون كلام الله شفاءً لما في الصدور، ورحمةً للمؤمنين؟!

يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله:

"وإن سأل سائل عن الفارق بين الشفاء والرحمة؟ نجيب: بأن الشفاء هو إخراج ما يمرض الصدور، أما الرحمة فهي اتباع الهداية بما لا يأتي بالمرض مرة أخرى، وهكذا يتبين لنا أثر الموعظة (شفاء، وهدى، ورحمة)، إنها تعالج ليس ظواهر المرض فقط، ولكن تعالج جذوره أيضًا."

والله أعلم، أقول:

القرآن الكريم كلام الله، وكلام الله دالٌّ على صاحبه، يكشف من معاني أسمائه وصفاته ما يعرّفنا بجلاله. وهو يخاطب الأرواح والنفوس التي أبدعها، فيذكّرها بالوعد والوعيد، ويعرّفها بالعدل والكرم، ويصلها بمعاني الدنيا والآخرة، والشفاء والجود.

ينفذ كلامه سبحانه إلى الروح، إلى تلك اللطيفة التي يعجز العقل عن إدراك كنهها، فيوقظ فطرتها، ويكشف بصيرتها، ويفتح أمامها أبواب الهداية والعناية.

وكلام الله حق، والحق ملازم له أنوار لا تنفد ولا تنقطع، تتجدد آثارها في النفس بتجدّد الأحوال والحاجات. فمنها أنوار تكشف الحقيقة بعد خفائها، وترفع عنها حجب الشبهة والاشتباه، ومنها ما يفتح للعقل أبواب الفهم والإدراك، ويوقظ في القلب البصيرة والإشراق. ومنها أنوار تهدي إلى الحق وتثبّت الفؤاد على سبيله، وتعصمه من الزيغ بعد أن يتبيّن دليله.

ومن هذه الأنوار ما يعين على التمييز بين الحق والباطل، ويكشف وجوه التلبيس والتضليل، ومنها ما يقوّي العزم على مقاومة من يسعى إلى إفساد الحقيقة وطمس معالمها. ومنها ما يحوّل العلم إلى عمل، والمعرفة إلى سلوك، والهداية إلى أثر؛ فيغدو الحق حيًّا في الضمير، حاضرًا في الاختيار، ممتدًّا في الفعل والتأثير.

وبين الحق المطلق والحقيقة السارية في القرآن برزخ من نور، تسبح فيه أنوار الهداية والشفاء، فتلامس علل النفس والقلب والروح، وقد يمتد أثرها إلى الجسد بإذن الله. إنها أنوار جبر تجبر الكسور، وتداوي الصدور، وتعين الإنسان على تجاوز ما أصابه من نقص ووجع وفزع.

ولكل حال من أحوال الإنسان ما يلائمه من آيات القرآن وسوره؛ يتدبرها ويلتمس فيها ما يحتاج إليه من جبر وشفاء، بحسب ما أصابه من عناء، وما يرجوه من عافية وارتقاء. وليس الشفاء نهاية الطريق، ولا الجبر غاية المسير؛ إنما هما سبيل إلى هداية تثبّت الفؤاد على طريق الله، وتنير درب الرشاد، وتعين الإنسان على الثبات حين تتعاقب المحن وتتبدل الأحوال.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد الصادق الأمين، الهادي والنور المبين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى