علي سيف الرعيني -| ملاحقة الايام والبحث عن معنى !!

الحياة مساحات متداخلة من الأزمنة والأماكن والذكريات تتجاور فيها البدايات مع النهايات وتطل لحظات الفرح من نوافذ الحزن بينما تظل بعض الهزائم معلقة في الذاكرة مهما ابتعدت بنا السنوات عن أيامها الأولى
في هذا العالم المتغير تتجلى مفارقة الإنسان الكبرى فهو الكائن الذي يبحث عن الضوء حتى وهو غارق في العتمة ويتمسك بالأمل حين تضيق أمامه الطرق ويحاول أن يمنح أيامه معنى يستحق العيش من أجله رغم ما يحيط به من تقلبات لا تستأذن أحدًا قبل أن تبدل ملامح حياته
ولعل أجمل ما في التناقض بين الضوء والظلام أنه يكشف لنا حقيقة الأشياء التي اعتدنا النظر إليها من زاوية واحدة فالضوء لا يبدو عظيمًا إلا حين نعرف العتمة والطمأنينة لا نعرف قيمتها كاملة إلا بعد المرور بمخاوف طويلة كما أن الإنسان قد لا يكتشف قوته الحقيقية إلا عندما يجد نفسه وحيدًا في مواجهة ما لم يكن مستعدًا له
وحين تتداخل الأزمنة في ذاكرة الإنسان يصبح الماضي أكثر من مجرد حكايات بعيدة إذ يعود إليه في هيئة وجوه غابت وأماكن تغيرت وأصوات ما زالت تسكن أعماقه رغم أن أصحابها رحلوا منذ زمن وقد يجد نفسه في شارع لم يعد يشبه صورته القديمة أو أمام بيت تبدلت ملامحه فيشعر أن المكان بقي في الجغرافيا بينما غادره شيء من روحه
أما الحاضر فلا يمنحنا دائمًا الوقت الكافي لفهم ما يحدث إذ تتسارع التحولات وتتغير العلاقات وتتبدل الأولويات حتى يصبح الإنسان مطالبًا بالتكيف مع واقع جديد قبل أن يتمكن من استيعاب خسارات الواقع السابق وهنا تتولد غربته الحقيقية لا لأنه فقد مكانه بين الناس بالضرورة بل لأنه لم يعد قادرًا على العثور على المعنى الذي كان يربطه بالأشياء من حوله
ومع ذلك فإن البحث عن المعنى ليس ترفًا فكريًا يمارسه الإنسان حين تستقر حياته بل هو ضرورة تزداد أهميتها كلما ازدادت الحياة اضطرابًا فكم من إنسان أنهكته الظروف لكنه احتفظ بقدرته على المحبة وكم من شخص حاصرته الخيبات لكنه ظل ينهض كل صباح مدفوعًا بمسؤولية صغيرة أو حلم مؤجل أو إيمان عميق بأن العتمة مهما امتدت ليست نهاية الحكاية
غير أن الأمل لا يعني إنكار الظلام أو تجميل القسوة فليس من الواقعية أن نطالب الإنسان بالابتسام بينما تتكاثر أوجاعه ولا من الحكمة أن نختزل معاناته في كلمات مطمئنة لا تغير شيئًا من واقعه إن الأمل الحقيقي هو أن نعترف بوجود الألم ثم نبحث عن وسيلة لمقاومته وأن نفهم أن مواجهة الظلم تبدأ بتسميته وأن استعادة الكرامة لا تتحقق بالأمنيات وحدها بل بالوعي والعمل والتضامن والقدرة على حماية ما تبقى في الإنسان من إنسانية
ولعل المأساة الأشد في عالمنا المعاصر ليست في كثرة التحولات وحدها بل في أن تتسارع الحياة من حولنا بينما تتآكل قدرتنا على فهمها فننشغل بملاحقة الأيام حتى ننسى لماذا نعيشها ونركض خلف الأشياء حتى نفقد صلتنا بما يمنحها قيمتها ونقيس نجاحنا بما نملك لا بما نصنعه من أثر في حياة الآخرين
إن الإنسان لا يحتاج إلى عالم خال من التناقضات كي يجد طريقه بل يحتاج إلى بصيرة تجعله يميز بين ما يستحق التمسك به وما ينبغي أن يتركه خلفه وبين الظلام الذي يفرضه الواقع والظلام الذي تصنعه الهزيمة داخل النفس فليس كل تأخر خسارة ولا كل غياب نهاية ولا كل طريق موحش دليلًا على أننا نسير في الاتجاه الخطأ
وفي الاخير تظل الحياة مزيجا لا ينفصل من النور والعتمة من ذاكرة تشدنا إلى الوراء وأحلام تدفعنا إلى الأمام من أماكن تتغير وأرواح تحاول أن تحتفظ بشيء من ملامحها الأولى وبين هذا كله يواصل الإنسان رحلته بحثًا عن إجابة لسؤال لا يكف عن ملاحقته كيف يمكننا أن نعيش حياة ذات معنى في عالم لا يكف عن التغير؟
ربما لا تكمن الإجابة في أن ننتظر استقرار العالم بل في أن نتعلم كيف نحافظ على اتزاننا وسط اضطرابه وأن نصنع من تجاربنا وعيًا لا قيدًا ومن آلامنا فهمًا لا كراهية ومن النور الذي نعثر عليه في لحظاتنا الصغيرة قوة تعيننا على عبور العتمة
فالحياة لا تعدنا بأن يظل الضوء حاضرًا في كل الأوقات لكنها تمنحنا فرصة أن نكون نحن سببًا في ظهوره بكلمة تنصف مظلومًا ويد تمتد إلى محتاج وموقف يحفظ كرامة إنسان وفكرة تفتح نافذة في جدار اليأس
وهنا يصبح المعنى الحقيقي للحياة أن نعبر تناقضاتها دون أن نفقد جوهرنا وأن نخرج من عتمة التجارب أكثر فهمًا للإنسان لا أكثر قسوة عليه فليس انتصار الإنسان أن يتخلص من الظلام إلى الأبد بل أن يمنعه من إطفاء النور الذي يحمله في داخله!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى