خالد صالح عطية - من أثر الحدث إلى سؤال التحوّل التاريخي: قراءة نقدية في مقاربة د. غانية ملحيس لطوفان الأقصى

يقدّم مقال الدكتورة غانية ملحيس «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل: حين يتحول الحوار من قراءة الحدث إلى مساءلة المستقبل» محاولة للانتقال بالنقاش حول طوفان الأقصى من حدود الحدث المباشر، وما أثاره من ردود فعل، إلى سؤال أكثر تركيباً يتعلق بما يمكن أن يتركه الحدث في البنية السياسية والاجتماعية والتاريخية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وهذه النقلة ليست شكلية؛ فهي تنقل مركز الاهتمام من قياس حجم التأثير إلى مساءلة طبيعته، ومن رصد اتساع الحضور الرمزي للقضية الفلسطينية إلى البحث في الشروط التي تسمح بتحويل هذا الحضور إلى قدرة على الفعل والتغيير.

تنبع أهمية المقاربة من أنها لا تتعامل مع الحدث بوصفه لحظة مكتفية بذاتها، ولا تفترض أن ما يترتب عليه من تداعيات يفضي بالضرورة إلى تحوّل تاريخي. إنها تميّز بين جغرافية الحدث، بما تحيل إليه من الوقائع المباشرة وآثارها الأولى؛ وجغرافية الصدى، حيث تتجاوز آثار الحدث مكان وقوعه لتصل إلى مجتمعات وفضاءات سياسية وثقافية أخرى؛ وجغرافية التحوّل، حيث يصبح السؤال متعلقاً بمدى انتقال هذه الآثار إلى تغييرات مستدامة في الوعي والممارسة والمؤسسات والسياسات وموازين القوة.

وتكمن القيمة الأساسية لهذا التمييز في أنه يضع مسافة نقدية بين الحدث ومآلاته. فقد يربك الحدث مساراً سياسياً قائماً، ويكشف تناقضات بنيوية، ويعيد قضية إلى مركز الاهتمام العالمي، من دون أن ينتج بالضرورة مساراً بديلاً قادراً على تغيير الواقع. وقد يتسع الصدى إلى حدود غير مسبوقة، فيما تظل القدرة على تحويله إلى فعل سياسي منظم محدودة أو غائبة. بهذا المعنى، لا تساوي ملحيس بين الحضور والفاعلية، ولا بين انكشاف أزمة قائمة وتجاوز شروطها، وهي نقطة قوة حقيقية في بناء مقاربتها.

غير أن أهمية هذا التمييز تفتح، في الوقت نفسه، سؤالاً نقدياً يتجاوز حدود تصنيف الأثر: كيف يتحول الحدث إلى قدرة؟ وما الشروط التي تجعل الصدى قوة اجتماعية وسياسية منظمة؟ وكيف تنتقل إمكانات التغيير من مستوى الوعي والاحتجاج والتضامن إلى مستوى المؤسسات والقرارات وموازين القوة؟ هنا تبدأ المسافة بين بناء إطار تحليلي مفيد وتأسيس تفسير نظري مكتمل؛ فالتسمية الدقيقة لمستويات الظاهرة لا تكفي وحدها لتفسير الآليات التي تصل بينها، ولا تفسر لماذا تنجح بعض الأحداث في إحداث تحولات مستدامة، فيما تُحتوى آثار أحداث أخرى أو يُعاد توجيهها ضمن البنية التي بدت، في لحظتها الأولى، موضعاً للاهتزاز.

ولعلّ هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً حين نضع طوفان الأقصى في سياقه التاريخي والسياسي. فالحدث لم يقع خارج تاريخ الصراع، بل داخل بنية استعمارية استيطانية ممتدة، وفي ظل حصار غزة، وتعثر المسارات السياسية، واستمرار الاحتلال والاستيطان، وتآكل إمكانات المشروع الوطني الفلسطيني. لذلك لا يمكن فهمه بوصفه نقطة بداية مطلقة، كما لا يمكن اختزال معناه في نتائجه العسكرية المباشرة أو في حجم الاهتمام الدولي الذي أثاره. لقد مثّل انقطاعاً حاداً في مسار قائم، لكنه لم يُنهِ الشروط التاريخية التي أنتجت الصراع، ولم يلغِ اختلال موازين القوة التي تتحكم في تطوره.

ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين تعطيل مسار وإنتاج مسار بديل. فقد يعطّل حدث ما ترتيبات سياسية أو أمنية استقرت زمناً، ويكشف حدود قدرتها على إدارة الصراع، لكنه لا ينتج تلقائياً رؤية سياسية جديدة أو بنية تنظيمية قادرة على استثمار اللحظة. فالفراغ الذي ينشأ عن اهتزاز منظومة قائمة لا يتحول بذاته إلى فضاء للتحرر؛ وقد تملؤه قوى مضادة، أو يُعاد تنظيمه بأدوات أشد عنفاً، أو يستمر مفتوحاً من دون أن تتوافر للقوى المتضررة منه القدرة على تحديد مآلاته.

وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية. فقد أعاد الطوفان القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، ووسّع دوائر النقاش حول الاحتلال والاستعمار الاستيطاني وحقوق الفلسطينيين، وأثار تحولات في قطاعات من الرأي العام والحركات التضامنية والجامعات والنقاشات السياسية والثقافية. لكن اتساع الحضور العالمي لا يعني، في حد ذاته، انتقال الفلسطينيين إلى موقع أكثر قدرة على تقرير مستقبل قضيتهم. فالوعي الدولي، مهما اتسع، ليس بديلاً عن الفاعلية الوطنية، والتضامن، مهما اكتسب من زخم أخلاقي وسياسي، لا يتحول تلقائياً إلى تغيير في السياسات أو إلى إعادة توزيع لموازين القوة.

وهنا تتحدد إحدى أهم المسائل التي يثيرها مقال ملحيس: الفارق بين أن تصبح فلسطين قضية مركزية في وعي العالم، وأن يمتلك الفلسطينيون القدرة السياسية والتنظيمية التي تجعلهم أصحاب المبادرة في تحديد مآلات قضيتهم. فالأولى قد تفتح إمكانات جديدة، لكنها لا تضمن الثانية. والانتقال بينهما يحتاج إلى مشروع وطني، وأشكال تمثيل شرعية، ومؤسسات قادرة على التعبير عن المجتمع الفلسطيني وتعبئته، وآليات للمساءلة وتجديد الشرعية، ورؤية سياسية تتجاوز إدارة الأزمة إلى بناء القدرة على تغيير شروطها.

غير أن مساءلة الفاعلية الفلسطينية لا ينبغي أن تتحول إلى تفسير داخلي مغلق يعزو تعثر التحول إلى قصور الفلسطينيين وحدهم. فهذه الفاعلية لا تعمل في فضاء متكافئ، بل تواجه قوة استعمارية تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً ومؤسسياً، وتسيطر على الأرض والحدود والحركة والموارد، وتستطيع أن تستخدم القوة لتدمير الشروط المادية والاجتماعية اللازمة لاستمرار الحياة والتنظيم. ولذلك فإن تحليل إمكانات الفعل الفلسطيني يقتضي دراسة العلاقة بين أزمة البنية الوطنية الفلسطينية والبنية الاستعمارية التي تعمل على تقييدها وتفكيكها وإضعاف قدرتها على إنتاج بدائل.

ومن هنا تبرز ثغرة أساسية إذا انحصر النظر في أثر الطوفان على الفلسطينيين، أو في اتساع صداه خارج فلسطين، من دون تحليل الاستجابة الإسرائيلية بوصفها طرفاً فاعلاً في تحديد مآلات الحدث. فطوفان الأقصى لم يغيّر شروط النقاش الفلسطيني والعالمي فحسب؛ لقد أحدث أيضاً صدمة عميقة في التصور الإسرائيلي للأمن والردع، وكشف إخفاقات في منظومة الاستخبارات والإنذار المبكر والقدرة على حماية الحدود والمجتمع. لكن انكشاف هذه الإخفاقات لم يؤدِّ، في الاتجاه الغالب للسياسات الإسرائيلية، إلى مراجعة جوهر العلاقة مع الفلسطينيين، أو إلى مساءلة بنية الاحتلال والاستيطان باعتبارها جزءاً من جذور الصراع. بل تزامن مع توسيع نطاق استخدام القوة، ومحاولة استعادة الردع عبر الحرب، وإعادة تشكيل الوقائع المادية والسياسية على الأرض.

وهنا ينبغي ألا نتعامل مع إسرائيل بوصفها كتلة سياسية متجانسة، ولا أن نفترض أن جميع تياراتها تتبنى تصورات متطابقة بشأن الحرب ومآلاتها. فثمة تباينات بين الحكومة اليمينية المتطرفة، والمؤسسة العسكرية والأمنية، والمعارضة الصهيونية، والقطاعات الإسرائيلية المناهضة للحرب أو للاحتلال. وتختلف هذه القوى في تقدير كلفة الحرب ، وفي العلاقة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وفي التعامل مع المستوطنين ومستقبل الحكم في غزة. لكن وجود هذه الاختلافات لا يعني بالضرورة وجود خلاف موازٍ حول جوهر السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين، أو قبول حقهم في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال. فقد يدور الخلاف حول وسائل إدارة السيطرة وكلفتها ومخاطرها، من دون أن يصل إلى مراجعة الأسس التي تقوم عليها.

لذلك فإن السؤال ليس فقط: كيف أثّر الطوفان في المجتمع الإسرائيلي؟ بل أيضاً: كيف ترجمت المؤسسات والقوى السياسية الإسرائيلية هذه الصدمة إلى استراتيجية مضادة؟ وهل كان الهدف مقتصراً على استعادة الردع وإزالة التهديد الأمني، أم أن الاستجابة اتخذت، في جوانب منها، منحى أوسع يتعلق بإعادة تشكيل المجال الفلسطيني وتقليص إمكاناته السياسية والجغرافية والاجتماعية؟

إن ما جرى في غزة من حرب ابادة تدميرية واسعة، وما رافقه من قتل ونزوح وتدمير للمساكن والبنية التحتية، لا يمكن فصله عن سؤال التحوّل التاريخي. فالحرب لم تكن مجرد استجابة عسكرية لحدث استثنائي؛ لقد أفضت أيضاً إلى تدمير واسع للشروط المادية للحياة الفلسطينية، وإلى تعميق التهجير والنزوح، وإلى جعل البقاء وإعادة بناء المجتمع تحدياً يومياً. وعندما تصبح قدرة المجتمع على إعادة إنتاج حياته مهددة، فإن السؤال عن التحوّل لا يعود متعلقاً فقط بما إذا كان الوعي قد تغيّر، بل بما إذا كانت الشروط التي تسمح بتحويل الوعي إلى فعل قد تعرضت للتدمير أو التقييد أو إعادة التشكيل.

ويظهر هذا البعد بصورة أكثر وضوحاً في الضفة الغربية. فتصاعد العمليات العسكرية، وتدمير أجزاء من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وتهجير سكانها، وتسارع التوسع الاستيطاني، وتزايد هجمات المستوطنين على التجمعات الفلسطينية، لا يمكن النظر إليها باعتبارها أحداثاً متفرقة لا رابط بينها. فقد وثقت تقارير الأمم المتحدة خلال عام 2025 تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مخيمات شمال الضفة الغربية، وتدمير مساكن وطرق وشبكات مياه وبنى تحتية، فيما وثّقت تقارير لاحقة استمرار منع السكان من العودة إلى مخيماتهم. كما أشار مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى تصاعد الاستيطان والعنف المرتبط به، وإلى ارتباطهما بالتهجير القسري وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

ولا تعني هذه الوقائع أن الطوفان أنشأ من الصفر سياسات الاستيطان والتهجير وتفكيك المجال الفلسطيني؛ فهذه سياسات أقدم من الحدث، ولها جذور في بنية المشروع الاستعماري الاستيطاني نفسه. لكن السؤال التاريخي هو كيف تداخلت الصدمة التي أحدثها الطوفان مع هذه المسارات السابقة، وكيف أُعيد توظيفها لتوسيع هامش العمل العسكري والسياسي، وتسريع بعض أشكال السيطرة، وخلق وقائع يصعب التراجع عنها. فالحدث قد لا يكون منشأ المسار، لكنه قد يصبح مناسبة لتسريعه أو توسيعه أو إعادة تنظيمه.

من هنا ينبغي التمييز بين تفسير الاستجابة الإسرائيلية وتبريرها. فالصدمة الأمنية التي تعرضت لها إسرائيل تفسر، جزئياً، طبيعة التعبئة التي أعقبت الحدث، لكنها لا تبرر التدمير الواسع أو التهجير القسري أو توسيع الاستيطان، ولا تجعل هذه الممارسات نتائج حتمية لا بديل عنها. كما أن التفسير لا يقتضي التسليم بالرواية الإسرائيلية عن أهداف الحرب أو بقدرتها على تحقيقها. فهناك فرق بين إعلان هدف عسكري، وتحقيق مكسب ميداني، وإنتاج نتيجة استراتيجية مستدامة.

وقد يكون التصعيد العسكري تعبيراً عن فائض القوة، لكنه قد يكشف أيضاً حدود القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي. فالقوة تستطيع تدمير البنى المادية، وفرض وقائع على الأرض، وتعطيل الحياة والتنظيم، لكنها لا تنتج بالضرورة شرعية سياسية أو استقراراً مستداماً. وقد تحقق أهدافاً تكتيكية من دون أن تحل التناقضات التي أعادت إنتاج الصراع، أو أن تضمن إزالة أسبابه. ولهذا لا يصح أن نقرأ الاستجابة الإسرائيلية باعتبارها دليلاً قاطعاً على نجاح استراتيجي، كما لا يصح أن نعدّها دليلاً تلقائياً على انهيار المشروع الإسرائيلي. المطلوب هو فحص العلاقة بين ما حققته القوة على المستوى الميداني، وما عجزت عن حسمه على المستوى السياسي والتاريخي.

وهنا تتخذ المقارنة بين المسارين الفلسطيني والإسرائيلي أهمية تفسيرية. ففي الحالة الفلسطينية، لم يتحول اتساع الصدى العالمي إلى قدرة وطنية متكافئة مع حجم التحدي. وفي الحالة الإسرائيلية، لم تتحول الصدمة التي أحدثها الطوفان، في الاتجاه الغالب للاستجابة، إلى مراجعة جذرية للبنية التي تحكم العلاقة مع الفلسطينيين، بل ترافقت مع تصعيد عسكري ومزيد من السيطرة على الأرض. وبذلك يمكن أن يتزامن اتساع الحضور الرمزي للقضية الفلسطينية مع تضييق شروط الفعل الفلسطيني على الأرض؛ وأن يتسع التعاطف العالمي مع الفلسطينيين في الوقت الذي تتعرض فيه المؤسسات الاجتماعية والمجالات الجغرافية اللازمة لاستمرار حياتهم لضغط أشد.

وهذه المفارقة لا تعني أن المسارين متساويان في المسؤولية أو القوة أو القدرة على فرض الوقائع. إن التفاوت بين الطرفين أساسي لفهم ما يحدث. لكنها تعني أن التحوّل التاريخي لا يمكن قياسه من خلال آثار الحدث في طرف واحد، لأن مآلاته تتشكل أيضاً عبر استجابة الطرف المقابل، وقدرته على احتواء التغيير أو توجيهه أو تحويله إلى فرصة لإعادة إنتاج السيطرة. وإذا كان الحدث قد فتح إمكانات جديدة في الوعي العالمي، فإن السؤال يصبح: هل تستطيع هذه الإمكانات أن تصمد أمام الوقائع التي تنتجها القوة؟ وهل يمكن أن تتحول إلى ضغط سياسي ومؤسسي مستدام، بدلاً من أن تبقى في مستوى التضامن الأخلاقي والرمزي؟

تتصل هذه المسألة أيضاً بمفهوم الصمود الذي يحتل مكانة مركزية في النقاش الفلسطيني. فالصمود ليس مجرد قدرة على احتمال الألم أو البقاء في المكان، ولا ينبغي أن يتحول إلى مفهوم يضفي معنى إيجابياً على استمرار المعاناة. إنه يرتبط بقدرة المجتمع على إعادة إنتاج الحياة، وصيانة الروابط الاجتماعية، وحماية الذاكرة والهوية، واستعادة المؤسسات، وبناء أشكال من التنظيم تسمح بتحويل البقاء إلى إمكانية للفعل. وعندما تتعرض البيوت والمخيمات والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والاقتصاد المحلي للتدمير، فإن الصمود يصبح مرتبطاً أيضاً بوجود شروط مادية وسياسية تسمح للمجتمع بأن ينهض من جديد.

لذلك فإن الربط بين الصمود وإنتاج الحياة يمثل امتداداً ضرورياً لسؤال التحوّل. لكنه يحتاج إلى مزيد من التحديد: ما المؤسسات التي يمكنها حماية هذا الإنتاج؟ وكيف يمكن أن يتحول الصمود الاجتماعي إلى قدرة سياسية؟ وما العلاقة بين استمرارية المجتمع وإعادة بناء المشروع الوطني؟ وكيف يمكن منع تحويل الصمود إلى بديل عن المسؤولية السياسية، أو إلى خطاب يُطلب من الفلسطينيين من خلاله أن يتحملوا نتائج العجز الدولي والانقسام الوطني والتفوق العسكري الإسرائيلي؟

إن إعادة بناء الفاعلية الفلسطينية لا تبدأ من إعلان الرغبة في التغيير، بل من مواجهة الشروط التي تعيق تحققه. ويشمل ذلك أزمة التمثيل والشرعية، والانقسام السياسي، وغياب المساءلة، وتراجع القدرة على إنتاج رؤية وطنية مشتركة. لكنه يشمل أيضاً بنية الاحتلال وسياسات الاستيطان والحصار والتهجير، والقدرة الإسرائيلية على تفكيك المجال الجغرافي الفلسطيني ومنع التواصل بين مكوناته. فالمشروع الوطني لا يمكن أن يُبنى في تجاهل البنية الاستعمارية، كما لا يمكن أن يكتفي بإدانتها من دون أن يعيد تنظيم المجتمع الفلسطيني ومؤسساته وقدرته على الفعل.

ومن هنا تبرز حدود أي مقاربة تجعل الفاعلية الفلسطينية شرطاً للتحوّل من دون أن تشرح بما يكفي كيف يمكن إنتاج هذه الفاعلية في ظل التدمير والتفكيك. فالفاعلية ليست إرادة مجردة، ولا قراراً سياسياً منفصلاً عن شروطه، بل قدرة تُبنى عبر التنظيم والموارد والشرعية والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية وشبكات الدعم. وإذا كانت هذه العناصر تتعرض للتآكل بفعل الانقسام الداخلي والسياسات الإسرائيلية معاً، فإن تفسير غياب التحوّل يقتضي تحليل آليات هذا التآكل، لا الاكتفاء بتسجيل غياب النتيجة.

وهنا يمكن تحديد أحد حدود الإطار الذي تقدمه ملحيس. فالتقسيم الثلاثي بين الحدث والصدى والتحوّل إطار مفيد في تنظيم الأسئلة ومنع الخلط بين مستويات مختلفة من التأثير، لكنه لا يشكل، بمفرده، نظرية سببية مكتملة. إنه يوضح ما ينبغي التمييز بينه، لكنه يحتاج إلى بيان الآليات التي تسمح بالانتقال من مستوى إلى آخر، والشروط التي تعوق هذا الانتقال، والعوامل التي تفسر اختلاف النتائج بين السياقات. كما يحتاج إلى مؤشرات قابلة للفحص، تتيح التمييز بين تحول في الوعي وتغير في الممارسة، وبين تغير في السياسات وتبدل في البنية، وبين مكسب مؤقت وتحول قادر على الاستمرار.

والأهم أن مفهوم التحوّل نفسه يحتاج إلى مزيد من الضبط. فليس كل تغيير في السياسات تحولاً في البنية، وليس كل اهتزاز في منظومة قائمة دليلاً على اقتراب نهايتها. قد تتغير أدوات السيطرة فيما تستمر بنيتها، وقد تُعاد صياغة الخطاب السياسي فيما تبقى علاقات القوة على حالها، وقد تتعرض منظومة الردع لصدمة ثم تعيد بناء نفسها بوسائل مختلفة. وبالمثل، قد يتغير موقع القضية الفلسطينية في الوعي العالمي من دون أن تتغير قدرة الفلسطينيين على التأثير في القرارات التي تحدد مستقبلهم. لذلك لا يكفي رصد التغيير؛ ينبغي تحديد مستواه وعمقه ومداه الزمني، ومعرفة ما إذا كان يغيّر شروط إعادة إنتاج البنية أم يتيح لها العمل بأدوات جديدة.

وتظهر هنا أيضاً أهمية التمييز بين التزامن والسببية. فالتغيرات التي تلت الطوفان لا يمكن نسبتها جميعاً إلى الحدث بوصفه سبباً مباشراً. بعضها امتداد لمسارات سابقة، وبعضها نتاج تفاعل الحدث مع بنى ومصالح قائمة، وبعضها استجابة لقرارات سياسية وعسكرية مستقلة نسبياً عن لحظة الحدث. ولهذا يحتاج التحليل إلى تحديد ما الذي تغيّر بسبب الطوفان، وما الذي تسارع بعده، وما الذي استُخدم الحدث لتبريره، وما الذي كان سيستمر حتى في غيابه. وهذه ليست مسألة منهجية هامشية؛ إنها شرط لتجنب المبالغة في تقدير أثر الحدث، كما أنها شرط لفهم حدود هذا الأثر.

وبالمثل، لا ينبغي أن تتحول القراءة إلى تقييم نهائي لمآلات الطوفان قبل أن تتضح جميع المسارات التي أطلقها أو سرّعها. فبعض التحولات يتكشف في الأمد القصير، وبعضها يحتاج إلى زمن أطول حتى تظهر نتائجه المؤسسية والسياسية. لكن الاعتراف بهذا البعد الزمني لا يعني تأجيل الحكم النقدي إلى أجل غير محدد؛ بل يعني بناء معايير واضحة للحكم، والتمييز بين ما تحقق فعلاً، وما لا يزال احتمالاً، وما تعرض للانتكاس أو الاحتواء، وما بقي مفتوحاً على أكثر من مسار.

من هذه الزاوية، فإن السؤال عن مستقبل الطوفان ليس سؤالاً عن مقدار ما أحدثه من صدمة أو عن مدى اتساع صداه، بل عن العلاقة بين هذه الصدمة وبين القوى التي تسعى إلى احتوائها أو استثمارها. لقد كشف الحدث حدود منظومة الردع الإسرائيلية، لكنه لم يؤدِّ تلقائياً إلى إنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان. وأعاد فلسطين إلى مركز اهتمام عالمي واسع، لكنه لم ينتج وحده مشروعاً وطنياً فلسطينياً جديداً. وفتح إمكانات للتضامن والمساءلة الدولية، لكنه لم يضمن تحويل هذه الإمكانات إلى سياسات ملزمة أو تغيير في موازين القوة.

وهذا يقود إلى سؤال أكثر عمقاً: هل يُقاس التحوّل التاريخي بما ينجح الحدث في تغييره مباشرة، أم بما يفتحه من إمكانات جديدة، حتى عندما يعجز الفاعلون عن تحويلها فوراً إلى نتائج؟ ربما لا تكون الإجابة في الاختيار بين الأمرين، بل في التمييز بين إمكان التحوّل وتحققه. فالحدث قد يغيّر أفق التفكير، ويكشف تناقضات كانت مستترة، ويفتح مسارات لم تكن مطروحة بالقدر نفسه، لكن هذه الإمكانات تظل رهينة القدرة على تنظيمها وحمايتها وتحويلها إلى فعل مستدام. ولا يصبح الإمكان تحولاً تاريخياً إلا عندما يترك أثراً قابلاً للاستمرار في العلاقات والمؤسسات والسياسات وموازين القوة.

في المحصلة، ينجح مقال غانية ملحيس في نقل النقاش من وصف الحدث إلى مساءلة مآلاته، وفي التنبيه إلى أن اتساع الصدى لا يساوي تحقق التحوّل، وأن تعطيل مسار قائم لا يعني بالضرورة بناء بديل عنه. كما يضع الفاعلية الفلسطينية وإعادة بناء المشروع الوطني في مركز السؤال، ويربط الصمود بإنتاج الحياة لا بمجرد احتمال المعاناة. وهذه إسهامات مهمة لأنها تمنع الاكتفاء بالاحتفاء الرمزي بالحدث، وتعيد النقاش إلى الشروط التي تجعل التغيير ممكناً.

لكن الإطار يحتاج إلى توسيع قدرته التفسيرية، عبر تحليل الاستجابة الإسرائيلية بوصفها عاملاً فاعلاً في تشكيل المآلات، وتحديد الآليات التي تصل بين الوعي والفعل، وبين الفاعلية والتغيير المؤسسي، وبين انكشاف البنية وإمكان تجاوزها. كما يحتاج إلى تفسير العلاقة بين الأزمة الداخلية للمشروع الوطني الفلسطيني والبنية الاستعمارية التي تعمل على تقييد شروط إعادة بنائه، من دون اختزال أحد المستويين في الآخر.

فالمسألة ليست أن الطوفان لم يترك أثراً، ولا أن اتساع أثره يثبت تحقق التحوّل. لقد ترك آثاراً عميقة في الوعي الفلسطيني والعالمي، وفي التصورات الإسرائيلية للأمن والردع، وفي مسارات الحرب والسيطرة على الأرض. لكن هذه الآثار لم تتخذ اتجاهاً واحداً، ولم تنتج نتائج متكافئة لدى الأطراف المختلفة. وبين اتساع الصدى وتضييق المجال الفلسطيني، وبين انكشاف إخفاقات الردع ومحاولة استعادة السيطرة بالقوة، تتحدد المسافة التي ينبغي للتحليل أن يفسرها.

إن السؤال الذي يظل مفتوحاً ليس فقط كيف يتحول أثر الحدث إلى قدرة، بل كيف تتحول القدرة إلى فعل منظم، والفعل إلى تغيير في البنية، وكيف يستطيع هذا التغيير أن يقاوم الاحتواء ويستمر. عند هذه النقطة يصبح التحوّل التاريخي أكثر من مفهوم نطلقه على حدث كبير؛ يصبح مسألة تتعلق بشروط الفعل، وبالصراع على مآلات الحدث، وبالقدرة على تحويل ما انكشف في لحظة تاريخية إلى واقع جديد لا تعيد البنية القائمة إنتاج نفسها داخله بالأدوات ذاتها أو بأدوات أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى