د. حسام الدين فياض - الأخلاق للآخرين... والاستثناء لنا

" يكشف تعامل الإنسان مع الأخلاق عن حقيقة التزامه بها، فليس الامتحان في إعلان المبادئ أو المطالبة باحترامها، بل في التمسك بها حين تتعارض مع المصالح، وتطبيقها على الذات بالقدر نفسه الذي نطالب به الآخرين " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل التناقض بين القيم الأخلاقية المعلنة والممارسات الفعلية، وكشف دور المصالح والعلاقات الاجتماعية في تشكيل معايير الحكم على السلوك، بحيث يصبح الخطأ مداناً لدى الآخرين ومبرراً حين يصدر عنا.

أخطر ما في علاقتنا بالأخلاق أننا نطالب الآخرين بالالتزام بها، لكننا لا نلتزم بها دائماً حين تتعارض مع مصالحنا. نرفض سلوكاً معيناً حين يصدر عن غيرنا، ثم نجد له المبررات حين يصدر عنا. ننتقد المحاباة، لكننا نلجأ إليها حين تخدمنا، وندين استغلال النفوذ، ثم نبحث عن واسطة حين نحتاج إلى تجاوز القواعد. نتمسك بالمبادئ ما دامت لا تكلفنا شيئاً، ونتراجع عنها حين تصبح عائقاً أمام منفعة نريدها. وبدلاً من الاعتراف بهذا التناقض، نبحث عن مبررات تجعل تصرفاتنا مقبولة في نظر أنفسنا والآخرين. وهكذا تتحول الأخلاق من قواعد تضبط سلوكنا إلى كلمات نستخدمها للدفاع عن مصالحنا.

تظهر هذه المفارقة في علاقات العمل والحياة اليومية. فقد يطالب شخص بالعدل في توزيع الفرص، ثم يدعم تعيين قريب له على حساب شخص أكثر كفاءة. وقد يهاجم مسؤول الفساد في خطاباته، بينما يستخدم موقعه لتقديم امتيازات لمقربيه. وقد يعيب أحدهم على الآخرين الكذب، ثم يخفي الحقيقة حين تهدد مصلحته أو مكانته. وفي كل مرة، يجد الفعل طريقه إلى التبرير، مرة بحجة الضرورة، ومرة بدعوى أن الجميع يفعلون الشيء نفسه، ومرة باعتبار المنفعة حقاً مستحقاً. ولا يقتصر الأمر على مخالفة المبادئ، بل يمتد إلى إقناع الذات بأن ما ترفضه لدى الآخرين يصبح مقبولاً حين يصدر عنها.

وتتجاوز المسألة التناقض الفردي إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي قد تجعل تجاوز القواعد أكثر نفعاً من الالتزام بها. ففي البيئات الاجتماعية التقليدية التي تتقدم فيها القرابة والولاءات الشخصية على الكفاءة والاستحقاق، لا تصبح المحاباة مجرد تصرف فردي، بل وسيلة للوصول إلى الفرص وحماية المصالح. وحين يحصل صاحب النفوذ على امتيازاته من دون مساءلة، بينما يتحمل غيره كلفة الالتزام بالقواعد، تتراجع الثقة بالعدالة، ويتعلم الناس أن النجاح لا يتوقف دائماً على ما يقدمونه، بل على من يعرفون وما يستطيعون الحصول عليه من خلال علاقاتهم. عندئذ لا يقتصر الخلل على أفراد يخالفون الأخلاق، بل يمتد إلى بيئة تكافئ بعض المخالفات وتترك أصحابها بمنأى عن المحاسبة.

وتزداد المفارقة وضوحاً حين تتحول السمعة الأخلاقية إلى وسيلة لاكتساب الاحترام والنفوذ. فقد يحرص المرء على الظهور بمظهر النزيه، لأن هذه الصورة تمنحه ثقة الآخرين وتساعده على تحقيق أهدافه. وقد تصبح الأعمال الخيرية وكثرة الحديث عن القيم وانتقاد أخطاء الناس وسائل لبناء مكانة اجتماعية، من دون أن تنعكس بالضرورة على السلوك اليومي. فالمجتمع لا يمنح التقدير دائماً على أساس ما يفعله الإنسان، بل قد يمنحه أيضاً على أساس الصورة التي ينجح في تقديمها عن نفسه. وهكذا قد تصبح المحافظة على المظهر الأخلاقي أكثر أهمية من الالتزام الفعلي بالأخلاق، ما دامت الصورة تمنح صاحبها القبول وتحمي مكانته.

وتبلغ المفارقة ذروتها حين ينتهي يوم حافل بالمحاباة والمراوغة واستغلال الآخرين بخطبة عن النزاهة والشرف والاستقامة. نقف أمام الناس لنعلمهم ما ينبغي فعله، بينما نتجاهل ما فعلناه نحن، ونتحدث عن العدل من دون أن نتنازل عن امتيازاتنا، ونطالب بالمحاسبة من دون أن نقبل أن تشملنا. وكأن الحديث عن الأخلاق يعفينا من ممارستها، وكأن ترديد المبادئ يمنحنا حق الحكم على الآخرين.

لسنا جميعاً فاسدين، لكن كثيراً منا يتساهل مع أخطائه أكثر مما يتساهل مع أخطاء غيره. نبحث لأنفسنا عن الأعذار، ونحرم الآخرين منها، ونبرر تجاوزاتنا بالمصلحة والضرورة، ثم نتحدث عن الأخلاق كما لو أننا لم نخالفها قط. والمشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان، بل في أن يجعل من مصلحته مبرراً لتصرفاته، ومن أخطاء الآخرين دليلاً على فسادهم، ومن حديثه عن الفضيلة وسيلة لإخفاء تناقضاته. عندها لا تكون الأخلاق غائبة عن حياتنا، فنحن نذكرها باستمرار، لكننا نستحضرها لمحاسبة الآخرين، ونتجاهل مقتضياتها حين يحين دورنا في المحاسبة.

نصيحتي لك، تتجسد الأخلاق الحقيقية بقدرتك على الالتزام بالمعايير التي تطالب الآخرين باحترامها، ومراجعة مواقفك حين تتعارض مبادئك مع مصالحك. لا تجعل أخطاء الآخرين أسهل في عينيك من أخطائك، ولا تبحث لنفسك عن أعذار تحرمهم منها. فالنضج الأخلاقي لا يعني ادعاء الكمال، بل امتلاك الشجاعة للاعتراف بالتقصير وتصحيح المسار، حتى حين لا يراك أحد ولا تنتظر من وراء ذلك تقديراً أو مكافأة. فالقيمة الحقيقية للمبدأ لا تظهر حين يكون الالتزام به سهلاً، بل حين يصبح التمسك به مكلفاً، وتكون قادراً على التخلي عن منفعة دون أن تتخلى عن قناعتك.

------------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى