كاظم حسن سعيد - د. تمام حسان والثورة الصرفية في «اللغة العربية: معناها ومبناها»

يمثل العالم اللساني المجدد الدكتور تمام حسان (1923 – 2011) محطة فارقة ونقطة مفصلية في تاريخ الدرس اللغوي العربي الحديث. فقد استطاع، عبر مشروعه الفكري المتفرد، أن يمزج بتؤدة واقتدار بين أصالة التراث العربي القديم المتمثل في المدوّنة النحوية والبلاغية، وبين المناهج اللسانية الحديثة التي تشرب أصولها في جامعة لندن على يد كبار اللغويين كدانيال جونز وجاي آر فيرث.

ولم يكن تمام حسان ناقداً عابراً يكتفي بهدم الموروث، بل كان مصلحاً تجديدياً أدرك بوعي عميق أن النحو العربي بحاجة إلى "زحزحة منهجية" تخرجه من إسار التعليلات المنطقية المتأخرة والافتراضات الذهنية المعقدة، لتعيده إلى رحابة اللسان الحي ودلالة السياق.

«اللغة العربية: معناها ومبناها».. البيان التأسيسي للتجديد

يشكل كتاب «اللغة العربية: معناها ومبناها» (الصادر في طبعته الأولى عام 1973) العلامة الأبرز والعمود الفقري لمشروع تمام حسان النظري والطباقي. ففي هذا السفر المرجعي، أعاد الباحث بناء نظرية النحو العربي برمتها، مقتترحاً بديلًا رصيناً أسماه منهج «تضافر القرائن» (اللفظية، والمعنوية، والحالية).

لم يعد الإعراب في منظور تمام حسان محصوراً في غاية ما تشير إليه الحركات الظاهرة أو المقدرة على أواخر الكلم، بل أصلحه ليكون محصلة لشبكة معقدة وتضافر حثيث بين القرائن الصرفية، والتركيبية، والدلالية، بغية ربط النحو بالمعنى وتيسير فهم النظام العربي في كليته.

دلالات الأبنية الصرفية: تفكيك صغائر المباني وعزائم المعاني

في صلب هذا المشهد التجديدي، لم ينظر تمام حسان إلى الصرف بوصفه جذاذات جامدة أو تقطيعاً ألياً للكلمات على الميزان التقليدي (فَعَلَ)، بل تعامل مع «الصيغة الصرفية» باعتبارها قرينة لفظية ومعنوية مستقلة تنفخ الحياة في الجذر المعجمي الصامت.

ويظهر هذا التحرر اللساني الناجح جلياً عند معالجته لدلالات أوزان الزيادة، لا سيما صيغتي (أَفْعَلَ) و(فَعَّلَ)، والتوزيع الوظيفي الدقيق الذي أحدثته العربية بين مادتيهما. ولعل الوقوف عند مادة (مـ - ر - ض) يجلّي كمال هذه الرؤية الصرفية في إبانة الفرق الدقيق بين دلالتي "العدوى والإصابة" ودلالة "السَّلْب والرعاية":

𔁯. الصيغة الصرفية قرينةٌ دلالية مستقلة

يرى تمام حسان أن الجذر الثلاثي الصامت (م-ر-ض) يقدم المفهوم المجرد للسقم، لكن المبنى الصرفي هو الذي يوجه شحنة المعنى:


صيغة (أَفْعَلَ) - [أَمْرَضَ]: وظيفة هذا الوزن الصرفي الأساسية هي التعدية ونقل الفعل من اللزوم إلى التعدي (إيجاد العلة وتصيير الغير مريضاً). فالهمزة هنا تُدخل معالجة دلالية يفاد منها أن الفاعل أحدث صفة المرض في المفعول به، أي أصابه بالعدوى أو أوقعه في السقم.

صيغة (فَعَّلَ) - [مَرَّضَ]: تأتي الزيادة بالتضعيف هنا لتؤدي وظيفة صرفية دلالية تُعرف بـ «السَّلْب والإزالة» (أي سلب الصفة واقتلاعها من الموصوف بها)، أو المباشرة بالرعاية لرفع المرض.

𔁰. درء الوهم الصرفي: التضعيف بين التكثير والسَّلْب

قد يقع في وهم بعض الدارسين أن التضعيف في (مَرَّضَ) جاء على أصله الشائع في الصرف للزيادة والتكثير والتعدية، فيظنون أن التضعيف أضاف مرضاً أو أصاب المفعول بداءٍ فوق دائه. غير أن التحليل الوصفي المتقدم يُبطل هذا التوهم بوضوح؛ إذ إن اللسان العربي لا يلجأ للتكرار الوظيفي المباشر داخل المادة الواحدة.

فلما كانت الهمزة في (أَمْرَضَ) قد أخذت على عاتقها شحنة التعدية وإصابة الغير بالمرض، انزاحت صياغة التضعيف في (مَرَّضَ) لتقوم بـ "الدلالة السلبية/الإزالية"، أي مباشرة المريض وسلب علته. وبذلك لا تكون زيادة التشديد ها هنا للزيادة في أصل المعنى (المرض)، بل هي زيادة في أصل الفعل والجهد المبذول لإزالتها وتطبيبها، وهو ما يُبرز عبقرية التوزيع الدلالي داخل المنظومة الصرفية العربية.

𔁱. التحرر من التقديرات والافتراضات الذهنية

في الوقت الذي انشغل فيه الصرفيون القدامى بالبحث عن "الأصل والفرع" وافتراض تقديرات وهمية للكلمة لا سند لها في واقع النطق، عالج تمام حسان هذه الظاهرة بوصفها حركة معجمية وصرفية مباشرة؛ إذ إن اللسان العربي وزع الوظائف بذكاء فطري بين الأبنية:
فلم تُستخدم صيغة (فَعَّلَ) في [مَرَّضَ] للتعدية المحضة لوجود صيغة (أَفْعَلَ) في [أَمْرَضَ] القائمة بتلك الوظيفة (العدوى والتعدية).
وبذلك تفرغت صيغة (فَعَّلَ) في مادة [مرض] لتأدية معنى حركي جديد وهو "مباشرة الفعل وإزالة أثره"، حيث أفاد التشديد التكثير والمباشرة بالخدمة لسلب العلة.
𔁲. ربط المبنى المعجمي بالمبنى الوظيفي

ويتجلى هذا التوزيع الوظيفي الصارم في تنقل الجذر المعجمي عبر الأبنية الصرفية الآتية:
مَرِضَ (على وزن فَعِلَ - مجرد):

الوظيفة: ثبوت الصفة واللزوم.

المعنى: أصابته العلة في نفسه.
أَمْرَضَ (على وزن أَفْعَلَ - مزيد بالهمزة):

الوظيفة: التعدية والجعل (العدوى والإصابة).

المعنى: جعله مريضاً وأوقع العلة فيه.
مَرَّضَ (على وزن فَعَّلَ - مزيد بالتضعيف):

الوظيفة: السَّلْب والمباشرة (التمريض والرعاية).

المعنى: قام على خدمته وسهر لإزالة علته.
𔁳. من التذوق الجمالي إلى القوالب المنطقية: جناية المنطق على البلاغة

لا ينفصل هذا العسر الصرفي واللبس الدلالي عن التحول التاريخي الحاد الذي أصاب الدرس البلاغي والنحوي العربي؛ إذ انطلقت البلاغة والعربية في بدايتها الأولى عند عبد القاهر الجرجاني والجاحظ وأبي هلال العسكري من "تذوق جمالي حيّ" وحسّ فطري يدرك أسرار اللسان وظلال المفردات. غير أن استغراق المتأخرين في إقحام "المنطق والحدود الصارمة" أحال البلاغة والصرف إلى قوالب معيارية أليمة قيدت الحركة الحية للغة.

ومن هنا يقع التوهم؛ فكلمة (مَرَّضَ) بالتضعيف ليست من باب «المشترك اللفظي» (الذي يحمل اللفظ فيه المعنى وضده صدفة أو بالوضع)، ولا هي من باب «التطور المجازي» (الذي ينقل اللفظ من الحقيقة إلى المجاز)؛ بل هي دقة صرفية حركية أصيلة داخل نظام العربية. فلما جُمّدت الفروق في أطر منطقية جافة، غاب عن الدارسين حِذق اللسان العربي في التعبير عن الإزالية والسَّلْب بالبناء نفسه، وهو أصلٌ جمالي ذوقي أعاد الدكتور تمام حسان استكشافه وتأصيله بروحه اللسانية المجددة.

خاتمة

لقد أثبت الدكتور تمام حسان من خلال استقراء الأبنية وتحليل القرائن أن النظرية اللسانية العربية لا تحتاج إلى استعارة نماذج غريبة لبيان قدرتها، بقدر ما تحتاج إلى "منهج وصفي نقدِي" يقف على سرائر التوزيع الدلالي داخل التراكيب. إن دراسة الصرف عنده لم تكن تسلية ذهنية في تقطيع الأوزان، بل كانت إضاءة حية لكيفية اشتغال اللغة في نقل أدق اللمسات الإنسانية من مظاهر العلة والشفاء، والإيجاد والسلب، لتظل آراؤه اللسانية منارة متجددة لكل دارس يبتغي غوصاً عميقاً في جوهر العربية ومبناها.

ايلول ٢٦
إن الجهد اللغوي والنحوي الذي بذله د. تمام حسان وأمثاله، لا يهتم بمعرفته عدد كبير من الكُتّاب الجدد، خاصة الشعراء، ولكن أي تجاوز لعمق التراث إنما هو خيانة معرفية تعاقبهم بإنتاج نصوص غير ناضجة.

الصياد

ايلول26

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى