في غرب إيرلندا، لا يصل البحر إلى اليابسة وحده. تصل معه حكايات قديمة، وأسماء الذين غادروا على سفن لم تعد، وأصوات أمهات وقفن أمام الأبواب ينتظرن أبناء ابتلعهم الأطلسي.
هناك، في مقاطعة مايو، حيث يلامس الضباب التلال الخضراء، وحيث تبدو البيوت الصغيرة كأنها تحتمي من الريح بظهور بعضها، ولدت عام 1991 طفلة اسمها سالي روني.
لم يكن في المشهد ما يوحي بأن هذه الطفلة ستصبح يومًا واحدة من أشهر الروائيات في العالم الناطق بالإنجليزية. ولا أن اسمها سيعبر البحار، ويستقر على أغلفة الكتب، وفي قوائم الجوائز، وعلى شاشات التلفزيون.
والأبعد من ذلك كله أن بلادًا اسمها فلسطين، تفصلها عنها آلاف الكيلومترات، ستدخل حياتها ذات يوم، وتجلس بين أوراقها، ثم تقف معها أمام أبواب القانون البريطاني.
غرب إيرلندا... ذاكرة تحت الهدوء
كانت إيرلندا تواصل حياتها اليومية. أطفال يذهبون إلى مدارسهم، قطارات تعبر المدن، مزارعون يخرجون إلى حقولهم، وشمس خجولة تحاول أن تشق طريقها بين الغيوم. لكن تحت هذا الهدوء كانت تنام ذاكرة طويلة من الجوع والهجرة والمقاومة.
قبل ولادة سالي بأكثر من قرن، كانت السفن تغادر الموانئ الإيرلندية محملة ببشر أنهكهم الجوع. لم تكن حقول البطاطا التي أصابها المرض وحدها مسؤولة عن المأساة؛ فقد كان وراءها نظام من ملكية الأرض والسياسات الاقتصادية والحكم البريطاني جعل الكارثة أشد فتكًا.
مات نحو مليون إنسان، وغادر نحو مليون آخر بلادهم، تاركين خلفهم بيوتًا صامتة وأراضي لم يعودوا يملكون القدرة على العيش منها.
لم يبقَ أولئك الجائعون في الصور القديمة وحدهم. ظلوا في أسماء العائلات المنتشرة وراء المحيط، وفي الأغاني التي تتحدث عن الرحيل، وفي المقابر التي تحمل شواهدها حكايات عائلات انقطعت سلالاتها، وفي ذاكرة شعب يعرف أن فقدان الأرض قد يكون بداية لفقدان أشياء كثيرة لا تعوض.
كبرت سالي في بلد يحمل هذه الذاكرة، وإن لم تكن بالضرورة تستحضرها كل صباح. فالطفل لا يحتاج إلى معرفة تاريخ بلاده كله كي يعيش بين آثاره. يكفي أن يسمع أسماء الأماكن، وأن يلتقط من حديث الكبار معنى الظلم، وأن يكتشف ذات يوم أن الخرائط التي تبدو ثابتة في كتب المدرسة كانت في أزمنة أخرى ساحات صراع بين من يملك الأرض ومن يملك القوة.
في بيتها كان للفن والقراءة مكان. أم تعمل في المجال الثقافي، وأب يعمل في قطاع الاتصالات، وفتاة تنمو وسط عالم لا تنقصه الأسئلة. لم تكن سالي تبحث عن إجابات جاهزة بقدر ما كانت تتعلم كيف تطرح السؤال، وكيف تسمع ما يختبئ خلف الكلمات.
دبلن... المناظرات والغرف الصغيرة
ثم حملتها السنوات إلى دبلن.
مدينة يمر نهر ليفي في قلبها، وتنعكس على مياهه واجهات الأبنية القديمة، ويعبر طلاب جامعة ترينيتي ساحاتها الحجرية حاملين الكتب والحقائب والأحلام.
هناك درست الأدب الإنجليزي والأميركي، وهناك أيضًا دخلت عالم المناظرات الجامعية، حيث لا تكفي الفكرة الجميلة كي تنتصر؛ ينبغي أن تعرف كيف تكشف ضعف الحجة المقابلة، وكيف تصغي إلى الكلمات التي يتجنب خصمك قولها.
كانت تتعلم أن الصمت نفسه قد يكون موقفًا، وأن الجملة البسيطة قد تخفي تحتها طبقات من الخوف والرغبة والمصلحة.
ولعل هذا ما سيظهر لاحقًا في عالمها الروائي.
غرفة جلوس... والعالم كله تحت الهدوء
غرفة جلوس في بيت إيرلندي. ضوء خافت يتسلل من نافذة. شاب يجلس على طرف الأريكة، وفتاة تحاول أن تبدو غير مكترثة. بينهما مسافة صغيرة لا تتجاوز بضعة أقدام، لكنها تتسع كلما حاول أحدهما أن يقول ما يشعر به.
لا يحدث شيء كبير. لا صراخ ولا انهيار ولا باب يُغلق بعنف. ومع ذلك، فإن حياة كاملة تتحرك تحت هذا الهدوء.
هكذا تكتب سالي روني.
لا تضع المجتمع على منصة وتطلب منه أن يشرح نفسه. تتركه يدخل الغرفة مع الشخصيات، ويجلس بينها، ويتدخل في علاقاتها دون أن يراه أحد.
في «محادثات مع الأصدقاء»، روايتها الأولى التي صدرت عام 2017، نلتقي شابتين تدخلان عالمًا من العلاقات العاطفية والفكرية المتشابكة. تبدو الأحاديث عن الفن والحب والحرية عادية، لكن تحت كل كلمة تكاد تظهر مسألة أخرى: من يملك المال؟ من يستطيع أن يغادر العلاقة دون أن يخسر شيئًا؟ ومن يضطر إلى البقاء لأنه لا يملك رفاهية الرحيل؟
وفي «أناس عاديون»، الصادرة عام 2018، تضع سالي شابين أمام بعضهما. ماريان، ابنة العائلة الميسورة، وكونيل، ابن المرأة التي تعمل في تنظيف بيت عائلتها.
قد يلتقيان في المدرسة، وقد يضحكان من النكتة نفسها، وقد يشعر كل منهما أنه أقرب إلى الآخر من أي إنسان آخر. لكن حين يعود كل منهما إلى بيته، تعود معه المسافة التي صنعها المال والموقع الاجتماعي.
تفتح ماريان باب بيت واسع، بينما يعرف كونيل أن أمه تدخل البيت نفسه من باب العمل.
لا يحتاج المشهد إلى شرح طويل. يكفي أن نرى البابين لندرك أن الحب لا يولد دائمًا في عالم متساوٍ، وأن الإنسان يحمل طبقته معه حتى حين يعتقد أنه تركها خارج الغرفة.
كانت سالي تكتب عن الحب، لكنها كانت ترى ما يقف خلفه. تكتب عن الصداقة، فتظهر السلطة. تكتب عن الرغبة، فيطل الخوف. تكتب عن الوحدة، فنكتشف أن المجتمع كله حاضر داخل الإنسان الذي يظن نفسه وحيدًا.
ثم جاءت روايتها الثالثة «أيها العالم الجميل، أين أنت؟»، وفيها كاتبة شابة تبحث مع صديقتها عن معنى الحب والفن في عالم يتسع فيه القلق من الرأسمالية والمستقبل. كأن السؤال لم يعد فقط: هل نستطيع أن نحب؟ بل أصبح: كيف نستطيع أن نواصل الحب بينما العالم من حولنا يفقد شيئًا من جماله؟
وفي «إنترمتسو»، الصادرة عام 2024، تترك سالي شقيقين أمام غياب أبيهما. أحدهما يحاول أن يخفي حزنه داخل حياته المعقدة، والآخر يبحث عن طريقه وسط علاقات لا يعرف كيف يسميها. الموت هنا لا يظهر في جنازة وحدها، بل في الأشياء الصغيرة التي يتركها الغائب وراءه، وفي الكلمات التي لم تُقل قبل الرحيل، وفي ذلك الفراغ الذي يتسع فجأة داخل البيت.
أربع روايات، وأشخاص عاديون، وغرف وأبواب ونوافذ، لكن العالم كله يتسلل من خلالها.
صيف 2014... فلسطين تدخل المشهد
وخارج تلك الغرف، كان عالم آخر يقترب من حياة سالي.
صيف عام 2014.
دبلن تخرج إلى الشوارع احتجاجًا على الحرب الإسرائيلية على غزة. الأعلام الفلسطينية ترتفع فوق الرؤوس، والهتافات تتردد بين الأبنية، والناس يمشون في شوارع يعرفونها منذ سنوات، لكنها تبدو في ذلك اليوم وكأنها تؤدي وظيفة أخرى.
بين المشاركين شابة في الثالثة والعشرين من عمرها. لم تكن قد نشرت روايتها الأولى، ولم يكن اسمها معروفًا في عالم الأدب. كانت واحدة من وجوه كثيرة خرجت تعترض على ما يحدث في مكان بعيد.
سالي روني.
ربما لم يلتفت إليها أحد في ذلك الحشد. وربما لم تكن تريد من أحد أن يلتفت. لكن شيئًا من ذلك اليوم بقي معها.
بعد اثني عشر عامًا ستعود بذاكرتها إلى احتجاجات 2014، وتقول إنها كانت تجربة أساسية في تكوينها الشخصي والأدبي. ولم يكن ذلك مجرد تذكر لحدث سياسي؛ فقد حملت المشهد معها إلى رواية «أناس عاديون»، وأدخلت احتجاجات غزة إلى الحياة التي رسمتها لشخصياتها.
وهكذا عبرت فلسطين للمرة الأولى من الشارع الإيرلندي إلى صفحات رواية لسالي روني.
لم تدخل على هيئة خطاب، ولا في صورة بطل يحمل علمًا ويعلن موقفًا طويلًا. دخلت كما تدخل الحياة إلى الأدب: حدثًا يقع في الخارج، لكنه يترك أثرًا في الداخل.
في غزة كانت بيوت تُقصف، وعائلات تبحث عن أبنائها تحت الركام، وأطفال يتعلمون مبكرًا أن السماء قد تحمل الموت. وفي دبلن كانت شابة إيرلندية تكتشف أن المسافة بين الإنسان والآخر لا تقاس دائمًا بعدد الكيلومترات.
منذ ذلك الصيف، لم تعد فلسطين مجرد اسم على خريطة بعيدة.
2021... العبرية والمقاطعة والسؤال الأخلاقي
مرت السنوات، وخرجت روايات سالي إلى العالم.
على واجهات المكتبات في لندن ودبلن ونيويورك ظهرت أغلفة تحمل اسمها. قراء ينتظرون إصدارها الجديد، ونقاد يتجادلون حول شخصياتها، وشاشات تلفزيونية تعيد تقديم عالم «أناس عاديون» إلى جمهور لم يقرأ الرواية.
كان النجاح يفتح أمامها أبوابًا كثيرة.
جوائز، مقابلات، عقود نشر، وترجمات إلى لغات مختلفة. وكان في وسعها أن تعيش داخل هذا العالم، وأن تترك أسئلتها السياسية على مسافة آمنة من حياتها المهنية.
لكن الكتب، كما البشر، تصل أحيانًا إلى مفترق طرق لا يمكن تجاوزه دون اختيار.
عام 2021، كان على مكتبها عرض يتعلق بترجمة روايتها الثالثة إلى العبرية عبر دار نشر إسرائيلية سبق أن نشرت روايتيها الأوليين.
في الظاهر، لم يكن الأمر مختلفًا عن عشرات الاتفاقيات التي يعقدها الكتّاب مع الناشرين في أنحاء العالم. لغة جديدة، وقراء جدد، وكتاب يعبر حدودًا أخرى.
لكن سالي رأت وراء العقد سؤالًا لا يتعلق باللغة وحدها.
هل تستطيع أن تمنح حقوق عملها لمؤسسة ترى أنها لا تتوافق مع معايير المقاطعة الثقافية الفلسطينية، ثم تتصرف وكأن العلاقة تجارية لا أكثر؟
اختارت ألا تجدد التعاون مع دار النشر الإسرائيلية.
لم تغلق الباب أمام القراء الناطقين بالعبرية. ولم تعتبر اللغة نفسها طرفًا في الصراع. فاللغة بيت يسكنه بشر مختلفون، ولا يجوز أن نحاكم كل من يعيش فيه بقرارات الدولة التي يحمل جنسيتها.
كان موقفها موجهًا إلى المؤسسة، لا إلى القارئ.
والأجمل أنها لم تقف أمام هذا القرار كمن يملك تاريخًا كاملًا من الصواب. فقد عادت إلى تعاونها السابق مع الناشر الإسرائيلي، واعترفت بأنها لم تكن قد أدركت آنذاك ما عرفته لاحقًا عن علاقاته بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأنها كان ينبغي أن تبحث وتسأل قبل اتخاذ قرارها الأول.
في هذا الاعتراف شيء من شخصية سالي التي نعرفها من رواياتها.
شخصياتها ليست ملائكة. تخطئ، وتتردد، وتسيء فهم نفسها والآخرين، ثم تحاول أن تعود إلى الحقيقة، ولو بعد فوات بعض الوقت.
وكأن الكاتبة التي منحت شخصياتها حق التناقض، احتفظت لنفسها أيضًا بحق المراجعة.
مايو 2026... كتاب واحد، لغتان
ثم نصل إلى مايو 2026.
كتاب جديد يحمل عنوان «إنترمتسو» يجد طريقه إلى العبرية، لكن عبر ناشر مستقل اختارته سالي بما يتوافق مع موقفها من المقاطعة، وبالتعاون مع مؤسسات إعلامية مستقلة.
على صفحة الكتاب كلمات عبرية، وفي مكان آخر تصل الرواية نفسها إلى القراء العرب عبر دار طباق الفلسطينية.
كتاب واحد، ولغتان، وقراء يعيشون في واقع سياسي متنازع عليه.
قد تبدو الترجمة عملًا ثقافيًا بسيطًا، لكن في هذه الحالة أصبحت طريقة نشر الكتاب جزءًا من المعنى الذي أرادت صاحبته الدفاع عنه.
وفي حوارها مع سمير إسكندر، في مايو من العام نفسه، لم تكن سالي تتحدث من منصة عالية. كانت تعود إلى احتجاجات دبلن، وإلى تجربتها الأولى مع الناشر الإسرائيلي، وإلى معنى المقاطعة ومسؤولية المؤسسات الثقافية.
وكان في حديثها ما يكشف أن فلسطين لم تدخل حياتها فجأة بعد أكتوبر 2023. لقد كانت هناك قبل ذلك بسنوات، تكبر معها، وتعيد تشكيل بعض اختياراتها.
لكن الزمن في هذه الحكاية لا يسير دائمًا في خط مستقيم.
أغسطس 2025... الاسم على صفحة الصحيفة
لنعد قليلًا إلى أغسطس 2025.
صفحات صحيفة «آيرش تايمز» تحمل مقالًا جديدًا لسالي روني. هذه المرة لا تتحدث عن رواية أو ترجمة، بل عن قرار بريطاني بحظر منظمة «فلسطين أكشن» بموجب قانون مكافحة الإرهاب.
كانت المنظمة قد نفذت أعمالًا مباشرة ضد منشآت مرتبطة بالصناعة العسكرية، بينها إلحاق أضرار بطائرتين في قاعدة جوية بريطانية. الحكومة رأت في تلك الأنشطة مبررًا للحظر، بينما أثار القرار اعتراضات حقوقية واسعة بشأن حرية الاحتجاج والتناسب في استخدام قوانين الإرهاب.
في قلب هذا الجدل، وضعت سالي اسمها علنًا إلى جانب المنظمة.
لم تكتفِ بالقول إنها تؤيد الفلسطينيين، أو إنها حزينة لما يحدث في غزة. فقد ذهبت إلى السؤال الذي يختبئ خلف التشريعات: من يملك حق تعريف الفعل السياسي، ومن يقرر أن احتجاجًا ما تجاوز حدود المسموح، وكيف يتغير معنى القانون حين يتعلق الأمر بحركة تحتج على سياسات دولة حليفة؟
ومن الذاكرة الإيرلندية استحضرت تاريخ إيرلندا الشمالية، وما يحمله من مفارقات في التعامل مع التنظيمات المسلحة ورموزها، مقارنة بطريقة التعامل مع المؤيدين لفلسطين أكشن.
ثم كتبت ما سيجعل موقفها يتجاوز حدود المقال.
أعلنت أنها ستواصل دعم المنظمة، بما في ذلك استخدام عائدات أعمالها.
تخيلوا تلك اللحظة.
اسم سالي روني الذي كان يظهر على غلاف رواية عن الحب، أصبح مرتبطًا بإعلان سياسي له تبعات قانونية محتملة في بريطانيا.
الكلمات نفسها التي صنعت شهرتها أصبحت قادرة على تغيير علاقتها بمؤسسات النشر التي أوصلتها إلى القراء.
سبتمبر 2025... المقعد الخالي
وفي سبتمبر 2025، حين حان موعد تسلمها جائزة أدبية في لندن، بقي مقعدها خاليًا. لم تسافر لاستلام الجائزة بعد نصيحة قانونية بسبب المخاطر التي قد تترتب على موقفها المعلن من المنظمة المحظورة.
كان اسمها حاضرًا، والجائزة حاضرة، والكلمات التي أرسلتها تُقرأ نيابة عنها، لكن صاحبة الكلمات غائبة.
وما أكثر ما يستطيع المقعد الخالي أن يقوله.
فهو لا يحتاج إلى خطاب طويل كي يكشف المفارقة: مؤسسة ثقافية بريطانية تحتفي بأدب امرأة، بينما تخشى تلك المرأة دخول بريطانيا بسبب موقف سياسي أعلنت عنه.
أكتوبر 2026... عندما يقف القانون بين الكاتب وعائده
ثم يأتي أكتوبر 2026.
لندن في الخريف.
أوراق الأشجار تتساقط على الأرصفة، والمارة يعبرون الشوارع تحت سماء رمادية، والمكتبات تضيء واجهاتها مع اقتراب المساء.
على أحد الرفوف نسخة من «أناس عاديون». وبالقرب منها «إنترمتسو». كتابان عن البشر وعلاقاتهم، لا يحمل أي منهما على غلافه صورة غزة أو اسم فلسطين.
لكن فلسطين أصبحت حاضرة في مصيرهما.
في الرابع عشر من أكتوبر، أعلنت دار «فابر آند فابر» البريطانية أنها، بالاتفاق مع سالي، ستوقف تزويد السوق البريطانية بأعمالها، لأن التشريعات المرتبطة بدعم المنظمة المحظورة جعلت تحويل عائدات المبيعات إلى الكاتبة أمرًا لا يستطيع الناشر القيام به في ظل الوضع القانوني القائم.
لم يصدر قرار حكومي مباشر بمصادرة رواياتها من أيدي القراء. ولم تُحظر قراءة كتبها. بقيت نسخ موجودة بالفعل لدى بعض المكتبات قابلة للبيع، واستمر نشر أعمالها في أسواق أخرى.
لكن شيئًا جوهريًا كان قد حدث.
الطريق المعتاد بين القارئ والكتاب والناشر والمؤلف انقطع عند نقطة لم تكن أدبية على الإطلاق.
يدفع قارئ ثمن رواية. تصل الأموال إلى الناشر. وعند اللحظة التي ينبغي أن تنتقل فيها حصة الكاتبة إلى صاحبتها، يقف القانون بينهما.
هكذا تحولت عائدات رواية عن العلاقات الإنسانية إلى مسألة تتصل بتشريعات مكافحة الإرهاب.
لا يحتاج المشهد إلى ضجيج.
عقد نشر، وحسابات مالية، وقرار بوقف التوزيع. أوراق هادئة فوق مكاتب هادئة، لكنها تكشف كيف يمكن لقرار سياسي أن يصل إلى أكثر الأماكن بعدًا عن ساحات القتال.
وفي الخلفية كانت المحاكم البريطانية تتنازع قانونية حظر فلسطين أكشن. حكم قضائي في فبراير 2026 اعتبر الحظر غير قانوني وغير متناسب، ثم قرار من محكمة الاستئناف في يونيو أعاد تأييده، فيما ينتظر النزاع جلسة جديدة أمام المحكمة العليا البريطانية في نوفمبر.
أما سالي، فلم تكن بحاجة إلى أن تدخل قاعة المحكمة متهمة كي تشعر بآثار القانون. فقد وصل القانون إلى كتبها وعقودها، وإلى حقها في الحصول على عائدات عملها.
ومن هنا تتسع الحكاية.
لم تعد المسألة مجرد روائية تؤيد فلسطين، ولا ناشر يخشى المسؤولية القانونية. أصبحت صورة لحدود العلاقة بين الثقافة والسلطة، وبين حرية الكاتب وقدرة المؤسسات على حماية تلك الحرية.
في إحدى زوايا المشهد تقف الحكومة البريطانية، ترى أن حظر المنظمة يدخل ضمن صلاحياتها في مواجهة أنشطة تعتبرها إرهابية. وفي الزاوية الأخرى تقف أصوات حقوقية وثقافية تخشى أن يؤدي توسيع هذا الإطار إلى تجريم أشكال من التضامن والاحتجاج السياسي.
وبين الزاويتين كتاب.
كتاب لا يحمل سلاحًا، ولا يصدر أمرًا، ولا يملك سلطة تنفيذية. كل ما يفعله أنه يروي حكاية بشر.
ومع ذلك أصبح مصيره مرتبطًا بهذا الصراع.
من إيرلندا إلى فلسطين... ذاكرة تشبه نفسها
ربما لهذا تبدو قصة سالي روني أكبر من صاحبتها.
فهي تفتح بابًا على سؤال سيواجهه كتّاب آخرون في أماكن أخرى: ماذا يحدث حين لا تعود المؤسسة الثقافية قادرة على الفصل بين عمل الكاتب الأدبي ومواقفه السياسية؟ وماذا يبقى من استقلال النشر إذا أصبح دفع حقوق المؤلف موضع خوف قانوني؟
لكنني، كلما اقتربت من هذه الأسئلة الكبيرة، أعود إلى سالي الإنسانة.
إلى فتاة غرب إيرلندا التي درست الأدب والمناظرات، وإلى الشابة التي خرجت في مظاهرات دبلن، وإلى الروائية التي كتبت عن شخصيات لا تستطيع دائمًا أن تعيش وفق ما تؤمن به.
لا أراها بطلة خارقة، ولا أريد أن أصنع منها تمثالًا من الكلمات.
فالتماثيل لا تتردد، ولا تخطئ، ولا تتعلم. أما البشر فيفعلون.
وسالي، كما تكشف تجربتها، إنسانة انتقلت من موقف إلى آخر عبر المعرفة والمراجعة، ثم وجدت نفسها أمام نتائج لم تكن بالضرورة جزءًا من حياتها التي تخيلتها عندما بدأت الكتابة.
في هذا الجانب تحديدًا تبدو قريبة من شخصياتها.
كونيل وماريان يحاولان أن يتجاوزا ما صنعته الطبقة والخوف بينهما. وشخصيات «محادثات مع الأصدقاء» تحاول أن تعيش وفق أفكارها، لكنها تتعثر في تناقضاتها. والشقيقان في «إنترمتسو» يحاولان أن يفهما الحياة بعد أن غاب الأب الذي كان يمنحها شكلًا مألوفًا.
وسالي نفسها تواجه سؤالًا من النوع ذاته، وإن اختلفت الظروف: كيف يبقى الإنسان وفيًا لما يؤمن به حين تصبح كلفة الوفاء ملموسة؟
تعود بنا الحكاية إلى إيرلندا.
إلى تلك الجزيرة التي كانت سفنها تحمل الجائعين إلى العالم الجديد، وإلى فلسطين التي ما زالت سفنها وطرقها وحدودها وأبواب بيوتها جزءًا من صراع طويل على الحق في الأرض والحياة.
في إيرلندا، بقيت أسماء الذين رحلوا في الذاكرة. وفي فلسطين، ما زالت أسماء القرى التي هُجّر أهلها تعيش في مفاتيح البيوت القديمة، وفي الوثائق والصور، وفي حكايات الأجداد الذين ظلوا يصفون لأحفادهم طريقًا إلى منزل لم يروه.
على أحد جانبي البحر تاريخ من الاستعمار والمجاعة والهجرة والمقاومة، وعلى الجانب الآخر شعب يعيش استمرار الاقتلاع والاحتلال والحرب.
ليست الحكايتان نسخة واحدة. لكن الألم الإنساني يستطيع أحيانًا أن يتعرف إلى نفسه في مرآة بعيدة.
ولعل هذا ما يمنح التضامن الإيرلندي مع فلسطين ذلك العمق الذي يتجاوز التعاطف العابر. ففلسطين بالنسبة إلى كثير من الإيرلنديين ليست مجرد خبر دولي، بل قضية توقظ أسئلة من تاريخهم عن الأرض والسيادة والحرية.
وسالي روني واحدة من أبناء هذا المجتمع، لكنها لم تكتفِ بأن ترث لغة التضامن. لقد اختارت أن تمنحها شكلًا عمليًا في حياتها الأدبية والمهنية.
من دبلن 2014 إلى قرار المقاطعة عام 2021، ومن حوار مايو 2026 إلى أزمة أكتوبر، كانت فلسطين تعود في محطات مختلفة من حياتها.
لم تكتب رواية كاملة عن غزة، ولم تجعل من الفلسطينيين أبطالًا رئيسيين في أعمالها، ولم تتحول إلى كاتبة منشورات سياسية.
بقيت تكتب عن البشر الذين تعرفهم، وعن الحب والطبقة والموت والوحدة.
لكنها حين خرجت من عالم الرواية إلى العالم الذي تعيش فيه، لم تتخلَّ عن الأسئلة التي صنعت أدبها.
ولهذا أجد أن عنوان إحدى أشهر رواياتها، «أناس عاديون»، يحمل اليوم معنى إضافيًا.
فالأشخاص العاديون هم الذين تصنع السلطة تفاصيل حياتهم، وهم الذين يدفعون ثمن القرارات الكبرى، وهم الذين يحاولون، وسط الخوف والمصالح والتناقضات، أن يحتفظوا بشيء من كرامتهم.
وسالي لم تصبح إنسانة غير عادية لأنها اشتهرت أو حصلت على الجوائز، بل لأن حياتها وضعتها أمام اختبار من النوع الذي تكتبه لشخصياتها: الاختيار بين الطريق المريح والطريق الذي يتوافق مع قناعاتها.
في الضفة الأخرى... قارئ فلسطيني
في مكان ما من فلسطين، ربما في رام الله أو نابلس أو غزة، يفتح قارئ رواية لسالي روني.
لا يعرف بالضرورة شكل البيت الذي ولدت فيه، ولا أسماء الأساتذة الذين درست على أيديهم، ولا تفاصيل المناظرات التي شاركت فيها في دبلن.
قد يكون شابًا يبحث في قصة ماريان وكونيل عن شيء من علاقته بفتاة يحبها. وقد تكون امرأة تقرأ «إنترمتسو» بعد أن فقدت شخصًا عزيزًا، فتجد في حزن الشقيقين كلمات لم تستطع هي أن تقولها.
وربما يتوقف أحدهما عند اسم المؤلفة على الغلاف، ويتذكر أن هذه المرأة، التي لم تزُر بيته ولم تعرف عائلته، اختارت أن تقف مع حقه في الحياة والحرية.
في تلك اللحظة يصبح الكتاب أكثر من رواية.
لا لأنه تحول إلى منشور سياسي، بل لأنه احتفظ بقدرته على وصل بشر لا يعرف أحدهم الآخر.
وعلى الضفة الأخرى، في إيرلندا، أتخيل سالي أمام صفحة بيضاء.
ربما تستعد لكتابة رواية خامسة. ربما تفكر في شخصيات جديدة، وفي حوار لم تجد نهايته بعد، وفي علاقة إنسانية أخرى لا تستطيع أن تفسرها بسهولة.
لا أعرف ما الذي تكتبه الآن، ولا ما إذا كانت فلسطين ستظهر في صفحاتها المقبلة.
لكنني أعرف أن بعض الحكايات تدخل حياة الكاتب دون أن تحتاج إلى أن تصبح رواية.
تسكن اختياراته.
وفي هذه الحكاية، لم تعد فلسطين مجرد مكان بعيد عن غرب إيرلندا. أصبحت جزءًا من الطريق الذي قطعته سالي بين كتبها وقرائها وناشرها، وبين ما تؤمن به وما تستطيع أن تتحمله دفاعًا عنه.
وأنا، الذي حملت الكاميرا في بيروت، ورأيت وجوه المقاتلين واللاجئين، ورافقت بالكاميرا حكايات شعب ظل يبحث عن صورته وسط الحروب والمنافي، أعرف أن أجمل ما في الصورة ليس دائمًا ما يظهر في مقدمتها.
أحيانًا يكون الجمال في إنسان بعيد لم نلتقِ به، لكنه يفتح نافذة حين تغلق الأبواب، أو يرفض أن يدير وجهه حين يصبح النظر مؤلمًا.
لهذا لا أريد أن أختم الحكاية بصورة لسالي على منصة تتسلم جائزة، ولا بصورة لكتبها وقد غابت عن رفوف بعض المكتبات البريطانية.
أريد أن أتركها كما بدأت: فتاة من غرب إيرلندا، أمامها عالم واسع، وفي داخلها أسئلة لم تنتهِ.
لكن هذه المرة، على الضفة الأخرى من البحر، هناك قارئ فلسطيني يعرف اسمها.
قد لا يتحدث لغتها، وقد لا يعرف شوارع مدينتها، لكنه يعرف شيئًا عن معنى أن يصبح حق الإنسان في الحياة موضوعًا لقرار تتخذه سلطة بعيدة.
وبينهما كتاب مفتوح.
لا يحتاج المشهد إلى موسيقى، ولا إلى تصفيق، ولا إلى كلمات كبيرة.
يكفي أن تبقى الصفحة مفتوحة.
وأنا لا أكتب هذه الكلمات لأمنح سالي روني وسامًا، ولا لأشكرها نيابة عن شعب كامل. أكتبها لأنني رأيت في حكايتها ما يستحق أن يُروى، ولأن الإنسان الذي يختار ألا يكون متفرجًا يستحق أن نراه، لا أن نكتفي بالتصفيق له.
ومن فلسطين، من الضفة الأخرى لذلك البحر الذي حمل يومًا سفن الجائعين الإيرلنديين، أترك لها هذه الحكاية هدية صغيرة من مخرج قضى عمره يبحث عن الإنسان خلف الأحداث.
سالي، لقد وصلت رسالتك.
وهذه المرة، دعينا نحن نروي حكايتك.
يحيى بركات
17/10/2026
هناك، في مقاطعة مايو، حيث يلامس الضباب التلال الخضراء، وحيث تبدو البيوت الصغيرة كأنها تحتمي من الريح بظهور بعضها، ولدت عام 1991 طفلة اسمها سالي روني.
لم يكن في المشهد ما يوحي بأن هذه الطفلة ستصبح يومًا واحدة من أشهر الروائيات في العالم الناطق بالإنجليزية. ولا أن اسمها سيعبر البحار، ويستقر على أغلفة الكتب، وفي قوائم الجوائز، وعلى شاشات التلفزيون.
والأبعد من ذلك كله أن بلادًا اسمها فلسطين، تفصلها عنها آلاف الكيلومترات، ستدخل حياتها ذات يوم، وتجلس بين أوراقها، ثم تقف معها أمام أبواب القانون البريطاني.
غرب إيرلندا... ذاكرة تحت الهدوء
كانت إيرلندا تواصل حياتها اليومية. أطفال يذهبون إلى مدارسهم، قطارات تعبر المدن، مزارعون يخرجون إلى حقولهم، وشمس خجولة تحاول أن تشق طريقها بين الغيوم. لكن تحت هذا الهدوء كانت تنام ذاكرة طويلة من الجوع والهجرة والمقاومة.
قبل ولادة سالي بأكثر من قرن، كانت السفن تغادر الموانئ الإيرلندية محملة ببشر أنهكهم الجوع. لم تكن حقول البطاطا التي أصابها المرض وحدها مسؤولة عن المأساة؛ فقد كان وراءها نظام من ملكية الأرض والسياسات الاقتصادية والحكم البريطاني جعل الكارثة أشد فتكًا.
مات نحو مليون إنسان، وغادر نحو مليون آخر بلادهم، تاركين خلفهم بيوتًا صامتة وأراضي لم يعودوا يملكون القدرة على العيش منها.
لم يبقَ أولئك الجائعون في الصور القديمة وحدهم. ظلوا في أسماء العائلات المنتشرة وراء المحيط، وفي الأغاني التي تتحدث عن الرحيل، وفي المقابر التي تحمل شواهدها حكايات عائلات انقطعت سلالاتها، وفي ذاكرة شعب يعرف أن فقدان الأرض قد يكون بداية لفقدان أشياء كثيرة لا تعوض.
كبرت سالي في بلد يحمل هذه الذاكرة، وإن لم تكن بالضرورة تستحضرها كل صباح. فالطفل لا يحتاج إلى معرفة تاريخ بلاده كله كي يعيش بين آثاره. يكفي أن يسمع أسماء الأماكن، وأن يلتقط من حديث الكبار معنى الظلم، وأن يكتشف ذات يوم أن الخرائط التي تبدو ثابتة في كتب المدرسة كانت في أزمنة أخرى ساحات صراع بين من يملك الأرض ومن يملك القوة.
في بيتها كان للفن والقراءة مكان. أم تعمل في المجال الثقافي، وأب يعمل في قطاع الاتصالات، وفتاة تنمو وسط عالم لا تنقصه الأسئلة. لم تكن سالي تبحث عن إجابات جاهزة بقدر ما كانت تتعلم كيف تطرح السؤال، وكيف تسمع ما يختبئ خلف الكلمات.
دبلن... المناظرات والغرف الصغيرة
ثم حملتها السنوات إلى دبلن.
مدينة يمر نهر ليفي في قلبها، وتنعكس على مياهه واجهات الأبنية القديمة، ويعبر طلاب جامعة ترينيتي ساحاتها الحجرية حاملين الكتب والحقائب والأحلام.
هناك درست الأدب الإنجليزي والأميركي، وهناك أيضًا دخلت عالم المناظرات الجامعية، حيث لا تكفي الفكرة الجميلة كي تنتصر؛ ينبغي أن تعرف كيف تكشف ضعف الحجة المقابلة، وكيف تصغي إلى الكلمات التي يتجنب خصمك قولها.
كانت تتعلم أن الصمت نفسه قد يكون موقفًا، وأن الجملة البسيطة قد تخفي تحتها طبقات من الخوف والرغبة والمصلحة.
ولعل هذا ما سيظهر لاحقًا في عالمها الروائي.
غرفة جلوس... والعالم كله تحت الهدوء
غرفة جلوس في بيت إيرلندي. ضوء خافت يتسلل من نافذة. شاب يجلس على طرف الأريكة، وفتاة تحاول أن تبدو غير مكترثة. بينهما مسافة صغيرة لا تتجاوز بضعة أقدام، لكنها تتسع كلما حاول أحدهما أن يقول ما يشعر به.
لا يحدث شيء كبير. لا صراخ ولا انهيار ولا باب يُغلق بعنف. ومع ذلك، فإن حياة كاملة تتحرك تحت هذا الهدوء.
هكذا تكتب سالي روني.
لا تضع المجتمع على منصة وتطلب منه أن يشرح نفسه. تتركه يدخل الغرفة مع الشخصيات، ويجلس بينها، ويتدخل في علاقاتها دون أن يراه أحد.
في «محادثات مع الأصدقاء»، روايتها الأولى التي صدرت عام 2017، نلتقي شابتين تدخلان عالمًا من العلاقات العاطفية والفكرية المتشابكة. تبدو الأحاديث عن الفن والحب والحرية عادية، لكن تحت كل كلمة تكاد تظهر مسألة أخرى: من يملك المال؟ من يستطيع أن يغادر العلاقة دون أن يخسر شيئًا؟ ومن يضطر إلى البقاء لأنه لا يملك رفاهية الرحيل؟
وفي «أناس عاديون»، الصادرة عام 2018، تضع سالي شابين أمام بعضهما. ماريان، ابنة العائلة الميسورة، وكونيل، ابن المرأة التي تعمل في تنظيف بيت عائلتها.
قد يلتقيان في المدرسة، وقد يضحكان من النكتة نفسها، وقد يشعر كل منهما أنه أقرب إلى الآخر من أي إنسان آخر. لكن حين يعود كل منهما إلى بيته، تعود معه المسافة التي صنعها المال والموقع الاجتماعي.
تفتح ماريان باب بيت واسع، بينما يعرف كونيل أن أمه تدخل البيت نفسه من باب العمل.
لا يحتاج المشهد إلى شرح طويل. يكفي أن نرى البابين لندرك أن الحب لا يولد دائمًا في عالم متساوٍ، وأن الإنسان يحمل طبقته معه حتى حين يعتقد أنه تركها خارج الغرفة.
كانت سالي تكتب عن الحب، لكنها كانت ترى ما يقف خلفه. تكتب عن الصداقة، فتظهر السلطة. تكتب عن الرغبة، فيطل الخوف. تكتب عن الوحدة، فنكتشف أن المجتمع كله حاضر داخل الإنسان الذي يظن نفسه وحيدًا.
ثم جاءت روايتها الثالثة «أيها العالم الجميل، أين أنت؟»، وفيها كاتبة شابة تبحث مع صديقتها عن معنى الحب والفن في عالم يتسع فيه القلق من الرأسمالية والمستقبل. كأن السؤال لم يعد فقط: هل نستطيع أن نحب؟ بل أصبح: كيف نستطيع أن نواصل الحب بينما العالم من حولنا يفقد شيئًا من جماله؟
وفي «إنترمتسو»، الصادرة عام 2024، تترك سالي شقيقين أمام غياب أبيهما. أحدهما يحاول أن يخفي حزنه داخل حياته المعقدة، والآخر يبحث عن طريقه وسط علاقات لا يعرف كيف يسميها. الموت هنا لا يظهر في جنازة وحدها، بل في الأشياء الصغيرة التي يتركها الغائب وراءه، وفي الكلمات التي لم تُقل قبل الرحيل، وفي ذلك الفراغ الذي يتسع فجأة داخل البيت.
أربع روايات، وأشخاص عاديون، وغرف وأبواب ونوافذ، لكن العالم كله يتسلل من خلالها.
صيف 2014... فلسطين تدخل المشهد
وخارج تلك الغرف، كان عالم آخر يقترب من حياة سالي.
صيف عام 2014.
دبلن تخرج إلى الشوارع احتجاجًا على الحرب الإسرائيلية على غزة. الأعلام الفلسطينية ترتفع فوق الرؤوس، والهتافات تتردد بين الأبنية، والناس يمشون في شوارع يعرفونها منذ سنوات، لكنها تبدو في ذلك اليوم وكأنها تؤدي وظيفة أخرى.
بين المشاركين شابة في الثالثة والعشرين من عمرها. لم تكن قد نشرت روايتها الأولى، ولم يكن اسمها معروفًا في عالم الأدب. كانت واحدة من وجوه كثيرة خرجت تعترض على ما يحدث في مكان بعيد.
سالي روني.
ربما لم يلتفت إليها أحد في ذلك الحشد. وربما لم تكن تريد من أحد أن يلتفت. لكن شيئًا من ذلك اليوم بقي معها.
بعد اثني عشر عامًا ستعود بذاكرتها إلى احتجاجات 2014، وتقول إنها كانت تجربة أساسية في تكوينها الشخصي والأدبي. ولم يكن ذلك مجرد تذكر لحدث سياسي؛ فقد حملت المشهد معها إلى رواية «أناس عاديون»، وأدخلت احتجاجات غزة إلى الحياة التي رسمتها لشخصياتها.
وهكذا عبرت فلسطين للمرة الأولى من الشارع الإيرلندي إلى صفحات رواية لسالي روني.
لم تدخل على هيئة خطاب، ولا في صورة بطل يحمل علمًا ويعلن موقفًا طويلًا. دخلت كما تدخل الحياة إلى الأدب: حدثًا يقع في الخارج، لكنه يترك أثرًا في الداخل.
في غزة كانت بيوت تُقصف، وعائلات تبحث عن أبنائها تحت الركام، وأطفال يتعلمون مبكرًا أن السماء قد تحمل الموت. وفي دبلن كانت شابة إيرلندية تكتشف أن المسافة بين الإنسان والآخر لا تقاس دائمًا بعدد الكيلومترات.
منذ ذلك الصيف، لم تعد فلسطين مجرد اسم على خريطة بعيدة.
2021... العبرية والمقاطعة والسؤال الأخلاقي
مرت السنوات، وخرجت روايات سالي إلى العالم.
على واجهات المكتبات في لندن ودبلن ونيويورك ظهرت أغلفة تحمل اسمها. قراء ينتظرون إصدارها الجديد، ونقاد يتجادلون حول شخصياتها، وشاشات تلفزيونية تعيد تقديم عالم «أناس عاديون» إلى جمهور لم يقرأ الرواية.
كان النجاح يفتح أمامها أبوابًا كثيرة.
جوائز، مقابلات، عقود نشر، وترجمات إلى لغات مختلفة. وكان في وسعها أن تعيش داخل هذا العالم، وأن تترك أسئلتها السياسية على مسافة آمنة من حياتها المهنية.
لكن الكتب، كما البشر، تصل أحيانًا إلى مفترق طرق لا يمكن تجاوزه دون اختيار.
عام 2021، كان على مكتبها عرض يتعلق بترجمة روايتها الثالثة إلى العبرية عبر دار نشر إسرائيلية سبق أن نشرت روايتيها الأوليين.
في الظاهر، لم يكن الأمر مختلفًا عن عشرات الاتفاقيات التي يعقدها الكتّاب مع الناشرين في أنحاء العالم. لغة جديدة، وقراء جدد، وكتاب يعبر حدودًا أخرى.
لكن سالي رأت وراء العقد سؤالًا لا يتعلق باللغة وحدها.
هل تستطيع أن تمنح حقوق عملها لمؤسسة ترى أنها لا تتوافق مع معايير المقاطعة الثقافية الفلسطينية، ثم تتصرف وكأن العلاقة تجارية لا أكثر؟
اختارت ألا تجدد التعاون مع دار النشر الإسرائيلية.
لم تغلق الباب أمام القراء الناطقين بالعبرية. ولم تعتبر اللغة نفسها طرفًا في الصراع. فاللغة بيت يسكنه بشر مختلفون، ولا يجوز أن نحاكم كل من يعيش فيه بقرارات الدولة التي يحمل جنسيتها.
كان موقفها موجهًا إلى المؤسسة، لا إلى القارئ.
والأجمل أنها لم تقف أمام هذا القرار كمن يملك تاريخًا كاملًا من الصواب. فقد عادت إلى تعاونها السابق مع الناشر الإسرائيلي، واعترفت بأنها لم تكن قد أدركت آنذاك ما عرفته لاحقًا عن علاقاته بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأنها كان ينبغي أن تبحث وتسأل قبل اتخاذ قرارها الأول.
في هذا الاعتراف شيء من شخصية سالي التي نعرفها من رواياتها.
شخصياتها ليست ملائكة. تخطئ، وتتردد، وتسيء فهم نفسها والآخرين، ثم تحاول أن تعود إلى الحقيقة، ولو بعد فوات بعض الوقت.
وكأن الكاتبة التي منحت شخصياتها حق التناقض، احتفظت لنفسها أيضًا بحق المراجعة.
مايو 2026... كتاب واحد، لغتان
ثم نصل إلى مايو 2026.
كتاب جديد يحمل عنوان «إنترمتسو» يجد طريقه إلى العبرية، لكن عبر ناشر مستقل اختارته سالي بما يتوافق مع موقفها من المقاطعة، وبالتعاون مع مؤسسات إعلامية مستقلة.
على صفحة الكتاب كلمات عبرية، وفي مكان آخر تصل الرواية نفسها إلى القراء العرب عبر دار طباق الفلسطينية.
كتاب واحد، ولغتان، وقراء يعيشون في واقع سياسي متنازع عليه.
قد تبدو الترجمة عملًا ثقافيًا بسيطًا، لكن في هذه الحالة أصبحت طريقة نشر الكتاب جزءًا من المعنى الذي أرادت صاحبته الدفاع عنه.
وفي حوارها مع سمير إسكندر، في مايو من العام نفسه، لم تكن سالي تتحدث من منصة عالية. كانت تعود إلى احتجاجات دبلن، وإلى تجربتها الأولى مع الناشر الإسرائيلي، وإلى معنى المقاطعة ومسؤولية المؤسسات الثقافية.
وكان في حديثها ما يكشف أن فلسطين لم تدخل حياتها فجأة بعد أكتوبر 2023. لقد كانت هناك قبل ذلك بسنوات، تكبر معها، وتعيد تشكيل بعض اختياراتها.
لكن الزمن في هذه الحكاية لا يسير دائمًا في خط مستقيم.
أغسطس 2025... الاسم على صفحة الصحيفة
لنعد قليلًا إلى أغسطس 2025.
صفحات صحيفة «آيرش تايمز» تحمل مقالًا جديدًا لسالي روني. هذه المرة لا تتحدث عن رواية أو ترجمة، بل عن قرار بريطاني بحظر منظمة «فلسطين أكشن» بموجب قانون مكافحة الإرهاب.
كانت المنظمة قد نفذت أعمالًا مباشرة ضد منشآت مرتبطة بالصناعة العسكرية، بينها إلحاق أضرار بطائرتين في قاعدة جوية بريطانية. الحكومة رأت في تلك الأنشطة مبررًا للحظر، بينما أثار القرار اعتراضات حقوقية واسعة بشأن حرية الاحتجاج والتناسب في استخدام قوانين الإرهاب.
في قلب هذا الجدل، وضعت سالي اسمها علنًا إلى جانب المنظمة.
لم تكتفِ بالقول إنها تؤيد الفلسطينيين، أو إنها حزينة لما يحدث في غزة. فقد ذهبت إلى السؤال الذي يختبئ خلف التشريعات: من يملك حق تعريف الفعل السياسي، ومن يقرر أن احتجاجًا ما تجاوز حدود المسموح، وكيف يتغير معنى القانون حين يتعلق الأمر بحركة تحتج على سياسات دولة حليفة؟
ومن الذاكرة الإيرلندية استحضرت تاريخ إيرلندا الشمالية، وما يحمله من مفارقات في التعامل مع التنظيمات المسلحة ورموزها، مقارنة بطريقة التعامل مع المؤيدين لفلسطين أكشن.
ثم كتبت ما سيجعل موقفها يتجاوز حدود المقال.
أعلنت أنها ستواصل دعم المنظمة، بما في ذلك استخدام عائدات أعمالها.
تخيلوا تلك اللحظة.
اسم سالي روني الذي كان يظهر على غلاف رواية عن الحب، أصبح مرتبطًا بإعلان سياسي له تبعات قانونية محتملة في بريطانيا.
الكلمات نفسها التي صنعت شهرتها أصبحت قادرة على تغيير علاقتها بمؤسسات النشر التي أوصلتها إلى القراء.
سبتمبر 2025... المقعد الخالي
وفي سبتمبر 2025، حين حان موعد تسلمها جائزة أدبية في لندن، بقي مقعدها خاليًا. لم تسافر لاستلام الجائزة بعد نصيحة قانونية بسبب المخاطر التي قد تترتب على موقفها المعلن من المنظمة المحظورة.
كان اسمها حاضرًا، والجائزة حاضرة، والكلمات التي أرسلتها تُقرأ نيابة عنها، لكن صاحبة الكلمات غائبة.
وما أكثر ما يستطيع المقعد الخالي أن يقوله.
فهو لا يحتاج إلى خطاب طويل كي يكشف المفارقة: مؤسسة ثقافية بريطانية تحتفي بأدب امرأة، بينما تخشى تلك المرأة دخول بريطانيا بسبب موقف سياسي أعلنت عنه.
أكتوبر 2026... عندما يقف القانون بين الكاتب وعائده
ثم يأتي أكتوبر 2026.
لندن في الخريف.
أوراق الأشجار تتساقط على الأرصفة، والمارة يعبرون الشوارع تحت سماء رمادية، والمكتبات تضيء واجهاتها مع اقتراب المساء.
على أحد الرفوف نسخة من «أناس عاديون». وبالقرب منها «إنترمتسو». كتابان عن البشر وعلاقاتهم، لا يحمل أي منهما على غلافه صورة غزة أو اسم فلسطين.
لكن فلسطين أصبحت حاضرة في مصيرهما.
في الرابع عشر من أكتوبر، أعلنت دار «فابر آند فابر» البريطانية أنها، بالاتفاق مع سالي، ستوقف تزويد السوق البريطانية بأعمالها، لأن التشريعات المرتبطة بدعم المنظمة المحظورة جعلت تحويل عائدات المبيعات إلى الكاتبة أمرًا لا يستطيع الناشر القيام به في ظل الوضع القانوني القائم.
لم يصدر قرار حكومي مباشر بمصادرة رواياتها من أيدي القراء. ولم تُحظر قراءة كتبها. بقيت نسخ موجودة بالفعل لدى بعض المكتبات قابلة للبيع، واستمر نشر أعمالها في أسواق أخرى.
لكن شيئًا جوهريًا كان قد حدث.
الطريق المعتاد بين القارئ والكتاب والناشر والمؤلف انقطع عند نقطة لم تكن أدبية على الإطلاق.
يدفع قارئ ثمن رواية. تصل الأموال إلى الناشر. وعند اللحظة التي ينبغي أن تنتقل فيها حصة الكاتبة إلى صاحبتها، يقف القانون بينهما.
هكذا تحولت عائدات رواية عن العلاقات الإنسانية إلى مسألة تتصل بتشريعات مكافحة الإرهاب.
لا يحتاج المشهد إلى ضجيج.
عقد نشر، وحسابات مالية، وقرار بوقف التوزيع. أوراق هادئة فوق مكاتب هادئة، لكنها تكشف كيف يمكن لقرار سياسي أن يصل إلى أكثر الأماكن بعدًا عن ساحات القتال.
وفي الخلفية كانت المحاكم البريطانية تتنازع قانونية حظر فلسطين أكشن. حكم قضائي في فبراير 2026 اعتبر الحظر غير قانوني وغير متناسب، ثم قرار من محكمة الاستئناف في يونيو أعاد تأييده، فيما ينتظر النزاع جلسة جديدة أمام المحكمة العليا البريطانية في نوفمبر.
أما سالي، فلم تكن بحاجة إلى أن تدخل قاعة المحكمة متهمة كي تشعر بآثار القانون. فقد وصل القانون إلى كتبها وعقودها، وإلى حقها في الحصول على عائدات عملها.
ومن هنا تتسع الحكاية.
لم تعد المسألة مجرد روائية تؤيد فلسطين، ولا ناشر يخشى المسؤولية القانونية. أصبحت صورة لحدود العلاقة بين الثقافة والسلطة، وبين حرية الكاتب وقدرة المؤسسات على حماية تلك الحرية.
في إحدى زوايا المشهد تقف الحكومة البريطانية، ترى أن حظر المنظمة يدخل ضمن صلاحياتها في مواجهة أنشطة تعتبرها إرهابية. وفي الزاوية الأخرى تقف أصوات حقوقية وثقافية تخشى أن يؤدي توسيع هذا الإطار إلى تجريم أشكال من التضامن والاحتجاج السياسي.
وبين الزاويتين كتاب.
كتاب لا يحمل سلاحًا، ولا يصدر أمرًا، ولا يملك سلطة تنفيذية. كل ما يفعله أنه يروي حكاية بشر.
ومع ذلك أصبح مصيره مرتبطًا بهذا الصراع.
من إيرلندا إلى فلسطين... ذاكرة تشبه نفسها
ربما لهذا تبدو قصة سالي روني أكبر من صاحبتها.
فهي تفتح بابًا على سؤال سيواجهه كتّاب آخرون في أماكن أخرى: ماذا يحدث حين لا تعود المؤسسة الثقافية قادرة على الفصل بين عمل الكاتب الأدبي ومواقفه السياسية؟ وماذا يبقى من استقلال النشر إذا أصبح دفع حقوق المؤلف موضع خوف قانوني؟
لكنني، كلما اقتربت من هذه الأسئلة الكبيرة، أعود إلى سالي الإنسانة.
إلى فتاة غرب إيرلندا التي درست الأدب والمناظرات، وإلى الشابة التي خرجت في مظاهرات دبلن، وإلى الروائية التي كتبت عن شخصيات لا تستطيع دائمًا أن تعيش وفق ما تؤمن به.
لا أراها بطلة خارقة، ولا أريد أن أصنع منها تمثالًا من الكلمات.
فالتماثيل لا تتردد، ولا تخطئ، ولا تتعلم. أما البشر فيفعلون.
وسالي، كما تكشف تجربتها، إنسانة انتقلت من موقف إلى آخر عبر المعرفة والمراجعة، ثم وجدت نفسها أمام نتائج لم تكن بالضرورة جزءًا من حياتها التي تخيلتها عندما بدأت الكتابة.
في هذا الجانب تحديدًا تبدو قريبة من شخصياتها.
كونيل وماريان يحاولان أن يتجاوزا ما صنعته الطبقة والخوف بينهما. وشخصيات «محادثات مع الأصدقاء» تحاول أن تعيش وفق أفكارها، لكنها تتعثر في تناقضاتها. والشقيقان في «إنترمتسو» يحاولان أن يفهما الحياة بعد أن غاب الأب الذي كان يمنحها شكلًا مألوفًا.
وسالي نفسها تواجه سؤالًا من النوع ذاته، وإن اختلفت الظروف: كيف يبقى الإنسان وفيًا لما يؤمن به حين تصبح كلفة الوفاء ملموسة؟
تعود بنا الحكاية إلى إيرلندا.
إلى تلك الجزيرة التي كانت سفنها تحمل الجائعين إلى العالم الجديد، وإلى فلسطين التي ما زالت سفنها وطرقها وحدودها وأبواب بيوتها جزءًا من صراع طويل على الحق في الأرض والحياة.
في إيرلندا، بقيت أسماء الذين رحلوا في الذاكرة. وفي فلسطين، ما زالت أسماء القرى التي هُجّر أهلها تعيش في مفاتيح البيوت القديمة، وفي الوثائق والصور، وفي حكايات الأجداد الذين ظلوا يصفون لأحفادهم طريقًا إلى منزل لم يروه.
على أحد جانبي البحر تاريخ من الاستعمار والمجاعة والهجرة والمقاومة، وعلى الجانب الآخر شعب يعيش استمرار الاقتلاع والاحتلال والحرب.
ليست الحكايتان نسخة واحدة. لكن الألم الإنساني يستطيع أحيانًا أن يتعرف إلى نفسه في مرآة بعيدة.
ولعل هذا ما يمنح التضامن الإيرلندي مع فلسطين ذلك العمق الذي يتجاوز التعاطف العابر. ففلسطين بالنسبة إلى كثير من الإيرلنديين ليست مجرد خبر دولي، بل قضية توقظ أسئلة من تاريخهم عن الأرض والسيادة والحرية.
وسالي روني واحدة من أبناء هذا المجتمع، لكنها لم تكتفِ بأن ترث لغة التضامن. لقد اختارت أن تمنحها شكلًا عمليًا في حياتها الأدبية والمهنية.
من دبلن 2014 إلى قرار المقاطعة عام 2021، ومن حوار مايو 2026 إلى أزمة أكتوبر، كانت فلسطين تعود في محطات مختلفة من حياتها.
لم تكتب رواية كاملة عن غزة، ولم تجعل من الفلسطينيين أبطالًا رئيسيين في أعمالها، ولم تتحول إلى كاتبة منشورات سياسية.
بقيت تكتب عن البشر الذين تعرفهم، وعن الحب والطبقة والموت والوحدة.
لكنها حين خرجت من عالم الرواية إلى العالم الذي تعيش فيه، لم تتخلَّ عن الأسئلة التي صنعت أدبها.
ولهذا أجد أن عنوان إحدى أشهر رواياتها، «أناس عاديون»، يحمل اليوم معنى إضافيًا.
فالأشخاص العاديون هم الذين تصنع السلطة تفاصيل حياتهم، وهم الذين يدفعون ثمن القرارات الكبرى، وهم الذين يحاولون، وسط الخوف والمصالح والتناقضات، أن يحتفظوا بشيء من كرامتهم.
وسالي لم تصبح إنسانة غير عادية لأنها اشتهرت أو حصلت على الجوائز، بل لأن حياتها وضعتها أمام اختبار من النوع الذي تكتبه لشخصياتها: الاختيار بين الطريق المريح والطريق الذي يتوافق مع قناعاتها.
في الضفة الأخرى... قارئ فلسطيني
في مكان ما من فلسطين، ربما في رام الله أو نابلس أو غزة، يفتح قارئ رواية لسالي روني.
لا يعرف بالضرورة شكل البيت الذي ولدت فيه، ولا أسماء الأساتذة الذين درست على أيديهم، ولا تفاصيل المناظرات التي شاركت فيها في دبلن.
قد يكون شابًا يبحث في قصة ماريان وكونيل عن شيء من علاقته بفتاة يحبها. وقد تكون امرأة تقرأ «إنترمتسو» بعد أن فقدت شخصًا عزيزًا، فتجد في حزن الشقيقين كلمات لم تستطع هي أن تقولها.
وربما يتوقف أحدهما عند اسم المؤلفة على الغلاف، ويتذكر أن هذه المرأة، التي لم تزُر بيته ولم تعرف عائلته، اختارت أن تقف مع حقه في الحياة والحرية.
في تلك اللحظة يصبح الكتاب أكثر من رواية.
لا لأنه تحول إلى منشور سياسي، بل لأنه احتفظ بقدرته على وصل بشر لا يعرف أحدهم الآخر.
وعلى الضفة الأخرى، في إيرلندا، أتخيل سالي أمام صفحة بيضاء.
ربما تستعد لكتابة رواية خامسة. ربما تفكر في شخصيات جديدة، وفي حوار لم تجد نهايته بعد، وفي علاقة إنسانية أخرى لا تستطيع أن تفسرها بسهولة.
لا أعرف ما الذي تكتبه الآن، ولا ما إذا كانت فلسطين ستظهر في صفحاتها المقبلة.
لكنني أعرف أن بعض الحكايات تدخل حياة الكاتب دون أن تحتاج إلى أن تصبح رواية.
تسكن اختياراته.
وفي هذه الحكاية، لم تعد فلسطين مجرد مكان بعيد عن غرب إيرلندا. أصبحت جزءًا من الطريق الذي قطعته سالي بين كتبها وقرائها وناشرها، وبين ما تؤمن به وما تستطيع أن تتحمله دفاعًا عنه.
وأنا، الذي حملت الكاميرا في بيروت، ورأيت وجوه المقاتلين واللاجئين، ورافقت بالكاميرا حكايات شعب ظل يبحث عن صورته وسط الحروب والمنافي، أعرف أن أجمل ما في الصورة ليس دائمًا ما يظهر في مقدمتها.
أحيانًا يكون الجمال في إنسان بعيد لم نلتقِ به، لكنه يفتح نافذة حين تغلق الأبواب، أو يرفض أن يدير وجهه حين يصبح النظر مؤلمًا.
لهذا لا أريد أن أختم الحكاية بصورة لسالي على منصة تتسلم جائزة، ولا بصورة لكتبها وقد غابت عن رفوف بعض المكتبات البريطانية.
أريد أن أتركها كما بدأت: فتاة من غرب إيرلندا، أمامها عالم واسع، وفي داخلها أسئلة لم تنتهِ.
لكن هذه المرة، على الضفة الأخرى من البحر، هناك قارئ فلسطيني يعرف اسمها.
قد لا يتحدث لغتها، وقد لا يعرف شوارع مدينتها، لكنه يعرف شيئًا عن معنى أن يصبح حق الإنسان في الحياة موضوعًا لقرار تتخذه سلطة بعيدة.
وبينهما كتاب مفتوح.
لا يحتاج المشهد إلى موسيقى، ولا إلى تصفيق، ولا إلى كلمات كبيرة.
يكفي أن تبقى الصفحة مفتوحة.
وأنا لا أكتب هذه الكلمات لأمنح سالي روني وسامًا، ولا لأشكرها نيابة عن شعب كامل. أكتبها لأنني رأيت في حكايتها ما يستحق أن يُروى، ولأن الإنسان الذي يختار ألا يكون متفرجًا يستحق أن نراه، لا أن نكتفي بالتصفيق له.
ومن فلسطين، من الضفة الأخرى لذلك البحر الذي حمل يومًا سفن الجائعين الإيرلنديين، أترك لها هذه الحكاية هدية صغيرة من مخرج قضى عمره يبحث عن الإنسان خلف الأحداث.
سالي، لقد وصلت رسالتك.
وهذه المرة، دعينا نحن نروي حكايتك.
يحيى بركات
17/10/2026