هدى حجاجي أحمد - طارق... حين تعود الروح إلى طفولتها... قراءة نقدية

في قصة «طارق» لا يكتب د. أيمن الجندي عن طفل غامض بقدر ما يكتب عن الإنسان حين يصبح وحيدًا إلى الحد الذي تستدعي فيه روحه من أنقذها يومًا من قسوة الوحدة. منذ المشهد الأول داخل غرفة المستشفى، يضعنا الكاتب أمام رجل يواجه نهايته في فضاء أبيض يشبه الكفن، فيصبح البياض هنا لونًا للموت أكثر منه لونًا للشفاء، بينما يتسلل ضوء النهار من النافذة كأنه نداء أخير للحياة.

أجمل ما في القصة أن الوحدة ليست حالة عابرة، وإنما قدر رافق البطل منذ طفولته. طفل بلا إخوة، ثم رجل لم يستطع أن يصنع الأسرة الكبيرة التي كان يحلم بها، ثم زوجة ترحل، وولدان يهاجران، لينتهي به الطريق وحيدًا في المستشفى. ولهذا تأتي عبارة «فالمجد للشكل الدائري!» كأنها مفتاح بنائي للقصة كلها؛ فالحياة تبدأ بالوحدة وتنتهي بها، لكن الدائرة لا تكتمل بالموت وحده، وإنما بعودة طارق.

وطارق نفسه هو أكثر عناصر النص إثارة للدهشة؛ فهو قد يكون شبحًا، وقد يكون ذكرى، وقد يكون صورة مجسدة لطفولة لم يستطع البطل أن يودعها. الكاتب لا يقدم تفسيرًا جاهزًا، وهذه نقطة قوة؛ لأنه يترك القارئ بين احتمالين: هل كان طارق موجودًا فعلًا؟ أم أن الطفل صنع صديقه من شدة احتياجه إلى من يؤنس وحدته؟ وفي الحالتين تظل الحقيقة الأهم واحدة: الروح أحيانًا تخترع لنفسها رفيقًا حين تعجز الحياة عن منحه إياه.

أما المفارقة المؤلمة فتظهر حين تخبر الأم طفلها أن طارق غير موجود، بينما هو يصر على أنه يراه. وهنا لا تبدو المسألة مجرد وهم طفولي، بل صراع بين ما تراه العين وما يصدقه الآخرون. لذلك تصبح الجملة الأخيرة شديدة الدلالة: «كان عليك أن تصدق عينيك ولا تبالي بهم»؛ وكأن طارق لم يعد يخاطب طفل الأمس، وإنما الرجل العاجز الذي فقد ثقته بنفسه وبالحياة.

وتبلغ القصة ذروتها حين يظهر طارق في المستشفى بعد عقود، فضيَّ الشعر، لكنه يحمل ملامح الطفل القديم. عودة الطفولة هنا ليست استرجاعًا للذكرى فحسب، بل استعادة للجزء الذي ظل حيًّا في البطل رغم مرور العمر. وحين يقول له: «أصدقت أنك مشلول؟ هيا فالدراجة تنتظرك»، يصبح المشهد الأخير مفتوحًا على تأويلات عديدة: ربما الموت، وربما الخلاص، وربما عودة الروح إلى اللحظة الوحيدة التي شعرت فيها أن الحياة كانت كاملة.

إن قوة «طارق» تكمن في بساطة حكايتها وعمق دلالتها؛ قصة قصيرة عن الوحدة، لكنها في جوهرها قصة عن الاحتياج الإنساني إلى الرفقة، وعن الذاكرة التي قد تكون أصدق من الواقع، وعن طفل يسكن في داخلنا ولا يموت مهما تقدم بنا العمر.

والكاتب هنا لا يغلق الباب أمام القارئ، بل يتركه واقفًا أمامه، يسمع صوت الدراجة القديمة وهي تتحرك من جديد، ويتساءل: هل كان طارق شبحًا جاء ليأخذ صديقه؟ أم كان صديقًا حقيقيًا عاد أخيرًا ليأخذ بيده إلى آخر الطريق؟

وهنا تحديدًا تكمن جماليات القصة... أنها لا تخبرنا من هو طارق، بقدر ما تجعلنا نسأل: من منا لا يملك طارقًا يسكن ذاكرته؟

بقلمي
الكاتبة هدى حجاجي أحمد – مصر
............................
القصة

طارق

بقلم د. أيمن الجندى ٣١/ ٥/ ٢٠١٤
استيقظ بعد غفوة بسيطة فى غرفته بالمستشفى. كل شىء حوله أبيض ويذكره بالموت، بالكفن الذى يوشك أن يرتديه. وها هو ضوء النهار يتدفق من خلال النافذة ساخرا من هواجس الأمس، وكأنما الحياة تناديه.

لشد ما يضيق بالوحدة. لشد ما يتمنى لو تكدس الزوار ونفد الأوكسجين من هواء الغرفة. وها هو الزمان قد استدار، وعادت الدنيا إلى هيئتها يوم وُلد! وحيدا كما بدأ. طفل بلا إخوة وكهل يصارع الموت وحده. يعرف جيدا كيف يطول النهار أكثر من اللازم! ويمتد الليل أطول من اللازم. لذلك نشأ لا تؤنسه إلا أشباحه، وتعلق بالقراءة وأحلام اليقظة. وحين أصبح من فصيلة الكبار وصمم على إنجاب أكبر عدد من الأطفال رفضت زوجته بقوة. كان يستطيع أن يجبرها أو يتزوج عليها، ولكنه استكان لضعف شخصيته، وها هى مخاوفه قد تحققت كنبوءة! أصابه الشلل بعد أن ماتت زوجته وهاجر الولدان. وعاد إلى نقطة بدايته، فالمجد للشكل الدائرى!

وأخذته غفوة قصيرة استيقظ بعدها على رجل فضى الشعر يقف بجوار سريره ويبتسم. ابتسم فى ارتباك. لا أحد يزوره بعد أن خرج على المعاش منذ وقت طويل ونساه الجميع حتى جيرانه. ولكن مهلا. هناك شىء مألوف فى ملامحه لا يستطيع الإمساك به. قبل أن يتساءل أجابه الزائر فى لهجة لطيفة: «ربما لا تذكرنى بعد هذه السنين الطويلة. أنا طارق».

وبالفعل شاهد فى ملامحه الطفل القديم. نظر إليه فى ذهول، ثم سرت قشعريرة فى أنحاء بدنه. حتى جانبه المشلول، الذى لا يشعر فيه بشىء، غزته القشعريرة.

لم يسمح له والداه باللعب فى الشارع إلا بعد توسلات ودموع وإضراب عن الطعام. كانت الشوارع هادئة ولا تمر السيارات إلا نادرا. وبرغم ذلك تقف والدته فى الشباك ترمقه بقلق. وقتها عرف طارق الذى يسكن فى العمارة نفسها. صديقه الوحيد الذى شاركه لعب الدراجة. كان يصغره بعام واحد وإن كان يفوقه حيلة. وأحبه بكل مشاعره المكبوتة. وأحس أن الحياة ترتدى الألوان بعد أن كانت أبيض وأسود. كانا يتسابقان معا بالدراجة، ويلوح لأمه فى مرح. وأحيانا يسيران ويتسامران! لم يحب الحياة كما أحبها فى هذه الأيام. ولم يكن يدرى الفجيعة القادمة!

كانا يتناولان طعام العشاء، وأفلتت منه ضحكة جذلة. وسألته أمه عما يضحكه، فذكر لها بعضا من طرائف طارق! لماذا توقفت أمه عن الطعام؟ وراحت تستقصى عن طارق وقد بدا عليها القلق؟ ولماذا ارتدت ملابسها بسرعة ودفعته فى خشونة إلى عيادة الطبيب! الطفل يا سيدتى يحتاج إلى صديق فما الذى يقلقك فى هذا؟

قالت وعيناها تتسعان فى رعب: «لأنه لا يوجد فى العمارة طفل اسمه طارق!».

وحده الذى يراه! كان انتزاع طارق منه كانتزاع ضرسه! وحين رفض التصديق بكت أمه وقالت إنه كان يدور بالدراجة وحده! طارق وهم اخترعه عقلك التواق لأصدقاء! فيرد باكيا:« ولكنى ما زلت أراه!» فتقول فى تصميم: «لن تُشفى إلا إذا تجاهلت وجوده».

كم مر على هذه الذكريات؟ عمر بأكمله! وها هى الدائرة تكتمل ويعود طارق فى اللحظة الحاسمة. وقال له طارق: «كان عليك أن تصدق عينيك ولا تبالى بهم». وقال له أيضا: «لا عتاب بين الأحباب ولا بين أصدقاء الطفولة». وضحك ضحكته الجذلة القديمة وقال وهو يشير إلى الباب: «أصدقت أنك مشلول؟ هيا فالدراجة تنتظرك»..


IMG-20261017-WA0013.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى