لوسي تبريزي - "هوس فلسطين"... الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود ترجمة عن النص الإنكليزي: آرام كارابوداك

"كيف تحول السرد الرومانسي حول 'الاضطهاد الفلسطيني' إلى أكبر خدعة في العالم"


تقديم: هذا المقال الذي ترجمته عن الكردية، وهو مترجَم بدوره عن الانكليزية، لا بد أن يكون صادماً لآراء إلى جانب اعتقادات الكثيرين. أنا لم أقْدِم على ترجمة المقال، من باب التأييد أو الرفض. تلك مسألة أخرى تماماً، إنما لأن في المقال، ما يمكن أن يُقرَأ، ثمة ما يتطلب التروّي لسبر المحرّك البحثي له، فهناك حضور لما هو تاريخي، ولغوي، وسياسي، وفكري، لا يمكن تجاهله. آمل النظر فيه مع ترْك مسافة" أمان معرفية " فاصلة، ليكون للتلقّي مأثوره الفكري الجدير بالنظر، والمساءلة عما هو مختلف وأكثر "

النص
أحاول ضبطَ نفسي تجاه المؤيدين للقضية الفلسطينية؛ أحاول حقاً. أقول لنفسي إن معظمهم لا يضمرون نوايا سلبية. ربما. لكن في بعض الصباحات، تنفد قدرتي على تحمل دعايتهم المستمرة —التي لا يدركون حتى أنها دعاية— قبل حلول وقت الإفطار.
إنه لأمر مذهل حقاً كيف نصبّ عدد كبير من الناس أنفسهم فجأة خبراء في صراع لم يكونوا يعرفون عنه شيئاً يذكر قبل 17 شهراً فقط (حتى تاريخ كتابة هذا النص، 16 نيسان 2025). فهم يكررون، كإسطوانة مشروخة، الروايات الشائعة والشعارات المستهلكة نفسها، إلى درجة أن الكلمات فقدت كل معناها. ومع ذلك، فهم لا يتوقفون أبداً، مقتنعين بأن آراءهم التي تفتقر إلى أي أساس واقعي تعيد صياغة التاريخ بطريقة ما.
هؤلاء "النشطاء aktîvistên " —الذين يتمثل أعظم إسهام لهم في القضية الفلسطينية في اختبار صبر المحيطين بهم— يؤمنون حقاً بأن دولة ذات سيادة تُدعى "فلسطين" كانت قائمة، إلى أن وصل اليهود الأورُبيون وطردوا الفلسطينيين الأصليين، واحتلوا الأرض منذ ذلك الحين بدافع من الحقد المحض. ومن الواضح أن ما يولد جماعات جهادية مثل "حماس" هو فكرة أن الإرهاب ليس سوى نتيجة حتمية وثانوية للنزاعات على الأراضي.
لا شيء من هذا صحيح؛ ولكن لماذا نسمح للحقيقة بأن تفسد روايةً تبدو متماسكة ومرتبة؟ وفي الوقت ذاته، دعونا نتجاهل غضب الجماعات الجهادية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا —إلا إذا وُجدت، بالطبع، طريقة لإلقاء اللوم على الصهاينة أو أمريكا. إن هذه الرواية تكتب نفسها بنفسها؛ فهي تظهر على شاشات التلفزيون الرسمي الإيراني، وفي الوقت ذاته داخل حرم جامعات النخبة الأمريكية (وإن كان من الصعب في هذه الحالة تحديد من يستقي أفكاره من الآخر).
دعونا الآن نلقي نظرة على تاريخ دولة فلسطين "المتخيلة"؛ وهو تاريخ قصير، لكنه يخضع لعملية إعادة اختراع مستمرة. يرجع معظم المؤرخين أصل اسم "فلسطين" إلى مصطلح ورد في اللغة العبرية واللغة المصرية القديمة، وهو "بليشت" (Peleshet)، ويعني "غازٍ" أو "مهاجر"؛ وهو تعريف يبدو واضحاً تماماً عند النظر في السياق التاريخي.
كان مصطلح " Peleshet " يشير إلى "الفلسطينيين" (Philistines) - وهم شعب بحري ذو أصول يونانية استوطن ساحل البحر الأبيض المتوسط بالقرب من مصر، لكنهم اختفوا من التاريخ في عام 604 قبل الميلاد. أما الربط بينهم وبين الفلسطينيين المعاصرين (وهم مجموعة عرقية قومية من العرب)، فيشبه إلى حد كبير الربط بين "الفايكنغ" وشركة "إيكيا". وعلاوة على ذلك، لم تكن الدقة التاريخية يوماً من سمات هذا التيار.
ظهر اسم "فلسطين" بعد 700 عام من ظهور "إسرائيل"، وكان في بدايته مصطلحاً جغرافياً مشتقاً من اسم "الفلسطينيين" (Philistines). وعلى عكس اسم "إسرائيل"، لم يُستخدم هذا المصطلح قط للدلالة على كيان سياسي أو وطني. وفي القرن الثاني الميلادي، قام الرومان - بدافع من كراهيتهم الإمبريالية - بإعادة تسمية منطقة "يهودا" لتصبح "سوريا فلسطين" (Syria Palaestina). كانت هذه مناورة سياسية من جانب روما تهدف إلى قطع الرابط بين اليهود وأرضهم، وقد حدث ذلك قبل 600 عام من الفتح العربي للمنطقة.
وقبل أن تعيد بريطانيا إحياء هذا الاسم في عشرينيات القرن العشرين، لم يكن مصطلح "فلسطين" أكثر من تسمية جغرافية غامضة؛ إذ كان قد طواه النسيان تقريباً لأكثر من ألف عام. ورغم استخدامه بشكل متقطع خلال الحقبة العثمانية، إلا أنه لم يُعتمد يوماً كتسمية رسمية.
بالنسبة لليهود، لم تكن صفة "فلسطيني" هويةً أصيلةً خاصةً بهم، بل كانت تسمية فرضتها عليهم القوى الاستعمارية؛ وهو مصطلح ارتبط لقرون طويلة باليهود حصراً تقريباً. وقد لاحظ العرب المحليون والأورُبيون ذلك، فاستخدموا هم أيضاً مصطلح "فلسطيني" للإشارة إلى اليهود. وحين سعى الأورُبيون إلى طرد اليهود من أورُبا، عبروا عن ذلك بوضوح من خلال كتابة عبارات مثل "عودوا إلى فلسطين" على ممتلكات اليهود.


" فلسطين تنادي كل اليهود؛ لن نتحمل وجودهم في النرويج بعد الآن" – أوسلو، 1941

معظم المؤسسات المبكرة التي حملت اسم «فلسطين» أسسها يهود. فصحيفة «ذا بالستاين بوست» (The Palestine Post) -التي تحولت لاحقاً إلى (The Jerusalem Post) أسسها صهاينة، وأوركسترا فلسطين السيمفونية أسسها موسيقيون يهود، كما كان المنتخب الفلسطيني لكرة القدم في ثلاثينيات القرن العشرين يتألف بالكامل من لاعبين يهود.
قد يُصدم أولئك الذين يهتفون اليوم بشعار «الحرية لفلسطين» عند معرفة هذه الحقيقة. ففي معظم فترات التاريخ، لم يكن مصطلح «فلسطيني» يمثل مصدر فخر وطني للعرب؛ بل على العكس، كان يحمل دلالات سلبية.
كان معظم العرب في المنطقة يُعرّفون أنفسهم كسوريين، أو تحديداً كـ «سوريين جنوبيين». وحتى أولئك الذين أطلقوا على أنفسهم وصف «العرب الفلسطينيين»، كانوا يستخدمون هذا المصطلح كتسمية إقليمية لا كهوية وطنية. وفي الواقع، لم يُستخدم مصطلح «فلسطيني» لوصف السكان العرب في المنطقة إلا في ستينيات القرن العشرين.
ولكن، لماذا نسمح لمفارقة تاريخية بأن تقف عائقاً أمام شعارٍ قوي؟ في ذلك الوقت، كان مصطلح «فلسطيني» يشير إلى اليهود، بينما كان العرب في غالبيتهم مناهضين لـ "فلسطين".
وإذا كنت تعتقد أن هذا مجرد «دعاية صهيونية» أو «هسبارا» (حقائق غير مريحة)، فلنستمع إلى القادة والمؤرخين العرب. فقبل وقت طويل من «اكتشاف» خبراء وسائل التواصل الاجتماعي لفلسطين، أقر مسئولون عرب صراحةً بأنها لم تكن موجودة:
عام 1919: أرسل الوفد العربي الفلسطيني رسالة إلى مؤتمر فرساي للسلام يطالب فيها بضم فلسطين إلى سوريا، جاء فيها: «نحن نعتبر "فلسطين" جزءاً من سوريا العربية، إذ لم تكن يوماً منفصلة عنها".
عام 1937: صرّح الزعيم العربي عوني بك عبد الهادي أمام لجنة «بيل» قائلاً: «لا يوجد بلد اسمه فلسطين! الصهاينة هم من اخترعوا "فلسطين"!".
عام 1946: شهد المؤرخ في جامعة برينستون، فيليب حتي، أمام اللجنة الأنجلو-أمريكية قائلاً: «لا يوجد شيء اسمه فلسطين في التاريخ - على الإطلاق». 1947: صرّحت اللجنة العربية العليا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قائلة: "كانت فلسطين جزءاً من سوريا... ومن الناحية السياسية، لم يكن عرب [ما يُعرف اليوم بـ] إسرائيل مستقلين يوماً ككيان سياسي منفصل".
1956: قال أحمد الشقيري، أول زعيم لمنظمة التحرير الفلسطينية، أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: "من المعروف تماماً أن فلسطين ليست سوى جنوب سوريا".
باختصار؟ لم تكن هناك يوماً دولة أو مملكة أو إمبراطورية تحمل اسم "فلسطين". لم يكن لها حكام، ولا عملة وطنية، ولا سجلات رسمية للأراضي. ولم توجد قطعة نقدية واحدة أو طابع بريدي يحمل اسم "فلسطين" - على الأقل، ليس قبل أن يظهر هذا الاسم إلى جانب عبارة "إيريتس يسرائيل" (أرض إسرائيل).


ملاحظة موجزة حول "أرض إسرائيل Eretz Israel "
من أين جاءت قضية "فلسطين حرة" (Free Palestine) برمتها؟ من المفارقات أن الصهاينة هم أول من استخدم هذا المصطلح، بهدف تخليص المنطقة من الحكم البريطاني وتأسيس دولة إسرائيل. أما نشطاء اليوم فقد أعادوا توظيفه للدعوة إلى تدمير إسرائيل. وقد تبنى القوميون العرب هذا الشعار -إلى جانب هوية مُستحدثة- بعد أن أدركوا أن تعريف أنفسهم كـ "سوريين" لم ينجح في كسب تعاطف عالمي يُذكر.
ولكن مهلاً، ألا يُنظر إلى استلاب السرديات واستغلال الثقافة على أنه مشكلة فقط عندما يقوم به "البيض"؟
هل ما زلت مستعداً لبناء هويتك على أساس القومية الفلسطينية؟ في عام 1977، وفي مقابلة مع صحيفة "ترو" (Trouw) الهولندية، خرج زهير محسن -وهو مسئول في منظمة التحرير الفلسطينية- عن النص المعتاد ليصرح قائلاً:
"لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني. إن إنشاء دولة فلسطينية ليس سوى أداة لمواصلة نضالنا ضد دولة إسرائيل... في الواقع، لا يوجد اليوم فرق بين الأردنيين والفلسطينيين والسوريين واللبنانيين". وأضاف أن الحديث عن وجود "شعب فلسطيني" يأتي لأسباب سياسية ووطنية بحتة؛ إذ تقتضي المصالح الوطنية للعرب التأكيد على وجود "شعب فلسطيني متميز" في مواجهة الصهيونية.
بعبارة أخرى، نشأت الحركة الوطنية الفلسطينية في ستينيات القرن العشرين كرد فعل على الصهيونية. وبدون إسرائيل، تفقد هذه الحركة غايتها؛ فجوهر وجودها هو تدمير إسرائيل. وعليه، فإن الخطاب برمته حول فلسطين ليس في جوهره سوى تعبير مستمر عن الكراهية تجاه دولة إسرائيل.
وعندما أثبتت الحرب عدم كفايتها لمحو إسرائيل من الخريطة، غيّر أعداؤها تكتيكاتهم. ولما كان تحقيق نصر عسكري أمراً متعذراً، فقد كثفوا من دعايتهم؛ فإذا كان المرء لا يستطيع تدمير دولة ما، فبإمكانه دائماً محاولة محوها من التاريخ. بينما نشهد جيشاً من "الأغبياء النافعين" في الغرب وهم يضعون "فلسطين" فوق خريطة إسرائيل -في وقت يصطف فيه قادة العالم للاعتراف بدولة فلسطينية- يتضح أن استراتيجيتهم قد نجحت. فإذا كان بوسع سردية مُحكمة الصياغة أن تكون أكثر فاعلية من صاروخ، فمن يحتاج إلى صاروخ إذن؟ لقد كان مهندسو هذه "القنبلة السردية" قوةً لا يُستهان بها. ففي ستينيات القرن العشرين، قدّم ياسر عرفات -المولود في مصر والمدعوم من الاستخبارات السوفيتية- الفلسطينيين، من خلال منظمة التحرير الفلسطينية، كأمةٍ متميزة تعيش تحت وطأة الاضطهاد. ونظراً لأن أزمة الصواريخ الكوبية كانت قد وقعت للتو، فقد كان السوفييت بحاجة إلى جبهة جديدة؛ ومن ثم، نظروا إلى القضية الفلسطينية كسلاحٍ لمواجهة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. ولم يكتفِ السوفييت بتقديم التمويل والتدريب فحسب، بل عملوا على بناء هذه الحركة من الأساس.
وقد أوضح عرفات نفسه هذا الهدف قائلاً: "ليس للفلسطينيين هوية وطنية. وأنا، ياسر عرفات -رجل القدر- سأمنحهم هذه الهوية من خلال الحرب ضد إسرائيل".
لقد حوّل عرفات -الذي كان يلف الكوفية حول رأسه- هذا الغطاء إلى رمز للنضال المسلح؛ ومنذ ذلك الحين، أصبحت الكوفية شعاراً للمقاومة الفلسطينية. ولا يهم في هذا السياق أن أصل الكوفية يعود إلى بلاد الرافدين (العراق حالياً) قبل آلاف السنين من ظهور المفهوم الحديث لـ "فلسطين"، أو أنها كانت تُرتدى من قِبل مجموعات عربية متنوعة قبل وقت طويل من اكتسابها أي دلالة سياسية.
إن الكوفية ذات اللونين الأبيض والأسود، كما نعرفها اليوم، هي علامة على القومية الفلسطينية، ولم تكن يوماً رمزاً وطنياً قديماً. فقد برزت الكوفية في القرن العشرين عندما قام المسئول البريطاني جون باجوت غلوب -قائد "الفيلق العربي"- بتوزيع كوفيات باللونين الأبيض والأسود على الجنود الفلسطينيين، وذلك للتمييز بينهم وبين الجنود الأردنيين الذين كانوا يرتدون كوفيات باللونين الأحمر والأبيض.
وهكذا، حوّل عرفات الكوفية إلى رمزٍ في عالم الأزياء، وإلى زيٍّ موحدٍ لما أسماه "المقاومة". من المفارقات العجيبة أن نشطاء مناهضة الاستعمار يتجولون وهم يرتدون الكوفية، التي تحولت إلى رمزٍ بفضل الإدارة الاستعمارية البريطانية ذاتها!
لكن عرفات لم يكتفِ بالرموز؛ بل انتقل إلى العلم. والأكثر دلالةً هو أن العلم الفلسطيني قد صُمم في إنجلترا! فخلال الثورة العربية (1916–1918)، ساهم الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس في تصميمه كدليلٍ على الدعم البريطاني للوحدة العربية ضد العثمانيين. وفي وقتٍ لاحق، اعتمدت الأردن نسخةً من هذا العلم تتضمن نجمةً بيضاء.
وفي ستينيات القرن العشرين، اتخذ عرفات خطوته: فقد أخذ العلم الأردني، وأزال منه النجمة، ثم قدّمه مجدداً باعتباره علم فلسطين. وهكذا، جرى اختلاق "تاريخٍ لفلسطين" من رحم قرونٍ من عدم الوجود.
في المرة القادمة التي ترى فيها ناشطاً يرتدي الكوفية ويلوح بالعلم الفلسطيني، تذكّر أنه يلوح بفخرٍ بتصميمٍ أبدعته الإمبراطورية البريطانية.


لم تُبنَ روما في يوم واحد، لكن فلسطين أُنشئت في يوم واحد.

لا تتعلق المسألة بإعادة صياغة الرموز أو الأعلام، بل بإعادة كتابة التاريخ. لننظر في الادعاء القائل بأن إسرائيل تحتل فلسطين منذ 80 عاماً؛ هذا غير صحيح. فلو نجحت الجيوش العربية في عام 1948، لما وُجدت اليوم دولة تُدعى فلسطين؛ لأن الهدف لم يكن يوماً إقامة دولة فلسطينية، بل كان يقتصر على تدمير إسرائيل.
لقد فشلوا، ومنذ ذلك الحين وحتى عام 1967، سيطرت مصر على قطاع غزة، بينما احتلت الأردن مناطق "يهودا والسامرة" - وأطلقت عليها على عجل اسم "الضفة الغربية" لطمس جذورها اليهودية. ولم تحرك الأردن ولا مصر ساكناً لمنح الفلسطينيين دولة. لم يكترث العالم لاحتلالهما، مهما بلغ حجم القمع فيه. ومن اللافت أنه بمجرد أن تكون إسرائيل طرفاً في أي حدث، تندلع موجة من "الغضب" العارم.
في عام 1964، صرحت منظمة التحرير الفلسطينية صراحةً بأن غزة والضفة الغربية ليستا فلسطين. إذاً، ماذا كانت منظمة التحرير تنوي "تحريره" بالضبط؟ الجواب هو: إسرائيل. ولهذا السبب، يُتهم هؤلاء الغربيون -الذين يصفهم البعض بـ "الأغبياء المفيدين"- بدعم تدمير إسرائيل، متسترين بشعارات مثل "الحرية" و"المقاومة". وسواء أدركوا ذلك أم لا، فهذا هو جوهر ما يقومون به فعلياً.
هل الهدف إذاً هو أن تنهي إسرائيل احتلالها؟ يا للعجب! ألم تنسحب إسرائيل من غزة عام 2005 -وهي خطوة قدمت في الواقع خدمة هائلة لحركة حماس- لتكون النتيجة كارثية على إسرائيل في السابع من تشرين الأول؟ فبدلاً من تنمية غزة، حولتها حماس إلى قاعدة للإرهابيين. وإذا أردنا الحديث عن دول لم يعد لها وجود، فلننظر إلى كيان لا يذكره أحد.
فقبل وقت طويل من تأسيس إسرائيل، تم اقتطاع نحو 80% من مساحة "الانتداب البريطاني على فلسطين" لإنشاء "شرق الأردن" (التي أصبحت لاحقاً المملكة الأردنية). وماذا عن العرب المحليين؟ لم يستشرهم أحد. اعترافاً بخدماتهم خلال الحرب العالمية الأولى، سلّمت بريطانيا السلطة إلى الهاشميين -الذين ينحدرون من شبه الجزيرة العربية ولا يزالون في سدة الحكم حتى يومنا هذا. وفي عام 1948، طُرِد جميع اليهود، كما أُجبر مئات الآلاف غيرهم على الرحيل من دول عربية مختلفة. لماذا لا يصف أحدٌ ذلك بأنه "استعمار" أو "تطهير عرقي paqijkirina etnîk "؟

فلسطين في ظل الانتداب البريطاني
في منطقة الشرق الأوسط، لم يكن تغيير الحدود أو نقل المجموعات السكانية أمراً استثنائياً؛ بل كان ممارسة شائعة في تلك الحقبة. فعلى سبيل المثال، شهد عام 1923 تبادلاً سكانياً بين تركيا واليونان، شمل 1.2 مليون يوناني و600 ألف تركي. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، طُرِد 14.5 مليون ألماني من أورُبا الشرقية، لقي مليونان منهم حتفهم.
غير أن هذه المعايير المعتادة لم تُطبَّق في حالة فلسطين. فبينما تمكنت المجموعات الأخرى المُهجَّرة من إعادة بناء حياتها والمضي قدماً، حرص القادة الفلسطينيون -سعياً منهم لاستغلال أزمة اللاجئين كأداة ضغط سياسي- على إبقاء وضع "انعدام الجنسية" حالةً دائمة.
ولعل الأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو أنه لو قَبِل المفتي الأكبر، أمين الحسيني، بوجود نحو نصف مليون يهودي كمواطنين متساوين في الحقوق، لكان بإمكان العرب الاحتفاظ بالسيطرة على كامل الأراضي المتبقية. لكنه رفض مثل هذه المقترحات باستمرار؛ فقد عرضت "لجنة بيل" عام 1937 منحهم نحو 80% من الأرض، كما اقترحت خطة الأمم المتحدة للتقسيم عام 1947 منحهم قرابة نصف المساحة. وبدلاً من السعي نحو إقامة دولة، اختاروا الحرب. ومع ذلك، هل يمكن القول إن إسرائيل هي المشكلة؟
لم تتوقف حلقة الرفض عند هذا الحد؛ فحتى بعد استقلال إسرائيل، رفض الفلسطينيون عدة مقترحات لإقامة دولتهم. ومن بينها العرض الشهير في "كامب ديفيد"، الذي تضمن منحهم أكثر من 90% من الضفة الغربية مع جعل القدس الشرقية عاصمةً لهم، إلا أنهم رفضوه. ألا يشبه هذا إلى حد كبير "حل الدولتين" الذي يزعمون دائماً أنهم يسعون إليه؟ وبدلاً من ذلك، أطلقوا "الانتفاضة الثانية"، التي شهدت موجة عارمة من العمليات الانتحارية وأعمال العنف في أنحاء إسرائيل.
هل ثمة مجموعة أخرى في التاريخ أُتيحت لها فرص متكررة لإقامة دولة، ثم أهدرت كل واحدة منها؟ لقد خاضوا مقامرةً فخسروا؛ وكما هو الحال في أي صراع، فإن للحروب تبعات. ومع ذلك، لا تزال القضية الفلسطينية قائمة، حيث يجري استغلالها لتحقيق مكاسب معينة. يُديم قادتهم هذه الحلقة المفرغة؛ لأن لعب دور "الضحية" -بكل صراحة- أمرٌ مربح:
لا توجد مجموعة أخرى تدعي أنها "واقعة تحت الاحتلال" بينما ترفض في الوقت ذاته فرصة الحصول على الاستقلال.
ولا توجد مجموعة أخرى من اللاجئين يرثون وضع "عديمي الجنسية" وكأنه إرثٌ عائلي. ولا يوجد صراع آخر تُخصص له الأمم المتحدة وكالةً بعينها -وهي "الأونروا" (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين)- صُممت ليس لحل الأزمة، بل لتكريسها وإدامتها.
ولا توجد مجموعة أخرى من البشر، رغم تلقيهم المساعدات وتراكم الموارد لديهم، يظلون عاجزين عن تأسيس دولة، ويستمرون في الاعتماد على "محتليهم" لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وفي هذا السياق، لا يعمل هذا الكيان كحركة تحرر، بل كآلية ضخمة تُدار بمليارات الدولارات.
وإذا لم يكن الأمر واضحاً بعد، فدعوني أوضحه: إنهم لا يريدون دولة، بل يريدون "قضية"؛ أي حلقة لا تنتهي من المظالم التي تضمن تدفق الأموال، وتولّد سيلاً مستمراً من قرارات الأمم المتحدة، وتضمن بقاء إسرائيل هدفاً دائماً للهجوم.
هذا هو السبب الجوهري الذي جعل من "القضية الفلسطينية" ظاهرة عالمية. لم يكن الأمر يوماً يتعلق بالاستقلال أو تقرير المصير أو حقوق الإنسان؛ فهذه مجرد صياغة تسويقية للسردية. وإذا كنت قد صدقت ذلك، فهنيئاً لك! لقد تعرضت للخداع. ففي جوهر هذه الحركة يكمن عنصر واحد وحّد العالم لقرون: كراهية اليهود.
بالطبع، سيقسم الكثير من النشطاء بأنهم لا يكرهون اليهود. لكن، حين يسيرون تحت شعارات تدعو إلى تدمير الدولة اليهودية، ويهتفون بشعارات حركة "حماس"، ويغلفون معاداة السامية التقليدية بغطاء "معاداة الصهيونية"، فمن الواضح أنهم قد انحرفوا تماماً عن المسار الصحيح؛ بل إنهم دمروا هذا المسار بالكامل.
إن الهوس بـ "تحرير فلسطين" لا علاقة له بفلسطين في حد ذاتها. فبالنسبة للعديد من النشطاء الغربيين -الذين هم في الواقع مناهضون بشدة للغرب- لا تعدو هذه القضية كونها سلاحاً ملائماً؛ ليس ضد إسرائيل فحسب، بل ضد الرأسمالية وضد المجتمعات ذاتها التي تمنحهم حرية التظاهر. بالنسبة لهؤلاء الناشطين المرفهين، الذين يرفعون أصواتهم عالياً، لا تمثل فلسطين أزمة إنسانية، بل مجرد تعبير رائج وقضية عصرية. بالنسبة لأفراد لم يواجهوا قط مشكلة حقيقية ملموسة، فإنها توفر لهم رأس مال اجتماعياً وشعوراً بالهدف. ولأنهم لم يواجهوا تحدياً حقيقياً أو تضحية شخصية في حياتهم، فإنهم يتشبثون بنقاش بالكاد يفهمونه، ليس لحل المشكلة، بل لتأكيد تفوقهم الأخلاقي. هذا ليس نشاطاً حقيقياً، بل هواية مُنمقة، تتستر وراء قناع الهوية.
خلف الوسوم ( hashtagên) المليئة بالشعارات وحالات الغضب المصطنعة، يكمن أمرٌ أكثر خطورة بكثير: أجندة تفتح باباً خلفياً للمسلحين الإسلاميين للتسلل إلى الأوساط الأكاديمية الغربية والسيطرة على المؤسسات، وكل ذلك لخدمة أكثر الأنظمة قمعاً في العالم. وإلى "التقدميين" منكم: إن نظام الحكم الثيوقراطي في إيران -الذي قد يسجنكم أو يعدمكم بسبب آرائكم حول حقوق المرأة- ليس حليفاً لكم.
بالنسبة لأولئك الذين يهتمون حقاً، أو الذين يعيشون في خضم هذا الواقع، فإن الأمر لا يقتصر على شعار مطبوع على حقيبة قماشية؛ بل هي الحقيقة الصارخة. يقر معظم العقلاء بأن للعرب الفلسطينيين، كغيرهم من الشعوب (ربما باستثناء اليهود)، الحق في تقرير مصيرهم.
ولكن قبل ذلك، عليهم التخلي عن قادتهم، ونبذ هوسهم بتدمير إسرائيل. وعندها فقط، يمكنهم البدء في بناء ثقافةٍ لا تقوم على المظلوميات، بل على الفرص والإمكانات.
ويتطلب هذا التحررَ من عملية التلقين التي تبدأ منذ الطفولة؛ تلك العملية التي تستبدل الأمل بالكراهية، وتبني الأنفاق بدلاً من المدارس. ومع ذلك، لا يمكن تحقيق هذا طالما ظلت حركة "حماس" -التي تمثل بحق "طائفةً تقدس الموت"- ممسكةً بزمام الأمور، ومستمرةً في فرض حكمها من خلال الترهيب والدعاية.

النرويج وإسبانيا وأيرلندا؛ هل أنتم جادون؟ إن الاعتراف بفلسطين كدولة بعد أحداث السابع من أكتوبر لا يخدم السلام، بل يمثل مكافأة للإرهاب. فقادة الفلسطينيين لا يبنون دولة، بل يعملون على تمزيق إسرائيل، متخذين من "الدولة" قناعاً بينما يضحون بشعبهم؛ وأنتم تدعمونهم في ذلك.
ولكن، لنفترض -جدلاً- أن الهدف هو "التحرير". في المرة القادمة التي ترون فيها ناشطاً يلوح بعلم ويهتف "حرروا فلسطين"، اسألوه: تحريرها من ماذا بالضبط؟ فإسرائيل ليست هي من يبقي الفلسطينيين بلا دولة، بل قادتهم هم من يفعلون ذلك.
وتجنبوا السردية التي تصور اليهود كـ "مستعمرين". فالتوسع العربي عبر الفتوحات الإسلامية -التي شملت أراضٍ يهودية- أعاد تشكيل جزء كبير من العالم، ومع ذلك ظلت دولة صغيرة في أيدي اليهود.
أعلم أن الكثير من النشطاء يعتقدون بصدق أنهم يحاربون الظلم، لكن التعاطف الأعمى والنوايا الحسنة لن تضع حداً لهذا "الظلم". وكما تقول نصيحة خالدة: ثقّفوا أنفسكم، وحسّنوا أداءكم. فلو كانوا مهتمين حقاً بمعاناة الفلسطينيين، لما اكتفوا بترديد دعاية حركة "حماس" كالببغاوات، بل لتحملوا المسئولية بأنفسهم.
وهذا أمر ممكن؛ دون الحاجة بالضرورة إلى تأييد كل سياسات إسرائيل، ودون الانزلاق إلى دوامة من الغضب -على غرار "روبوت محادثة" معطل- يصرخ بكلمات مثل "إبادة جماعية، فصل عنصري، استعمار". فما من وسم (هاشتاج) أو تلاعب لفظي متكرر يمكنه بناء مدرسة، أو تمهيد طريق، أو إنقاذ فلسطيني واحد من قادته الفاسدين.
لا بد في مرحلة ما أن يفسح الاستعراض الأخلاقي المجال أمام الواقع. لا يتعلق الأمر هنا فقط بالحقائق التاريخية أو بوجود إسرائيل -ولا حتى بصبري الذي بدأ ينفد- بل يتعلق بالفلسطينيين أنفسهم، الذين لا يستحقون أن يُستخدموا كأدوات رخيصة في حرب لا تنتهي.
لنكن صادقين: لم يكن الأمر يوماً يتعلق بتحرير فلسطين؛ فلو كان كذلك، لطالب هؤلاء النشطاء بقيادة أفضل، بدلاً من الاكتفاء بقذف إسرائيل بوابل من الغضب. لكنهم لن يفعلوا ذلك؛ فبالنسبة لهم، ليست فلسطين سوى زيٍّ يرتدونه، أو نوعٍ من تقديس الأشخاص. ومثل كل المظاهر الاستعراضية التي سبقتها، ما إن تصبح هذه الظاهرة خارج نطاق الموضة، حتى يتخلوا عن القضية الفلسطينية برمتها.
Lucy TabriziBy: Fetîşa Filistînê-23 Qanûn 2025

ملاحظة من المترجم، بحثت عن بطاقة تعريف للكاتبة، رغم أن اللقب " تبريزي " نبّهني إلى ما هو مكاني " نسبة إلى منطقة تبريز ، في إيران؟ " ، فلم أفلح، سوى في العثور على منبر،، يتضمن مثل هذا التعريف بها، وهي تتحدث عن " معاداة السامية " وملابساتها، من وجهة نظرها، وأورد الموجز، لأخذ فكرة عما تكون، في خلفيتها الفكرية:

مشاركة لوسي تبريزي في اللجنة الملكية الأسترالية المعنية بمعاداة السامية، والتي تتضمن في ختامها توصيات جوهرية ينبغي تبنيها في كل مكان
Lucy Tabrizi's submission to Australia’s Royal Commission into Antisemitism, with vital recommendations at the end that should be adopted everywhere
"اسمي لوسي تبريزي. أنا كاتبة أسترالية مستقلة، أمضيت سنوات عدة في البحث والكتابة حول معاداة السامية، ومعاداة الصهيونية، والدعاية (البروباغندا)، والمعلومات المضللة، والتطرف السياسي، والتماسك الاجتماعي.
ما يُقلقني هو أن أستراليا تتعامل بشكل متزايد مع معاداة السامية كمشكلة فردية، متجاهلةً البيئة السردية التي تُجيز العداء وتُطبعه وتُكافئه.
بينما يُعرّف الأفراد المصطلح بشكل مختلف، فإن معاداة الصهيونية كمشروع سياسي تسعى في نهاية المطاف إلى القضاء على الدولة اليهودية الوحيدة في العالم أو استبدالها. لهذا السبب، فهي تختلف نوعيًا عن نقد سياسة الحكومة. فهي لا تتعلق بما تفعله إسرائيل، بل بما إذا كان حق اليهود في تقرير مصيرهم موجودًا أصلًا.
إن مفرداتها ("الكيان الصهيوني")، وغايتها النهائية (التفكيك لا الإصلاح)، وتاريخها (بما في ذلك الدعاية النازية والسوفيتية) تعكس هذا التمييز. فبينما استهدفت معاداة السامية القديمة اليهود لمجرد وجودهم، تستهدف معاداة الصهيونية القومية اليهودية لمجرد وجودها، مستخدمةً الكلمات المفتاحية الأخلاقية المعاصرة (الاستعمار، الفصل العنصري، الإبادة الجماعية) كأسلحة لا كأدوات تحليل. يُقال لشعب واحد فقط إن قوميته الجماعية غير أخلاقية بطبيعتها.
إذا اكتفينا بالنظر فقط إلى الجناة والحوادث، فسنظل نتعامل مع معاداة السامية على أنها ظاهرة عفوية بلا أسباب. وستستمر الروايات التي تُضفي طابعاً أخلاقياً على العداء في الانتشار دون أي تصدٍّ لها. بوسع أستراليا أن تقدم ما هو أفضل: تحديد الأيديولوجية الكامنة، ورصد الروايات السائدة، وحماية النقد السياسي الجاد وفق معايير متساوية تنطبق على جميع الدول، مع وضع خط فاصل واضح يرفض نزع الشرعية عن الوجود الجماعي لأي شعب.
إن أخطر أشكال الكراهية هي تلك التي لا يدرك ممارسوها أنهم يمارسون كراهيةً في الأساس؛ ولهذا السبب، فإن فهم الرواية لا يقل أهمية عن إدانة الفعل ذاته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى