كيف تُدار الأحداث في العالم؟
بقلم: طارق حنفي
-----------
إن فهم ما يجري في العالم لا يقتصر على متابعة الأحداث
ورصد نتائجها، بل يقتضي البحث في أسبابها، والتمييز بين الوقائع والاحتمالات، وفهم أدوار الأطراف المختلفة في توجيه مساراتها.
فلم يعد السؤال: "مَن يتحكم في مجريات الأحداث؟" كافيًا، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: "كيف تُدار هذه الأحداث؟ وكيف تُهيأ الظروف التي تدفعها في اتجاهات بعينها، حتى تبدو نتائجها وكأنها جاءت من تلقاء نفسها؟"
---
من اللافت في الآونة الأخيرة تغيّر نظرة قطاعات عريضة من شعوب العالم إلى الإسلام والمسلمين.
فقد ارتفعت أصوات تطالب بمراجعة الصورة التي رسختها بعض وسائل الإعلام عن الإسلام، بل وتشكك تلك الأصوات في الادعاءات التي ربطته بالعنف والإرهاب والهمجية. كما اتجه بعض الناس إلى التعرف إلى الإسلام من مصادره ومبادئه، وأعلن عدد
لا بأس به منهم إسلامه.
ومع ذلك، لا يزال الخطاب السياسي الذي يربط المسلمين بالعنف والتطرف حاضرًا، بل تصاعد مؤخرًا في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن المسلمين المهاجرين إلى الولايات المتحدة، كما صدرت عنه تعليقات ساخرة بشأن شيوع اسم محمد في العالم الإسلامي.
وفي المقابل، اتسع النقاش حول نصوص وتأويلات دينية وقومية تنتمي إلى اليهودية، يرى منتقدوها أنها تُستخدم لتبرير القتل والتمييز والتفوق على الآخرين. كما أثارت تصريحات ومواقف لبعض رجال الدين اليهود جدلًا بشأن العنصرية وكراهية الآخر، مما أسهم في إعادة طرح أسئلة ظلت طويلًا أسيرة الأحكام المسبقة.
وفي الوقت نفسه، شهدت المواقف الأوروبية تجاه الكيان الصهيوني تحولات لافتة مع استمرار الحرب على غزة واتساع الكارثة الإنسانية. فلم تعد الانتقادات مقتصرة على المطالبة بوقف القتل والدمار، بل صدرت مواقف تجاوزت الإدانة التقليدية، ووصف بعضها الكيان الصهيوني بأنه "دولة إرهابية"، وطالبت بفرض عزلة دولية عليه بسبب ممارساته في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما اتخذت هذه المواقف الأوروبية منحى أكثر تشددًا تجاه عنف المستوطنين وسياسات الاستيطان. وتزايدت المطالبات بوقف الحرب، وإدخال المساعدات، وحماية المدنيين، ورفض ضم الأراضي الفلسطينية أو تهجير سكانها قسرًا. كذلك أعلنت دول أوروبية اعترافها بدولة فلسطين، وطالبت دول أخرى باتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الاستيطان.
---
وبالتزامن مع هذه التطورات، شهد عدد من الدول الأوروبية احتجاجات واسعة ارتبطت بأوضاع اقتصادية واجتماعية، من غلاء المعيشة وأزمات السكن إلى الأجور والتعليم. وتخللت بعض هذه الاحتجاجات مواجهات مع الشرطة وأعمال عنف وتخريب، كما حدث في فرنسا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا، وإن اختلفت أسباب الاحتجاجات وظروفها من بلد إلى آخر.
فهل تفسر الأسباب الاجتماعية والاقتصادية هذه الاحتجاجات وحدها؟ أم أن هناك جهات تقف وراء إشعالها، وأخرى قد تستغلها لتحقيق أهداف سياسية أو إرباك الحكومات والتأثير في قراراتها؟
أما في المنطقة العربية والإسلامية، فتبدو المخاطر أشد مع تداخل المواجهات العسكرية بالصراعات السياسية. فالهجمات الحوثية على السعودية، وما يصاحبها من ضربات وردود عسكرية، تثير مخاوف من اتساع دائرة المواجهة، وتعيد إلى الواجهة الصراع على النفوذ الإقليمي، وملفات اليمن، ومواقف الرياض من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
ولا تقتصر نتائج هذه المواجهات على الخسائر العسكرية والسياسية. فحين تنفذ جماعات مسلحة عملياتها تحت شعارات إسلامية، يسهل على بعض الخطابات تعميم المسؤولية على المسلمين جميعًا، واستدعاء الصور النمطية التي تختزل الإسلام في العنف. وبذلك تُحمَّل جماعات وشعوب كاملة تبعات أفعال لا تمثلها بالضرورة.
ولو اتسعت المواجهة إلى حرب سنية شيعية شاملة، فلن تقتصر خسائرها على أطراف القتال، بل ستطال مجتمعات ودولًا بأكملها. فمثل هذا الانقسام يستنزف طاقات المنطقة، ويزيد هشاشتها، ويدفع القضية الفلسطينية إلى الهامش، كما يمنح القوى الخارجية مجالًا أوسع للتدخل والتأثير في مستقبلها. وكلما انشغلت دول المنطقة بصراعات داخلية طويلة، تراجعت قدرتها على حماية مصالحها المشتركة والتعامل مع الأخطار التي تواجهها.
---
قد تبدو هذه الملفات متباعدة، لكن جمعها يلفت النظر إلى مسألة مهمة، وهي أن الأحداث تؤثر في وعي الشعوب وفي قدرة الدول على اتخاذ قراراتها.
لذلك، لا تكفي متابعة الأحداث؛ بل ينبغي أن نفهم كيف تتهيأ الظروف، ومَن يؤثر في مساراتها، ومَن يستفيد من نتائجها. فمعرفة مَن تسبب في حدث ما تختلف عن معرفة مَن استغله بعد وقوعه، كما أن المستفيد من النتائج ليس بالضرورة هو من صنعها أو خطط لها.
وثمة جانب آخر يستحق البحث: ما دور العملاء والخونة في تلك الأحداث؟ وكيف يمكن أن تسهم أعمالهم في إضعاف المجتمعات، وفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية، أو تهيئة الظروف التي تسمح لقوى أخرى بفرض إرادتها؟
طارق حنفي
بقلم: طارق حنفي
-----------
إن فهم ما يجري في العالم لا يقتصر على متابعة الأحداث
ورصد نتائجها، بل يقتضي البحث في أسبابها، والتمييز بين الوقائع والاحتمالات، وفهم أدوار الأطراف المختلفة في توجيه مساراتها.
فلم يعد السؤال: "مَن يتحكم في مجريات الأحداث؟" كافيًا، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: "كيف تُدار هذه الأحداث؟ وكيف تُهيأ الظروف التي تدفعها في اتجاهات بعينها، حتى تبدو نتائجها وكأنها جاءت من تلقاء نفسها؟"
---
من اللافت في الآونة الأخيرة تغيّر نظرة قطاعات عريضة من شعوب العالم إلى الإسلام والمسلمين.
فقد ارتفعت أصوات تطالب بمراجعة الصورة التي رسختها بعض وسائل الإعلام عن الإسلام، بل وتشكك تلك الأصوات في الادعاءات التي ربطته بالعنف والإرهاب والهمجية. كما اتجه بعض الناس إلى التعرف إلى الإسلام من مصادره ومبادئه، وأعلن عدد
لا بأس به منهم إسلامه.
ومع ذلك، لا يزال الخطاب السياسي الذي يربط المسلمين بالعنف والتطرف حاضرًا، بل تصاعد مؤخرًا في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن المسلمين المهاجرين إلى الولايات المتحدة، كما صدرت عنه تعليقات ساخرة بشأن شيوع اسم محمد في العالم الإسلامي.
وفي المقابل، اتسع النقاش حول نصوص وتأويلات دينية وقومية تنتمي إلى اليهودية، يرى منتقدوها أنها تُستخدم لتبرير القتل والتمييز والتفوق على الآخرين. كما أثارت تصريحات ومواقف لبعض رجال الدين اليهود جدلًا بشأن العنصرية وكراهية الآخر، مما أسهم في إعادة طرح أسئلة ظلت طويلًا أسيرة الأحكام المسبقة.
وفي الوقت نفسه، شهدت المواقف الأوروبية تجاه الكيان الصهيوني تحولات لافتة مع استمرار الحرب على غزة واتساع الكارثة الإنسانية. فلم تعد الانتقادات مقتصرة على المطالبة بوقف القتل والدمار، بل صدرت مواقف تجاوزت الإدانة التقليدية، ووصف بعضها الكيان الصهيوني بأنه "دولة إرهابية"، وطالبت بفرض عزلة دولية عليه بسبب ممارساته في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما اتخذت هذه المواقف الأوروبية منحى أكثر تشددًا تجاه عنف المستوطنين وسياسات الاستيطان. وتزايدت المطالبات بوقف الحرب، وإدخال المساعدات، وحماية المدنيين، ورفض ضم الأراضي الفلسطينية أو تهجير سكانها قسرًا. كذلك أعلنت دول أوروبية اعترافها بدولة فلسطين، وطالبت دول أخرى باتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الاستيطان.
---
وبالتزامن مع هذه التطورات، شهد عدد من الدول الأوروبية احتجاجات واسعة ارتبطت بأوضاع اقتصادية واجتماعية، من غلاء المعيشة وأزمات السكن إلى الأجور والتعليم. وتخللت بعض هذه الاحتجاجات مواجهات مع الشرطة وأعمال عنف وتخريب، كما حدث في فرنسا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا، وإن اختلفت أسباب الاحتجاجات وظروفها من بلد إلى آخر.
فهل تفسر الأسباب الاجتماعية والاقتصادية هذه الاحتجاجات وحدها؟ أم أن هناك جهات تقف وراء إشعالها، وأخرى قد تستغلها لتحقيق أهداف سياسية أو إرباك الحكومات والتأثير في قراراتها؟
أما في المنطقة العربية والإسلامية، فتبدو المخاطر أشد مع تداخل المواجهات العسكرية بالصراعات السياسية. فالهجمات الحوثية على السعودية، وما يصاحبها من ضربات وردود عسكرية، تثير مخاوف من اتساع دائرة المواجهة، وتعيد إلى الواجهة الصراع على النفوذ الإقليمي، وملفات اليمن، ومواقف الرياض من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
ولا تقتصر نتائج هذه المواجهات على الخسائر العسكرية والسياسية. فحين تنفذ جماعات مسلحة عملياتها تحت شعارات إسلامية، يسهل على بعض الخطابات تعميم المسؤولية على المسلمين جميعًا، واستدعاء الصور النمطية التي تختزل الإسلام في العنف. وبذلك تُحمَّل جماعات وشعوب كاملة تبعات أفعال لا تمثلها بالضرورة.
ولو اتسعت المواجهة إلى حرب سنية شيعية شاملة، فلن تقتصر خسائرها على أطراف القتال، بل ستطال مجتمعات ودولًا بأكملها. فمثل هذا الانقسام يستنزف طاقات المنطقة، ويزيد هشاشتها، ويدفع القضية الفلسطينية إلى الهامش، كما يمنح القوى الخارجية مجالًا أوسع للتدخل والتأثير في مستقبلها. وكلما انشغلت دول المنطقة بصراعات داخلية طويلة، تراجعت قدرتها على حماية مصالحها المشتركة والتعامل مع الأخطار التي تواجهها.
---
قد تبدو هذه الملفات متباعدة، لكن جمعها يلفت النظر إلى مسألة مهمة، وهي أن الأحداث تؤثر في وعي الشعوب وفي قدرة الدول على اتخاذ قراراتها.
لذلك، لا تكفي متابعة الأحداث؛ بل ينبغي أن نفهم كيف تتهيأ الظروف، ومَن يؤثر في مساراتها، ومَن يستفيد من نتائجها. فمعرفة مَن تسبب في حدث ما تختلف عن معرفة مَن استغله بعد وقوعه، كما أن المستفيد من النتائج ليس بالضرورة هو من صنعها أو خطط لها.
وثمة جانب آخر يستحق البحث: ما دور العملاء والخونة في تلك الأحداث؟ وكيف يمكن أن تسهم أعمالهم في إضعاف المجتمعات، وفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية، أو تهيئة الظروف التي تسمح لقوى أخرى بفرض إرادتها؟
طارق حنفي