نوبل والأدب العربي.. من يكتب للعالم، ومن ينتظر اعترافه؟
د. حسين عبد البصير
كلما وقفت أمام أثر من آثار مصر القديمة، وجدتني أفكر في الإنسان الذي تركه وراءه. من كان هذا الرجل؟ ماذا أحب؟ ممَّ خاف؟ كيف رأى العالم من حوله؟ وهل خطر له، وهو ينقش كلماته على الحجر أو يكتبها على ورق البردي، أن يأتي يوم يقرأ فيه إنسان آخر كلماته بعد آلاف السنين، في مكان لم يسمع به من قبل؟
بصفتي عالم آثار مصريًا، وروائيًا وكاتبًا ينشغل بالإنسان والتاريخ والحضارة، أجد نفسي مشغولًا دائمًا بسؤال البقاء. كيف تعبر الأفكار حدود الزمن والجغرافيا؟ وكيف يتحول صوت إنسان عاش في مكان محدد، وتحدث بلغة محددة، إلى صوت يستطيع إنسان آخر، ينتمي إلى ثقافة مختلفة وعصر بعيد، أن يسمعه ويفهمه ويتأثر به؟
هذا السؤال يقودني، كلما تأملت أحوال الأدب العربي، إلى سؤال آخر أكثر إلحاحًا: لماذا لا يحظى أدبنا بالحضور الذي يستحقه في الجوائز الأدبية العالمية الكبرى، وفي مقدمتها جائزة نوبل للآداب؟ هل المشكلة في الأدب العربي نفسه؟ أم في منظومة الترجمة والنشر والتوزيع والنقد التي يفترض أن تحمل هذا الأدب إلى العالم؟ أم أننا، في بعض الأحيان، نبالغ في تقدير أنفسنا، وننتظر من العالم أن يعترف بقيمة أعمالنا قبل أن نبذل ما يكفي من الجهد لتعريفه بها؟
لا أظن أن إجابة واحدة تكفي.
منذ أن حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب عام 1988، ظل اسمه حاضرًا في النقاش العربي كلما أُعلنت الجائزة، أو اقترب موعدها، أو فاز بها كاتب من ثقافة أخرى. كان فوزه لحظة مهمة في تاريخ الأدب العربي، ليس لأنه منح كاتبًا عربيًا تقديرًا عالميًا فحسب، بل لأنه أثبت أن تجربة إنسانية تنبع من أحياء القاهرة وشوارعها ومقاهيها وبيوتها، ومن تحولات المجتمع المصري وأسئلته، تستطيع أن تجد طريقها إلى قراء ينتمون إلى عوالم بعيدة.
لم يكن محفوظ يكتب عن القاهرة لكي يرضي العالم، ولم يكن مضطرًا إلى أن يتخلى عن شخصياته المصرية أو بيئته المحلية كي يصبح مفهومًا خارج حدود وطنه. لقد كتب عن السلطة والحرية، والخوف والأمل، والحب والموت، والعدالة والظلم، وصراع الإنسان مع الزمن ومع نفسه. وهي أسئلة لا تخص مجتمعًا بعينه، حتى إن جاءت في ثياب شخصيات مصرية وفي فضاءات محلية شديدة الخصوصية.
هنا تكمن إحدى الحقائق الأساسية في الأدب: ليس مطلوبًا من الكاتب أن يتخلى عن محليته كي يصبح عالميًا. بل ربما تكون محليته العميقة هي الطريق الأكثر صدقًا إلى العالمية.
لكن تجربة محفوظ تطرح سؤالًا آخر: لماذا لم تتكرر هذه اللحظة بالقدر الذي كنا نتمناه؟ ولماذا أصبح الحديث عن غياب العرب عن نوبل طقسًا سنويًا، تتكرر فيه الأسئلة نفسها، وتتجدد معه مشاعر الفخر المجروح أو الاحتجاج أو الاتهام؟
أعتقد أن علينا أن نبدأ من الاعتراف بأن جائزة نوبل ليست ميزانًا نهائيًا لقيمة الأدب، ولا محكمة دولية تصدر أحكامًا قاطعة على الثقافات واللغات. فهناك كتّاب عظماء لم يحصلوا عليها، وأعمال أدبية استثنائية لم تنل من الاعتراف ما تستحقه. وهناك عوامل تاريخية وثقافية وسياسية ومؤسسية قد تؤثر في مسارات الانتشار والتقدير.
ومع ذلك، لا يصح أن نستخدم هذه الحقيقة ذريعة لإعفاء أنفسنا من النقد. فكون الجائزة ليست المقياس الوحيد لا يعني أن غياب الأدب العربي عن دوائر الاعتراف العالمية لا يستحق الدراسة، ولا يعني أن المشكلة كلها تكمن في الآخرين.
أحيانًا نتصرف وكأن العالم مدين لنا بجائزة، وكأن عظمة تاريخنا القديم تكفي وحدها لإثبات عظمة أدبنا المعاصر. نستدعي الأهرامات والمعابد والنصوص المصرية القديمة، ونستحضر تاريخًا حضاريًا طويلًا، ثم ننتظر أن يتحول هذا الرصيد إلى تقدير تلقائي لكل ما نكتبه اليوم.
لكن الحضارة ليست ميراثًا نكتفي بالتفاخر به، بل مسؤولية تتجدد في الحاضر. إن عظمة المصريين القدماء لا تعفينا من ضرورة إنتاج أدب عظيم في عصرنا، كما أن أمجاد أي حضارة لا تمنح أبناءها امتيازًا دائمًا في الثقافة أو المعرفة.
وأنا، بحكم عملي في علم الآثار المصرية، أرى أن التاريخ لا يمنح أحدًا شهادة تفوق أبدية. إنه يمنحنا فرصة لفهم الإنسان، ويضع أمامنا نماذج للإبداع والقدرة على تجاوز حدود الزمان. أما ما نفعله بهذه الفرصة، فيظل مسؤوليتنا نحن.
حين نقرأ نصًا مصريًا قديمًا، فإن ما يصل إلينا ليس مجرد كلمات من عالم غابر، بل صورة للإنسان وهو يواجه الموت، ويبحث عن العدل، ويتأمل مصيره، ويتساءل عن معنى الحياة. لقد استطاعت بعض النصوص أن تحتفظ بقيمتها لأن الأسئلة التي تحملها لم تفقد معناها الإنساني، حتى عندما تغيرت اللغات والعقائد وأنماط الحياة.
وهذا، في جوهره، ما ننتظره من الأدب المعاصر أيضًا: أن ينطلق من تجربته الخاصة، لكنه لا يتوقف عند حدودها؛ أن يتحدث عن مجتمعه، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن شيء أعمق في الطبيعة الإنسانية؛ وأن يمنح القارئ، أينما كان، فرصة للتعرف إلى الآخر واكتشاف نفسه فيه.
غير أن الوصول إلى هذا المستوى من الحضور العالمي لا يعتمد على جودة الكتابة وحدها. فالأدب لا يسافر من تلقاء نفسه. إنه يحتاج إلى الترجمة، وإلى ناشرين يعرفون كيف يقدمونه، وإلى وكلاء أدبيين، ونقاد، ومهرجانات، ومؤسسات ثقافية، وشبكات توزيع تستطيع أن تنقله من لغة إلى أخرى ومن سوق إلى أخرى.
وهنا تظهر إحدى مشكلاتنا الأساسية.
لا تزال حركة ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الكبرى، في كثير من الأحيان، محدودة قياسًا إلى حجم الإنتاج الأدبي العربي وتنوعه. كما أن وصول الكتب المترجمة إلى القراء خارج نطاق الجامعات والمتخصصين يواجه صعوبات تتعلق بالتوزيع والتسويق والتعريف بالكاتب. وقد تُترجم رواية جيدة، لكنها لا تجد الناشر القادر على تقديمها، أو الناقد الذي يلفت الانتباه إليها، أو شبكة المكتبات التي تضعها أمام جمهور واسع.
والترجمة ليست نقلًا للكلمات من لغة إلى أخرى فحسب. إنها نقل لعالم كامل، بإيقاعه وإشاراته الثقافية وطبقاته الاجتماعية وخصوصية تعبيراته. والمترجم المبدع لا ينقل النص فقط، بل يعيد بناء الجسر الذي يسمح للقارئ بأن يعبر إلى تجربة لم يعشها من قبل.
من هنا، فإن الاستثمار في الترجمة يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من أي مشروع جاد لتعزيز حضور الأدب العربي عالميًا. لا يكفي أن نترجم عددًا من الكتب ثم نعلن أننا أدينا واجبنا. المطلوب استراتيجية طويلة المدى، تختار الأعمال بعناية، وتدعم المترجمين، وتتعاون مع دور النشر الأجنبية، وتتابع الكتب بعد صدورها، وتعمل على بناء علاقة مستمرة بين الكاتب العربي والقارئ العالمي.
لكن الترجمة وحدها لا تصنع أدبًا عالميًا. لا بد أيضًا من وجود حركة نقدية حقيقية تستطيع أن تميز بين الجيد والمتوسط، وبين العمل الذي يضيف إلى التجربة الإنسانية والعمل الذي يكرر ما سبقه. ولا بد من أن نكف عن التعامل مع كل نقد لعمل عربي بوصفه انتقاصًا من ثقافتنا، أو عن اعتبار كل كاتب عربي مرشحًا طبيعيًا للتكريم لمجرد أنه عربي.
إن احترام الأدب العربي يبدأ، في رأيي، من احترام حقه في النقد. لا توجد ثقافة عظيمة تخشى مراجعة إنتاجها، ولا توجد حركة أدبية حية تستطيع أن تتقدم من دون حوار جاد حول أعمالها وأساليبها وأسئلتها.
وأقول هذا لأننا نحتاج إلى قدر أكبر من الشجاعة في النظر إلى واقعنا الأدبي. لدينا كتّاب متميزون، وتجارب روائية وشعرية وقصصية تستحق القراءة والترجمة، لكن لدينا أيضًا أعمالًا لا تتجاوز حدود التكرار، وأعمالًا تستند إلى ضجيج إعلامي أكبر من قيمتها الفنية. والمشكلة تبدأ عندما نخلط بين الاثنين، أو عندما يصبح الاحتفاء بالكاتب أهم من قراءة ما يكتبه.
لا ينبغي أن تتحول الجوائز إلى بديل عن النقد، ولا أن يصبح غيابها دليلًا تلقائيًا على المؤامرة. علينا أن نسأل عن جودة الأعمال التي نرشحها، وعن مدى تنوعها، وعن قدرتها على الابتكار، وعن الطريقة التي نعرّف بها العالم إلى كتابنا. وعلينا أن نسأل كذلك: هل نمنح الكاتب حرية التجريب والاختلاف؟ هل نهيئ مناخًا ثقافيًا يحتمل الأسئلة الصعبة؟ وهل نحتفي بالأدب بوصفه مساحة للمعرفة والخيال والحرية، أم نريده أحيانًا أن يكون مجرد وسيلة لإرضاء الجمهور أو تأكيد ما نؤمن به مسبقًا؟
الأدب الكبير لا يكتفي بترديد الإجابات التي نحبها. إنه يزعزع يقيننا أحيانًا، ويكشف ما نحاول إخفاءه، ويضع الإنسان أمام تناقضاته. وقد تكون قيمته الحقيقية في أنه يجعلنا نرى العالم على نحو مختلف، لا في أنه يمنحنا شعورًا مريحًا بالتفوق.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالصورة التي يتكون بها وعي القارئ العالمي عن العالم العربي. ففي أحيان كثيرة، تصل إلينا صورة الآخر عبر مؤسسات إعلامية وثقافية تمتلك قدرة واسعة على التأثير والانتشار. وقد تُختزل مجتمعاتنا في الحروب والأزمات والصراعات السياسية، بينما تبقى حياتها اليومية وأسئلتها الإنسانية وتجاربها الفردية بعيدة عن الاهتمام.
يستطيع الأدب أن يقاوم هذا الاختزال، لا من خلال الدعاية أو تقديم صورة مثالية عن مجتمعاتنا، بل من خلال كشف تعقيدها الحقيقي. فالشخصية الروائية المقنعة لا تكون سفيرة رسمية لوطنها، ولا مطالبة بالدفاع عنه في كل صفحة. إنها إنسان له رغباته ومخاوفه وأخطاؤه وتناقضاته، ومن خلال هذا الصدق يستطيع القارئ أن يقترب من عالم مختلف عنه.
لا أريد من الرواية العربية أن تكون منشورًا سياسيًا، ولا من الكاتب العربي أن يتحول إلى ممثل ثقافي يؤدي دورًا مرسومًا له. أريد منه أن يكتب بحرية، وأن يمنح شخصياته حقها في الحياة، وأن يذهب إلى المناطق التي يخشى المجتمع أحيانًا الاقتراب منها. فالأدب الذي يخاف من الحقيقة لا يستطيع أن يصنع حقيقة فنية باقية.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحضور العالمي لا تقع على عاتق الكاتب وحده. إنها مسؤولية منظومة كاملة تبدأ بالتعليم والقراءة، وتمر بدور النشر والمؤسسات الثقافية والجامعات والنقد والترجمة، وتنتهي بالقارئ الذي يمنح الكتاب وقته وانتباهه.
نحتاج إلى بناء ثقافة قراءة أكثر رسوخًا، وإلى دعم المكتبات العامة، وتشجيع دور النشر الجادة، وتوسيع فرص الكتاب الشباب في الوصول إلى الجمهور، وتطوير برامج الترجمة، وإقامة علاقات مستدامة مع الناشرين والنقاد في الخارج. ونحتاج، قبل كل شيء، إلى ألا نترك مصير الكتاب مرهونًا بالمصادفة أو بمجهودات فردية متفرقة.
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين العالمية بوصفها قيمة أدبية، والعالمية بوصفها انتشارًا تجاريًا أو إعلاميًا. فقد يحقق كتاب انتشارًا واسعًا من دون أن يكون عملًا استثنائيًا، وقد يظل عمل عظيم بعيدًا عن الأضواء سنوات طويلة. لكن هذا لا يلغي أهمية الوصول إلى القراء؛ فالأدب الذي لا يجد من يقرأه يظل محرومًا من جانب أساسي من حياته.
الكتابة فعل فردي في لحظتها الأولى، لكنها لا تكتمل تمامًا إلا حين يلتقي النص بقارئ. ومن ثم، فإن انشغالنا بانتشار الأدب العربي ليس تنازلًا عن قيمته الفنية، بل اعتراف بأن الكتابة علاقة بين البشر، وأن هذه العلاقة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود اللغة أو الجغرافيا.
لقد علمتني دراسة الحضارة المصرية القديمة أن ما يبقى ليس دائمًا ما كان صاحبه يتوقع بقاءه. كم من اسم ملكي نعرفه اليوم لأن نقشه نجا من عوامل الزمن، وكم من إنسان عاش حياة كاملة ولم يصل إلينا اسمه، رغم أن حياته كانت، بالنسبة إليه وإلى من أحبهم، عالمًا لا يقل أهمية عن عالم الملوك.
ولذلك، لا أعتقد أن الأدب العظيم يُكتب من أجل جائزة، كما لا أعتقد أن على الكاتب أن يتظاهر بأن الجوائز لا تعنيه. فمن الطبيعي أن يتمنى المبدع أن تصل أعماله إلى أكبر عدد ممكن من القراء، وأن تحظى بالتقدير الذي تستحقه. المشكلة ليست في الرغبة في الاعتراف، بل في أن تتحول هذه الرغبة إلى غاية تفرض على الكاتب اختياراته، أو تدفعه إلى الكتابة وفق صورة متخيلة عما يريد العالم أن يقرأه عنه.
لا ينبغي للكاتب العربي أن يكتب لنوبل، ولا أن يتجاهل العالم. عليه أن يكتب عمله بصدق وحرية وإتقان، وأن يترك للنص فرصة الوصول إلى الآخرين، وأن يشارك في بناء المؤسسات التي تجعل هذا الوصول ممكنًا.
أما نوبل، فينبغي أن تكون احتمالًا من احتمالات التقدير، لا المقياس الوحيد الذي نزن به أنفسنا. فالأدب العربي أوسع من جائزة واحدة، والكتابة الإنسانية لا تنحصر في قائمة الفائزين بها. ومع ذلك، فإن الرغبة في أن يصل صوتنا إلى العالم رغبة مشروعة، شريطة أن تقترن بالعمل والنقد والتطوير، لا بمجرد الشكوى.
وأعود إلى السؤال الذي بدأت منه: كيف يعبر صوت الإنسان حدود الزمن والجغرافيا؟
لا يعبرها لأنه ينتمي إلى حضارة قديمة، ولا لأنه يحمل هوية عظيمة، ولا لأن أحدًا قرر منحه جائزة. يعبرها عندما ينجح في تحويل تجربته الخاصة إلى معرفة إنسانية، وعندما يكتب عن عالمه بصدق يسمح للآخر بأن يرى فيه شيئًا من عالمه هو أيضًا.
إننا لا نحتاج إلى أن نثبت للعالم أننا أصحاب حضارة عظيمة؛ فالحضارة المصرية القديمة حقيقة تاريخية لا تتوقف على اعتراف أحد. ما نحتاج إليه هو أن نثبت، بالعمل والإبداع، أن هذه الحضارة ليست مجرد ماضٍ نتغنى به، بل طاقة للمعرفة والخيال والإنتاج في الحاضر.
لا أريد أن أرى كاتبًا عربيًا يفوز بنوبل لكي أشعر بأن أدبنا يستحق الحياة. أريد أن أرى أدبًا عربيًا قويًا ومتنوعًا وحُرًا، يجد قارئه في القاهرة وبيروت والرباط، كما يجده في روما وباريس وستوكهولم ونيويورك. أريد أن تُترجم أعمالنا لأنها تستحق القراءة، وأن تُناقش لأنها تطرح أسئلة مهمة، وأن تصل إلى العالم من دون أن تفقد روحها أو تتنكر لجذورها.
وعندما يحدث ذلك، لن يكون السؤال الوحيد: لماذا لم يحصل كاتب عربي على نوبل هذا العام؟ بل سيصبح لدينا سؤال أكثر أهمية: ما الأعمال التي كتبناها، وما الأفكار التي أضفناها، وما الذي جعل قارئًا في مكان بعيد يفتح كتابًا عربيًا، ويواصل قراءته حتى الصفحة الأخيرة؟
عندئذ لن نكون مجرد منتظرين لاعتراف العالم بنا، بل مشاركين في صنع الثقافة الإنسانية.
فالأثر الذي يبقى ليس هو الذي يعلو صوته أكثر من غيره، بل الذي يجد، بعد زمن طويل، إنسانًا آخر يتوقف أمامه ويسأل: من كان هنا؟ وماذا أراد أن يقول لنا؟
د. حسين عبد البصير
كلما وقفت أمام أثر من آثار مصر القديمة، وجدتني أفكر في الإنسان الذي تركه وراءه. من كان هذا الرجل؟ ماذا أحب؟ ممَّ خاف؟ كيف رأى العالم من حوله؟ وهل خطر له، وهو ينقش كلماته على الحجر أو يكتبها على ورق البردي، أن يأتي يوم يقرأ فيه إنسان آخر كلماته بعد آلاف السنين، في مكان لم يسمع به من قبل؟
بصفتي عالم آثار مصريًا، وروائيًا وكاتبًا ينشغل بالإنسان والتاريخ والحضارة، أجد نفسي مشغولًا دائمًا بسؤال البقاء. كيف تعبر الأفكار حدود الزمن والجغرافيا؟ وكيف يتحول صوت إنسان عاش في مكان محدد، وتحدث بلغة محددة، إلى صوت يستطيع إنسان آخر، ينتمي إلى ثقافة مختلفة وعصر بعيد، أن يسمعه ويفهمه ويتأثر به؟
هذا السؤال يقودني، كلما تأملت أحوال الأدب العربي، إلى سؤال آخر أكثر إلحاحًا: لماذا لا يحظى أدبنا بالحضور الذي يستحقه في الجوائز الأدبية العالمية الكبرى، وفي مقدمتها جائزة نوبل للآداب؟ هل المشكلة في الأدب العربي نفسه؟ أم في منظومة الترجمة والنشر والتوزيع والنقد التي يفترض أن تحمل هذا الأدب إلى العالم؟ أم أننا، في بعض الأحيان، نبالغ في تقدير أنفسنا، وننتظر من العالم أن يعترف بقيمة أعمالنا قبل أن نبذل ما يكفي من الجهد لتعريفه بها؟
لا أظن أن إجابة واحدة تكفي.
منذ أن حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب عام 1988، ظل اسمه حاضرًا في النقاش العربي كلما أُعلنت الجائزة، أو اقترب موعدها، أو فاز بها كاتب من ثقافة أخرى. كان فوزه لحظة مهمة في تاريخ الأدب العربي، ليس لأنه منح كاتبًا عربيًا تقديرًا عالميًا فحسب، بل لأنه أثبت أن تجربة إنسانية تنبع من أحياء القاهرة وشوارعها ومقاهيها وبيوتها، ومن تحولات المجتمع المصري وأسئلته، تستطيع أن تجد طريقها إلى قراء ينتمون إلى عوالم بعيدة.
لم يكن محفوظ يكتب عن القاهرة لكي يرضي العالم، ولم يكن مضطرًا إلى أن يتخلى عن شخصياته المصرية أو بيئته المحلية كي يصبح مفهومًا خارج حدود وطنه. لقد كتب عن السلطة والحرية، والخوف والأمل، والحب والموت، والعدالة والظلم، وصراع الإنسان مع الزمن ومع نفسه. وهي أسئلة لا تخص مجتمعًا بعينه، حتى إن جاءت في ثياب شخصيات مصرية وفي فضاءات محلية شديدة الخصوصية.
هنا تكمن إحدى الحقائق الأساسية في الأدب: ليس مطلوبًا من الكاتب أن يتخلى عن محليته كي يصبح عالميًا. بل ربما تكون محليته العميقة هي الطريق الأكثر صدقًا إلى العالمية.
لكن تجربة محفوظ تطرح سؤالًا آخر: لماذا لم تتكرر هذه اللحظة بالقدر الذي كنا نتمناه؟ ولماذا أصبح الحديث عن غياب العرب عن نوبل طقسًا سنويًا، تتكرر فيه الأسئلة نفسها، وتتجدد معه مشاعر الفخر المجروح أو الاحتجاج أو الاتهام؟
أعتقد أن علينا أن نبدأ من الاعتراف بأن جائزة نوبل ليست ميزانًا نهائيًا لقيمة الأدب، ولا محكمة دولية تصدر أحكامًا قاطعة على الثقافات واللغات. فهناك كتّاب عظماء لم يحصلوا عليها، وأعمال أدبية استثنائية لم تنل من الاعتراف ما تستحقه. وهناك عوامل تاريخية وثقافية وسياسية ومؤسسية قد تؤثر في مسارات الانتشار والتقدير.
ومع ذلك، لا يصح أن نستخدم هذه الحقيقة ذريعة لإعفاء أنفسنا من النقد. فكون الجائزة ليست المقياس الوحيد لا يعني أن غياب الأدب العربي عن دوائر الاعتراف العالمية لا يستحق الدراسة، ولا يعني أن المشكلة كلها تكمن في الآخرين.
أحيانًا نتصرف وكأن العالم مدين لنا بجائزة، وكأن عظمة تاريخنا القديم تكفي وحدها لإثبات عظمة أدبنا المعاصر. نستدعي الأهرامات والمعابد والنصوص المصرية القديمة، ونستحضر تاريخًا حضاريًا طويلًا، ثم ننتظر أن يتحول هذا الرصيد إلى تقدير تلقائي لكل ما نكتبه اليوم.
لكن الحضارة ليست ميراثًا نكتفي بالتفاخر به، بل مسؤولية تتجدد في الحاضر. إن عظمة المصريين القدماء لا تعفينا من ضرورة إنتاج أدب عظيم في عصرنا، كما أن أمجاد أي حضارة لا تمنح أبناءها امتيازًا دائمًا في الثقافة أو المعرفة.
وأنا، بحكم عملي في علم الآثار المصرية، أرى أن التاريخ لا يمنح أحدًا شهادة تفوق أبدية. إنه يمنحنا فرصة لفهم الإنسان، ويضع أمامنا نماذج للإبداع والقدرة على تجاوز حدود الزمان. أما ما نفعله بهذه الفرصة، فيظل مسؤوليتنا نحن.
حين نقرأ نصًا مصريًا قديمًا، فإن ما يصل إلينا ليس مجرد كلمات من عالم غابر، بل صورة للإنسان وهو يواجه الموت، ويبحث عن العدل، ويتأمل مصيره، ويتساءل عن معنى الحياة. لقد استطاعت بعض النصوص أن تحتفظ بقيمتها لأن الأسئلة التي تحملها لم تفقد معناها الإنساني، حتى عندما تغيرت اللغات والعقائد وأنماط الحياة.
وهذا، في جوهره، ما ننتظره من الأدب المعاصر أيضًا: أن ينطلق من تجربته الخاصة، لكنه لا يتوقف عند حدودها؛ أن يتحدث عن مجتمعه، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن شيء أعمق في الطبيعة الإنسانية؛ وأن يمنح القارئ، أينما كان، فرصة للتعرف إلى الآخر واكتشاف نفسه فيه.
غير أن الوصول إلى هذا المستوى من الحضور العالمي لا يعتمد على جودة الكتابة وحدها. فالأدب لا يسافر من تلقاء نفسه. إنه يحتاج إلى الترجمة، وإلى ناشرين يعرفون كيف يقدمونه، وإلى وكلاء أدبيين، ونقاد، ومهرجانات، ومؤسسات ثقافية، وشبكات توزيع تستطيع أن تنقله من لغة إلى أخرى ومن سوق إلى أخرى.
وهنا تظهر إحدى مشكلاتنا الأساسية.
لا تزال حركة ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الكبرى، في كثير من الأحيان، محدودة قياسًا إلى حجم الإنتاج الأدبي العربي وتنوعه. كما أن وصول الكتب المترجمة إلى القراء خارج نطاق الجامعات والمتخصصين يواجه صعوبات تتعلق بالتوزيع والتسويق والتعريف بالكاتب. وقد تُترجم رواية جيدة، لكنها لا تجد الناشر القادر على تقديمها، أو الناقد الذي يلفت الانتباه إليها، أو شبكة المكتبات التي تضعها أمام جمهور واسع.
والترجمة ليست نقلًا للكلمات من لغة إلى أخرى فحسب. إنها نقل لعالم كامل، بإيقاعه وإشاراته الثقافية وطبقاته الاجتماعية وخصوصية تعبيراته. والمترجم المبدع لا ينقل النص فقط، بل يعيد بناء الجسر الذي يسمح للقارئ بأن يعبر إلى تجربة لم يعشها من قبل.
من هنا، فإن الاستثمار في الترجمة يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من أي مشروع جاد لتعزيز حضور الأدب العربي عالميًا. لا يكفي أن نترجم عددًا من الكتب ثم نعلن أننا أدينا واجبنا. المطلوب استراتيجية طويلة المدى، تختار الأعمال بعناية، وتدعم المترجمين، وتتعاون مع دور النشر الأجنبية، وتتابع الكتب بعد صدورها، وتعمل على بناء علاقة مستمرة بين الكاتب العربي والقارئ العالمي.
لكن الترجمة وحدها لا تصنع أدبًا عالميًا. لا بد أيضًا من وجود حركة نقدية حقيقية تستطيع أن تميز بين الجيد والمتوسط، وبين العمل الذي يضيف إلى التجربة الإنسانية والعمل الذي يكرر ما سبقه. ولا بد من أن نكف عن التعامل مع كل نقد لعمل عربي بوصفه انتقاصًا من ثقافتنا، أو عن اعتبار كل كاتب عربي مرشحًا طبيعيًا للتكريم لمجرد أنه عربي.
إن احترام الأدب العربي يبدأ، في رأيي، من احترام حقه في النقد. لا توجد ثقافة عظيمة تخشى مراجعة إنتاجها، ولا توجد حركة أدبية حية تستطيع أن تتقدم من دون حوار جاد حول أعمالها وأساليبها وأسئلتها.
وأقول هذا لأننا نحتاج إلى قدر أكبر من الشجاعة في النظر إلى واقعنا الأدبي. لدينا كتّاب متميزون، وتجارب روائية وشعرية وقصصية تستحق القراءة والترجمة، لكن لدينا أيضًا أعمالًا لا تتجاوز حدود التكرار، وأعمالًا تستند إلى ضجيج إعلامي أكبر من قيمتها الفنية. والمشكلة تبدأ عندما نخلط بين الاثنين، أو عندما يصبح الاحتفاء بالكاتب أهم من قراءة ما يكتبه.
لا ينبغي أن تتحول الجوائز إلى بديل عن النقد، ولا أن يصبح غيابها دليلًا تلقائيًا على المؤامرة. علينا أن نسأل عن جودة الأعمال التي نرشحها، وعن مدى تنوعها، وعن قدرتها على الابتكار، وعن الطريقة التي نعرّف بها العالم إلى كتابنا. وعلينا أن نسأل كذلك: هل نمنح الكاتب حرية التجريب والاختلاف؟ هل نهيئ مناخًا ثقافيًا يحتمل الأسئلة الصعبة؟ وهل نحتفي بالأدب بوصفه مساحة للمعرفة والخيال والحرية، أم نريده أحيانًا أن يكون مجرد وسيلة لإرضاء الجمهور أو تأكيد ما نؤمن به مسبقًا؟
الأدب الكبير لا يكتفي بترديد الإجابات التي نحبها. إنه يزعزع يقيننا أحيانًا، ويكشف ما نحاول إخفاءه، ويضع الإنسان أمام تناقضاته. وقد تكون قيمته الحقيقية في أنه يجعلنا نرى العالم على نحو مختلف، لا في أنه يمنحنا شعورًا مريحًا بالتفوق.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالصورة التي يتكون بها وعي القارئ العالمي عن العالم العربي. ففي أحيان كثيرة، تصل إلينا صورة الآخر عبر مؤسسات إعلامية وثقافية تمتلك قدرة واسعة على التأثير والانتشار. وقد تُختزل مجتمعاتنا في الحروب والأزمات والصراعات السياسية، بينما تبقى حياتها اليومية وأسئلتها الإنسانية وتجاربها الفردية بعيدة عن الاهتمام.
يستطيع الأدب أن يقاوم هذا الاختزال، لا من خلال الدعاية أو تقديم صورة مثالية عن مجتمعاتنا، بل من خلال كشف تعقيدها الحقيقي. فالشخصية الروائية المقنعة لا تكون سفيرة رسمية لوطنها، ولا مطالبة بالدفاع عنه في كل صفحة. إنها إنسان له رغباته ومخاوفه وأخطاؤه وتناقضاته، ومن خلال هذا الصدق يستطيع القارئ أن يقترب من عالم مختلف عنه.
لا أريد من الرواية العربية أن تكون منشورًا سياسيًا، ولا من الكاتب العربي أن يتحول إلى ممثل ثقافي يؤدي دورًا مرسومًا له. أريد منه أن يكتب بحرية، وأن يمنح شخصياته حقها في الحياة، وأن يذهب إلى المناطق التي يخشى المجتمع أحيانًا الاقتراب منها. فالأدب الذي يخاف من الحقيقة لا يستطيع أن يصنع حقيقة فنية باقية.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحضور العالمي لا تقع على عاتق الكاتب وحده. إنها مسؤولية منظومة كاملة تبدأ بالتعليم والقراءة، وتمر بدور النشر والمؤسسات الثقافية والجامعات والنقد والترجمة، وتنتهي بالقارئ الذي يمنح الكتاب وقته وانتباهه.
نحتاج إلى بناء ثقافة قراءة أكثر رسوخًا، وإلى دعم المكتبات العامة، وتشجيع دور النشر الجادة، وتوسيع فرص الكتاب الشباب في الوصول إلى الجمهور، وتطوير برامج الترجمة، وإقامة علاقات مستدامة مع الناشرين والنقاد في الخارج. ونحتاج، قبل كل شيء، إلى ألا نترك مصير الكتاب مرهونًا بالمصادفة أو بمجهودات فردية متفرقة.
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين العالمية بوصفها قيمة أدبية، والعالمية بوصفها انتشارًا تجاريًا أو إعلاميًا. فقد يحقق كتاب انتشارًا واسعًا من دون أن يكون عملًا استثنائيًا، وقد يظل عمل عظيم بعيدًا عن الأضواء سنوات طويلة. لكن هذا لا يلغي أهمية الوصول إلى القراء؛ فالأدب الذي لا يجد من يقرأه يظل محرومًا من جانب أساسي من حياته.
الكتابة فعل فردي في لحظتها الأولى، لكنها لا تكتمل تمامًا إلا حين يلتقي النص بقارئ. ومن ثم، فإن انشغالنا بانتشار الأدب العربي ليس تنازلًا عن قيمته الفنية، بل اعتراف بأن الكتابة علاقة بين البشر، وأن هذه العلاقة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود اللغة أو الجغرافيا.
لقد علمتني دراسة الحضارة المصرية القديمة أن ما يبقى ليس دائمًا ما كان صاحبه يتوقع بقاءه. كم من اسم ملكي نعرفه اليوم لأن نقشه نجا من عوامل الزمن، وكم من إنسان عاش حياة كاملة ولم يصل إلينا اسمه، رغم أن حياته كانت، بالنسبة إليه وإلى من أحبهم، عالمًا لا يقل أهمية عن عالم الملوك.
ولذلك، لا أعتقد أن الأدب العظيم يُكتب من أجل جائزة، كما لا أعتقد أن على الكاتب أن يتظاهر بأن الجوائز لا تعنيه. فمن الطبيعي أن يتمنى المبدع أن تصل أعماله إلى أكبر عدد ممكن من القراء، وأن تحظى بالتقدير الذي تستحقه. المشكلة ليست في الرغبة في الاعتراف، بل في أن تتحول هذه الرغبة إلى غاية تفرض على الكاتب اختياراته، أو تدفعه إلى الكتابة وفق صورة متخيلة عما يريد العالم أن يقرأه عنه.
لا ينبغي للكاتب العربي أن يكتب لنوبل، ولا أن يتجاهل العالم. عليه أن يكتب عمله بصدق وحرية وإتقان، وأن يترك للنص فرصة الوصول إلى الآخرين، وأن يشارك في بناء المؤسسات التي تجعل هذا الوصول ممكنًا.
أما نوبل، فينبغي أن تكون احتمالًا من احتمالات التقدير، لا المقياس الوحيد الذي نزن به أنفسنا. فالأدب العربي أوسع من جائزة واحدة، والكتابة الإنسانية لا تنحصر في قائمة الفائزين بها. ومع ذلك، فإن الرغبة في أن يصل صوتنا إلى العالم رغبة مشروعة، شريطة أن تقترن بالعمل والنقد والتطوير، لا بمجرد الشكوى.
وأعود إلى السؤال الذي بدأت منه: كيف يعبر صوت الإنسان حدود الزمن والجغرافيا؟
لا يعبرها لأنه ينتمي إلى حضارة قديمة، ولا لأنه يحمل هوية عظيمة، ولا لأن أحدًا قرر منحه جائزة. يعبرها عندما ينجح في تحويل تجربته الخاصة إلى معرفة إنسانية، وعندما يكتب عن عالمه بصدق يسمح للآخر بأن يرى فيه شيئًا من عالمه هو أيضًا.
إننا لا نحتاج إلى أن نثبت للعالم أننا أصحاب حضارة عظيمة؛ فالحضارة المصرية القديمة حقيقة تاريخية لا تتوقف على اعتراف أحد. ما نحتاج إليه هو أن نثبت، بالعمل والإبداع، أن هذه الحضارة ليست مجرد ماضٍ نتغنى به، بل طاقة للمعرفة والخيال والإنتاج في الحاضر.
لا أريد أن أرى كاتبًا عربيًا يفوز بنوبل لكي أشعر بأن أدبنا يستحق الحياة. أريد أن أرى أدبًا عربيًا قويًا ومتنوعًا وحُرًا، يجد قارئه في القاهرة وبيروت والرباط، كما يجده في روما وباريس وستوكهولم ونيويورك. أريد أن تُترجم أعمالنا لأنها تستحق القراءة، وأن تُناقش لأنها تطرح أسئلة مهمة، وأن تصل إلى العالم من دون أن تفقد روحها أو تتنكر لجذورها.
وعندما يحدث ذلك، لن يكون السؤال الوحيد: لماذا لم يحصل كاتب عربي على نوبل هذا العام؟ بل سيصبح لدينا سؤال أكثر أهمية: ما الأعمال التي كتبناها، وما الأفكار التي أضفناها، وما الذي جعل قارئًا في مكان بعيد يفتح كتابًا عربيًا، ويواصل قراءته حتى الصفحة الأخيرة؟
عندئذ لن نكون مجرد منتظرين لاعتراف العالم بنا، بل مشاركين في صنع الثقافة الإنسانية.
فالأثر الذي يبقى ليس هو الذي يعلو صوته أكثر من غيره، بل الذي يجد، بعد زمن طويل، إنسانًا آخر يتوقف أمامه ويسأل: من كان هنا؟ وماذا أراد أن يقول لنا؟