حين غاب المقال... وظهرت خريطة الحرب
من نتنياهو إلى تفخيخ الخليج: قراءة في مقالات عبد المجيد سويلم ومستقبل المنطقة
رؤية: يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
في صباح فلسطيني مثقل بالأخبار، غاب مقال عن صفحة صحيفة، لكن الأسئلة التي حملها لم تغب.
كتب الصديق عبد المجيد سويلم: «مقالي لهذا اليوم، تم حذفه من جريدة الأيام لأسباب أجهلها».
لم نعرف لماذا حُذف المقال. ولا أريد أن أضع في فم الصحيفة جوابًا لم تقله. لكن غياب كلمة، في زمن تتسع فيه خرائط الحروب، يستحق أن نتوقف عنده، خصوصًا حين تكون تلك الكلمة امتدادًا لمسار فكري أخذ يتقدم من سؤال إلى آخر، حتى وصل إلى واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط حساسية: الخليج العربي.
لم يكن مقاله «تفخيخ الخليج: اليمن مدخلًا!» معزولًا عن سلسلة مقالاته السابقة حول نتنياهو. كان، في تقديري، امتدادًا لها، وربما أكثرها جرأة في الانتقال من تحليل دولة الاحتلال إلى استشراف مستقبل المنطقة.
وهنا تتجاوز المسألة مقالًا غاب عن الصحيفة. فكلما اتسعت الأسئلة في قراءة عبد المجيد، ازداد احتياجنا إلى مناقشتها، لا إلى غيابها عن المجال العام.
ولهذا أتضامن مع الصديق عبد المجيد في حقه بالتعبير والنشر، وفي معرفة سبب حذف مقاله. لا لأنني أوافقه على كل استنتاج، بل لأن حرية الرأي لا تحتاج إلى اتفاقنا حتى تستحق الدفاع عنها.
بدأ عبد المجيد رحلته بسؤال يبدو بسيطًا: هل نتنياهو قائد تاريخي حقًا؟
كان الرجل حاضرًا في المشهد، لكن الكاتب مضى خلف صورته، إلى المؤسسات والأحزاب والتحالفات، إلى الانقلاب القضائي، وعقيدة القوة، وتصدعات المجتمع، ثم إلى ما سماه الانتقال من التلمودية السياسية إلى الإسبارطية الجديدة.
في المشهد القديم، كانت إسبرطة تستمد مكانتها من قوة السلاح. وفي المشهد الحديث، ترتفع الأبراج فوق الثكنات، وتتقدم التكنولوجيا على ظهور الدبابات، لكن السؤال يبقى: ماذا يحدث لدولة حين تصبح الحرب جزءًا من تصورها الدائم لنفسها وللعالم؟
هنا تبرز أهمية قراءة عبد المجيد.
فنتنياهو ليس مجرد رئيس حكومة يريد البقاء في السلطة. إنه أحد أبرز التعبيرات عن تحول سياسي واجتماعي أعمق داخل دولة الاحتلال، قد يستمر حتى لو غادر الرجل مكتبه.
وقد يخسر نتنياهو الانتخابات دون أن تخسر الأفكار التي غذّت مشروعه حضورها في المجتمع والمؤسسات والمستوطنات.
فليس كل تغيير في الحكومة تغييرًا في المشروع، وليس كل خلاف بين الأحزاب خلافًا حول الاحتلال. قد يتنازعون على القضاء والحريات وطبيعة الحكم والعلاقة مع الغرب، بينما يبقى الفلسطيني أمام الجدار ذاته، والحاجز ذاته، والمستوطنة التي تقترب كل يوم من أرضه.
وهكذا يصبح السؤال عن مستقبل نتنياهو أقل أهمية من السؤال عن مستقبل الدولة التي ساهم في إعادة تشكيلها.
ثم تتسع الدائرة.
غزة، حيث تحولت البيوت إلى ذاكرة من الركام، وحيث يبحث الإنسان عن مكان آمن بين ما تبقى من حياته.
الضفة الغربية، حيث تتمدد المستوطنات فوق التلال، وتتحول الطرق والحواجز إلى أدوات لإعادة رسم الجغرافيا.
لبنان وسورية وإيران، حيث تتداخل الجبهات، وتصبح الحدود خطوط تماس بين مشروعات إقليمية ودولية متصارعة.
في مقالاته اللاحقة، يقرأ عبد المجيد هذا المشهد باعتباره تعثرًا استراتيجيًا لمشروع نتنياهو، رغم ما حققته دولة الاحتلال من تفوق عسكري وقدرة على التدمير.
فثمة مسافة بين القدرة على ضرب الخصم والقدرة على إخضاعه، وبين الانتصار في معركة وبناء نظام إقليمي مستقر.
تستطيع القوة هدم مدينة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تجعل سكانها يقبلون مستقبلًا يُفرض عليهم.
وقد تستطيع دولة توسيع جبهات الحرب، لكنها لا تضمن أن تخرج منها أكثر أمنًا.
من هذه المفارقة يصل عبد المجيد إلى اليمن.
هناك، عند باب المندب، تضيق المسافة بين ضفتي البحر، وتتسع المصالح التي تعبره.
سفن محملة بالنفط والبضائع، وموانئ تعيش على حركة التجارة، ومدن خليجية شُيدت فيها مشروعات المستقبل. وعلى الضفة الأخرى يمن أنهكته الحروب، حتى صار السلام فيه حلمًا يتوارثه الأبناء عن الآباء.
في مقاله «تفخيخ الخليج: اليمن مدخلًا!»، يطرح عبد المجيد فرضية خطيرة: أن الحرب على اليمن قد لا تكون مجرد مواجهة مع أنصار الله أو وسيلة للضغط على إيران، بل مدخلًا لتوريط دول الخليج في استنزاف عسكري واقتصادي وسياسي، يعيد تشكيل موقعها في منظومة التحالفات الإقليمية.
ويذهب أبعد من ذلك، فيرى وراء هذا المسار قصدًا أميركيًا إسرائيليًا لإضعاف الخليج وتعميق اعتماده على الحماية الخارجية.
قد نختلف معه حول مدى ثبوت هذا القصد، لكن التحذير الذي يحمله المقال يستحق التأمل.
فالحروب لا تعيد توزيع القوة العسكرية وحدها، بل تعيد توزيع الخوف أيضًا.
والخوف، حين يدخل غرف القرار، قد يغير من سياسات الدول وتحالفاتها ما لا تغيره سنوات طويلة من المفاوضات.
وهنا أجد سؤالًا ينبغي إضافته إلى قراءة عبد المجيد:
هل يمكن أن تصبح الحرب على اليمن طريقًا غير مباشر لدفع السعودية ودول الخليج نحو ترتيبات أمنية مع دولة الاحتلال، كان من الصعب قبولها في الظروف الطبيعية؟
منذ سنوات، تسعى واشنطن إلى توسيع التطبيع العربي الإسرائيلي، وتحتل السعودية موقعًا محوريًا في هذه المساعي.
لكن المملكة، رغم تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ليست دولة يمكن نقلها بسهولة إلى تحالف معلن مع إسرائيل، متجاوزة القضية الفلسطينية وحساباتها السياسية والدينية والإقليمية.
وحين يربط ترامب في تصريحاته بين المساعدة الإسرائيلية للسعودية وإمكان تقدم العلاقات بينهما، فإننا نرى كيف يمكن أن تصبح الحماية الأمنية جزءًا من خطاب التطبيع.
هنا لا يعود السؤال عن الصواريخ التي قد تسقط، بل عن التحالفات التي قد تنهض فوق الخوف منها.
وقد لا يكون الوصول إلى صنعاء هو النتيجة السياسية الأهم للحرب، بقدر ما قد يكون إعادة رسم الطريق إلى الرياض.
لكن المنطقة ليست رقعة شطرنج تتحرك عليها الدول بإرادة لاعب واحد.
فالسعودية لها مصالحها وخياراتها، ودول الخليج ليست متطابقة في سياساتها. والحرب التي قد تدفع دولة نحو تحالف جديد قد تدفعها أيضًا إلى البحث عن استقلال أكبر في قرارها الأمني.
ومن هنا تكتسب المواقف المصرية أهمية خاصة.
حين يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر للدفاع عن أمن السعودية، مع التشديد على الطابع الدفاعي، يبرز احتمال بناء حماية عربية لا تستدعي بالضرورة توسيع الشراكة الأمنية مع دولة الاحتلال.
وقد يكون في هذا الموقف ما يحد من محاولات تقديم إسرائيل باعتبارها شريكًا لا غنى عنه في حماية الخليج، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن القاهرة أعلنت هذا الهدف.
ومصر، التي تنظر إلى البحر الأحمر وقناة السويس باعتبارهما جزءًا من أمنها ومصالحها الاقتصادية، تعرف أن النار إذا اشتعلت عند باب المندب فلن يبقى دخانها محصورًا في اليمن.
أما تركيا وباكستان، بما لهما من علاقات وتفاهمات أمنية مع السعودية، فتضيفان إلى المشهد احتمالات أخرى.
هل تتجه المنطقة نحو منظومة أمنية عربية وإقليمية أكثر استقلالًا؟ أم نحو تنافس جديد على تقديم الحماية واكتساب النفوذ؟
وهل يكون الأمن ثمرة تفاهم يحد من أسباب الحرب، أم نتيجة تحالفات تتسع كلما اتسعت ساحاتها؟
هنا تتجاوز قراءة عبد المجيد حدود اليمن، لتصل إلى سؤال عن هوية النظام الإقليمي الذي قد يولد من رحم الحرب.
لكن وسط هذه الخرائط كلها، أين فلسطين؟
أخشى أن تصبح القضية التي كانت يومًا مركز الصراع في المنطقة مجرد بند مؤجل في مفاوضات التحالفات الجديدة.
فبينما تتنافس الدول على الممرات البحرية والطاقة والتجارة والنفوذ، يستمر الاستيطان في ابتلاع الأرض الفلسطينية، وتبقى غزة أمام مأساة إنسانية وتاريخية لا يمكن اختزالها في نتائج المعارك.
ولا يكفي أن ننتظر تعثر نتنياهو، أو تغير الإدارة الأميركية، أو تبدل موازين القوى بين إيران ودولة الاحتلال.
فالعالم يتحرك، ومصالح الدول تتغير، وتحالفات الأمس ليست بالضرورة تحالفات الغد.
حتى الدول التي عرفناها يومًا أقرب إلى حقوقنا، بات بعضها يعيد ترتيب علاقاته ومصالحه بعيدًا عن ذاكرة التضامن التاريخي مع فلسطين.
ولا يكفي أن نغضب من هذه التحولات. علينا أن نفهم لماذا حدثت، وأن نسأل أنفسنا عن مسؤوليتنا في قراءتها والتعامل معها.
لقد دفع شعبنا أثمانًا هائلة، لكن عظمة التضحيات لا تعفينا من مراجعة السياسات، ولا تمنح قياداتنا حصانة من المساءلة.
نحتاج إلى استعادة وحدتنا الوطنية، وإعادة بناء مؤسساتنا وشرعيتنا على أسس وطنية وديمقراطية، وإلى سياسة فلسطينية تقرأ التحولات العالمية وتعيد صياغة تحالفاتها وفق مصالح شعبنا وحقوقه.
فلا يجوز أن نبقى ننتظر ما ستقرره العواصم الأخرى بشأن مستقبلنا، بينما نعجز عن الاتفاق على الطريق الذي نريد أن نسلكه بأنفسنا.
أعود إلى المقال الذي غاب عن «الأيام».
ثمة ما يستحق التأمل في المسافة التي قطعها عبد المجيد بين مقاله الأول ومقاله الأخير.
بدأ من نتنياهو، ثم انتقل إلى أزمة دولة الاحتلال، وإلى عقيدة القوة، وتعثر المشروع، واحتمالات التغيير الداخلي. وبعدها تجاوز الحدود إلى إيران واليمن والخليج، ليصل إلى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن تتحول الحروب إلى وسيلة لإعادة هندسة المنطقة وتحالفاتها؟
لم يكن انتقالًا من موضوع إلى آخر، بل تصاعدًا في التحليل، من شخصية الحاكم إلى طبيعة المشروع، ومن المشروع إلى أدوات القوة، ومن أدوات القوة إلى مستقبل الدول والشعوب التي قد تدفع ثمنها.
وعند هذه النقطة أعلن عبد المجيد أن مقاله حُذف.
لا أعرف إن كان مضمون المقال وراء القرار، ولا أريد تحويل التزامن إلى اتهام. لكن المفارقة تبقى: كلما اتسعت خريطة الحرب في قراءة الكاتب، وجد القارئ نفسه أمام سؤال عن المساحة المتاحة لنشر هذا التحذير.
وهنا يصبح التضامن مع عبد المجيد أبعد من الدفاع عن نص بعينه.
إنه دفاع عن حق الكاتب في أن يذهب بتحليله إلى نهاياته، وعن حق القارئ في أن يختبر تلك النهايات ويختلف معها.
فإذا كانت تقديرات عبد المجيد خاطئة، فلنواجهها بقراءة أعمق. وإذا كانت مبالغًا فيها، فلنناقشها. وإذا حملت شيئًا من الحقيقة، فلنمنح أنفسنا فرصة التفكير فيها قبل أن تتحول إلى واقع.
فالصحافة ليست مجرد صفحات تُملأ، بل نافذة يطل منها المجتمع على الأسئلة التي قد تحدد مصيره.
وما أحوجنا إلى النوافذ المفتوحة في زمن تتكاثر فيه الجدران.
ليل طويل فوق المنطقة.
أضواء القدس تتلألأ خلف الجدران، وغزة تحاول أن تستعيد أنفاسها، وصنعاء تنتظر صباحًا لا توقظه المدافع، والرياض تواصل بناء مدن المستقبل، والقاهرة تراقب البحر الأحمر، وطهران وواشنطن وتل أبيب تراجع كل منها حساباتها.
في غرف مغلقة، ينحني رجال فوق الخرائط، يحسبون مدى الصواريخ ومسارات الطائرات وموازين القوة.
وفي بيوت لا تظهر على تلك الخرائط، تنتظر أمهات أبناءهن، ويستعد أطفال ليوم جديد، ويحلم أناس عاديون بحياة لا تكون الحرب شرطًا لاستمرارها.
هناك من يرى في الحرب فرصة لإعادة ترتيب المنطقة، ومن يخشى أن تصبح الحماية اسمًا آخر للتبعية، ومن يبحث عن طريق إلى الأمن دون أن يتخلى عن حريته وقراره.
وفي قلب المشهد تبقى فلسطين، لا ورقة في حسابات القوى الكبرى، بل وطنًا لشعب يريد أن يعيش حرًا على أرضه.
وعند باب المندب، تمضي سفينة في عتمة البحر، تحمل بضائع لا تعرف شيئًا عن الخرائط المعلقة في غرف القرار.
أما المقال الذي غاب عن الصفحة، فقد ترك وراءه سؤالًا لا تستطيع صفحة واحدة أن تحتويه.
هل نسمح للحروب بأن تعيد رسم مستقبلنا، أم نملك من العقل والإرادة ما يكفي كي نرسمه بأنفسنا؟
إن أخطر ما قد يحدث لنا ليس أن نختلف حول الحرب القادمة، بل أن نفقد القدرة على مناقشة أسبابها قبل أن تبدأ.
ولهذا أتضامن مع عبد المجيد سويلم في حقه بأن يكتب، ومع القارئ في حقه بأن يقرأ، ومع كل عقل حر يرفض أن يصبح مستقبل هذه المنطقة قرارًا يُتخذ فوق رؤوس شعوبها.
فالحروب قد تبدأ حين يتحول الخوف إلى سياسة، والحماية إلى تبعية، والتحالف إلى ضرورة لا يملك أحد حق مناقشتها.
أما السلام، فلا يبدأ عندما تصمت المدافع وحدها، بل عندما تستعيد الشعوب حقها في أن تقرر لماذا تُرفع المدافع أصلًا، ولمن، ومن أجل ماذا.
يحيى بركات
من نتنياهو إلى تفخيخ الخليج: قراءة في مقالات عبد المجيد سويلم ومستقبل المنطقة
رؤية: يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
في صباح فلسطيني مثقل بالأخبار، غاب مقال عن صفحة صحيفة، لكن الأسئلة التي حملها لم تغب.
كتب الصديق عبد المجيد سويلم: «مقالي لهذا اليوم، تم حذفه من جريدة الأيام لأسباب أجهلها».
لم نعرف لماذا حُذف المقال. ولا أريد أن أضع في فم الصحيفة جوابًا لم تقله. لكن غياب كلمة، في زمن تتسع فيه خرائط الحروب، يستحق أن نتوقف عنده، خصوصًا حين تكون تلك الكلمة امتدادًا لمسار فكري أخذ يتقدم من سؤال إلى آخر، حتى وصل إلى واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط حساسية: الخليج العربي.
لم يكن مقاله «تفخيخ الخليج: اليمن مدخلًا!» معزولًا عن سلسلة مقالاته السابقة حول نتنياهو. كان، في تقديري، امتدادًا لها، وربما أكثرها جرأة في الانتقال من تحليل دولة الاحتلال إلى استشراف مستقبل المنطقة.
وهنا تتجاوز المسألة مقالًا غاب عن الصحيفة. فكلما اتسعت الأسئلة في قراءة عبد المجيد، ازداد احتياجنا إلى مناقشتها، لا إلى غيابها عن المجال العام.
ولهذا أتضامن مع الصديق عبد المجيد في حقه بالتعبير والنشر، وفي معرفة سبب حذف مقاله. لا لأنني أوافقه على كل استنتاج، بل لأن حرية الرأي لا تحتاج إلى اتفاقنا حتى تستحق الدفاع عنها.
بدأ عبد المجيد رحلته بسؤال يبدو بسيطًا: هل نتنياهو قائد تاريخي حقًا؟
كان الرجل حاضرًا في المشهد، لكن الكاتب مضى خلف صورته، إلى المؤسسات والأحزاب والتحالفات، إلى الانقلاب القضائي، وعقيدة القوة، وتصدعات المجتمع، ثم إلى ما سماه الانتقال من التلمودية السياسية إلى الإسبارطية الجديدة.
في المشهد القديم، كانت إسبرطة تستمد مكانتها من قوة السلاح. وفي المشهد الحديث، ترتفع الأبراج فوق الثكنات، وتتقدم التكنولوجيا على ظهور الدبابات، لكن السؤال يبقى: ماذا يحدث لدولة حين تصبح الحرب جزءًا من تصورها الدائم لنفسها وللعالم؟
هنا تبرز أهمية قراءة عبد المجيد.
فنتنياهو ليس مجرد رئيس حكومة يريد البقاء في السلطة. إنه أحد أبرز التعبيرات عن تحول سياسي واجتماعي أعمق داخل دولة الاحتلال، قد يستمر حتى لو غادر الرجل مكتبه.
وقد يخسر نتنياهو الانتخابات دون أن تخسر الأفكار التي غذّت مشروعه حضورها في المجتمع والمؤسسات والمستوطنات.
فليس كل تغيير في الحكومة تغييرًا في المشروع، وليس كل خلاف بين الأحزاب خلافًا حول الاحتلال. قد يتنازعون على القضاء والحريات وطبيعة الحكم والعلاقة مع الغرب، بينما يبقى الفلسطيني أمام الجدار ذاته، والحاجز ذاته، والمستوطنة التي تقترب كل يوم من أرضه.
وهكذا يصبح السؤال عن مستقبل نتنياهو أقل أهمية من السؤال عن مستقبل الدولة التي ساهم في إعادة تشكيلها.
ثم تتسع الدائرة.
غزة، حيث تحولت البيوت إلى ذاكرة من الركام، وحيث يبحث الإنسان عن مكان آمن بين ما تبقى من حياته.
الضفة الغربية، حيث تتمدد المستوطنات فوق التلال، وتتحول الطرق والحواجز إلى أدوات لإعادة رسم الجغرافيا.
لبنان وسورية وإيران، حيث تتداخل الجبهات، وتصبح الحدود خطوط تماس بين مشروعات إقليمية ودولية متصارعة.
في مقالاته اللاحقة، يقرأ عبد المجيد هذا المشهد باعتباره تعثرًا استراتيجيًا لمشروع نتنياهو، رغم ما حققته دولة الاحتلال من تفوق عسكري وقدرة على التدمير.
فثمة مسافة بين القدرة على ضرب الخصم والقدرة على إخضاعه، وبين الانتصار في معركة وبناء نظام إقليمي مستقر.
تستطيع القوة هدم مدينة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تجعل سكانها يقبلون مستقبلًا يُفرض عليهم.
وقد تستطيع دولة توسيع جبهات الحرب، لكنها لا تضمن أن تخرج منها أكثر أمنًا.
من هذه المفارقة يصل عبد المجيد إلى اليمن.
هناك، عند باب المندب، تضيق المسافة بين ضفتي البحر، وتتسع المصالح التي تعبره.
سفن محملة بالنفط والبضائع، وموانئ تعيش على حركة التجارة، ومدن خليجية شُيدت فيها مشروعات المستقبل. وعلى الضفة الأخرى يمن أنهكته الحروب، حتى صار السلام فيه حلمًا يتوارثه الأبناء عن الآباء.
في مقاله «تفخيخ الخليج: اليمن مدخلًا!»، يطرح عبد المجيد فرضية خطيرة: أن الحرب على اليمن قد لا تكون مجرد مواجهة مع أنصار الله أو وسيلة للضغط على إيران، بل مدخلًا لتوريط دول الخليج في استنزاف عسكري واقتصادي وسياسي، يعيد تشكيل موقعها في منظومة التحالفات الإقليمية.
ويذهب أبعد من ذلك، فيرى وراء هذا المسار قصدًا أميركيًا إسرائيليًا لإضعاف الخليج وتعميق اعتماده على الحماية الخارجية.
قد نختلف معه حول مدى ثبوت هذا القصد، لكن التحذير الذي يحمله المقال يستحق التأمل.
فالحروب لا تعيد توزيع القوة العسكرية وحدها، بل تعيد توزيع الخوف أيضًا.
والخوف، حين يدخل غرف القرار، قد يغير من سياسات الدول وتحالفاتها ما لا تغيره سنوات طويلة من المفاوضات.
وهنا أجد سؤالًا ينبغي إضافته إلى قراءة عبد المجيد:
هل يمكن أن تصبح الحرب على اليمن طريقًا غير مباشر لدفع السعودية ودول الخليج نحو ترتيبات أمنية مع دولة الاحتلال، كان من الصعب قبولها في الظروف الطبيعية؟
منذ سنوات، تسعى واشنطن إلى توسيع التطبيع العربي الإسرائيلي، وتحتل السعودية موقعًا محوريًا في هذه المساعي.
لكن المملكة، رغم تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ليست دولة يمكن نقلها بسهولة إلى تحالف معلن مع إسرائيل، متجاوزة القضية الفلسطينية وحساباتها السياسية والدينية والإقليمية.
وحين يربط ترامب في تصريحاته بين المساعدة الإسرائيلية للسعودية وإمكان تقدم العلاقات بينهما، فإننا نرى كيف يمكن أن تصبح الحماية الأمنية جزءًا من خطاب التطبيع.
هنا لا يعود السؤال عن الصواريخ التي قد تسقط، بل عن التحالفات التي قد تنهض فوق الخوف منها.
وقد لا يكون الوصول إلى صنعاء هو النتيجة السياسية الأهم للحرب، بقدر ما قد يكون إعادة رسم الطريق إلى الرياض.
لكن المنطقة ليست رقعة شطرنج تتحرك عليها الدول بإرادة لاعب واحد.
فالسعودية لها مصالحها وخياراتها، ودول الخليج ليست متطابقة في سياساتها. والحرب التي قد تدفع دولة نحو تحالف جديد قد تدفعها أيضًا إلى البحث عن استقلال أكبر في قرارها الأمني.
ومن هنا تكتسب المواقف المصرية أهمية خاصة.
حين يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر للدفاع عن أمن السعودية، مع التشديد على الطابع الدفاعي، يبرز احتمال بناء حماية عربية لا تستدعي بالضرورة توسيع الشراكة الأمنية مع دولة الاحتلال.
وقد يكون في هذا الموقف ما يحد من محاولات تقديم إسرائيل باعتبارها شريكًا لا غنى عنه في حماية الخليج، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن القاهرة أعلنت هذا الهدف.
ومصر، التي تنظر إلى البحر الأحمر وقناة السويس باعتبارهما جزءًا من أمنها ومصالحها الاقتصادية، تعرف أن النار إذا اشتعلت عند باب المندب فلن يبقى دخانها محصورًا في اليمن.
أما تركيا وباكستان، بما لهما من علاقات وتفاهمات أمنية مع السعودية، فتضيفان إلى المشهد احتمالات أخرى.
هل تتجه المنطقة نحو منظومة أمنية عربية وإقليمية أكثر استقلالًا؟ أم نحو تنافس جديد على تقديم الحماية واكتساب النفوذ؟
وهل يكون الأمن ثمرة تفاهم يحد من أسباب الحرب، أم نتيجة تحالفات تتسع كلما اتسعت ساحاتها؟
هنا تتجاوز قراءة عبد المجيد حدود اليمن، لتصل إلى سؤال عن هوية النظام الإقليمي الذي قد يولد من رحم الحرب.
لكن وسط هذه الخرائط كلها، أين فلسطين؟
أخشى أن تصبح القضية التي كانت يومًا مركز الصراع في المنطقة مجرد بند مؤجل في مفاوضات التحالفات الجديدة.
فبينما تتنافس الدول على الممرات البحرية والطاقة والتجارة والنفوذ، يستمر الاستيطان في ابتلاع الأرض الفلسطينية، وتبقى غزة أمام مأساة إنسانية وتاريخية لا يمكن اختزالها في نتائج المعارك.
ولا يكفي أن ننتظر تعثر نتنياهو، أو تغير الإدارة الأميركية، أو تبدل موازين القوى بين إيران ودولة الاحتلال.
فالعالم يتحرك، ومصالح الدول تتغير، وتحالفات الأمس ليست بالضرورة تحالفات الغد.
حتى الدول التي عرفناها يومًا أقرب إلى حقوقنا، بات بعضها يعيد ترتيب علاقاته ومصالحه بعيدًا عن ذاكرة التضامن التاريخي مع فلسطين.
ولا يكفي أن نغضب من هذه التحولات. علينا أن نفهم لماذا حدثت، وأن نسأل أنفسنا عن مسؤوليتنا في قراءتها والتعامل معها.
لقد دفع شعبنا أثمانًا هائلة، لكن عظمة التضحيات لا تعفينا من مراجعة السياسات، ولا تمنح قياداتنا حصانة من المساءلة.
نحتاج إلى استعادة وحدتنا الوطنية، وإعادة بناء مؤسساتنا وشرعيتنا على أسس وطنية وديمقراطية، وإلى سياسة فلسطينية تقرأ التحولات العالمية وتعيد صياغة تحالفاتها وفق مصالح شعبنا وحقوقه.
فلا يجوز أن نبقى ننتظر ما ستقرره العواصم الأخرى بشأن مستقبلنا، بينما نعجز عن الاتفاق على الطريق الذي نريد أن نسلكه بأنفسنا.
أعود إلى المقال الذي غاب عن «الأيام».
ثمة ما يستحق التأمل في المسافة التي قطعها عبد المجيد بين مقاله الأول ومقاله الأخير.
بدأ من نتنياهو، ثم انتقل إلى أزمة دولة الاحتلال، وإلى عقيدة القوة، وتعثر المشروع، واحتمالات التغيير الداخلي. وبعدها تجاوز الحدود إلى إيران واليمن والخليج، ليصل إلى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن تتحول الحروب إلى وسيلة لإعادة هندسة المنطقة وتحالفاتها؟
لم يكن انتقالًا من موضوع إلى آخر، بل تصاعدًا في التحليل، من شخصية الحاكم إلى طبيعة المشروع، ومن المشروع إلى أدوات القوة، ومن أدوات القوة إلى مستقبل الدول والشعوب التي قد تدفع ثمنها.
وعند هذه النقطة أعلن عبد المجيد أن مقاله حُذف.
لا أعرف إن كان مضمون المقال وراء القرار، ولا أريد تحويل التزامن إلى اتهام. لكن المفارقة تبقى: كلما اتسعت خريطة الحرب في قراءة الكاتب، وجد القارئ نفسه أمام سؤال عن المساحة المتاحة لنشر هذا التحذير.
وهنا يصبح التضامن مع عبد المجيد أبعد من الدفاع عن نص بعينه.
إنه دفاع عن حق الكاتب في أن يذهب بتحليله إلى نهاياته، وعن حق القارئ في أن يختبر تلك النهايات ويختلف معها.
فإذا كانت تقديرات عبد المجيد خاطئة، فلنواجهها بقراءة أعمق. وإذا كانت مبالغًا فيها، فلنناقشها. وإذا حملت شيئًا من الحقيقة، فلنمنح أنفسنا فرصة التفكير فيها قبل أن تتحول إلى واقع.
فالصحافة ليست مجرد صفحات تُملأ، بل نافذة يطل منها المجتمع على الأسئلة التي قد تحدد مصيره.
وما أحوجنا إلى النوافذ المفتوحة في زمن تتكاثر فيه الجدران.
ليل طويل فوق المنطقة.
أضواء القدس تتلألأ خلف الجدران، وغزة تحاول أن تستعيد أنفاسها، وصنعاء تنتظر صباحًا لا توقظه المدافع، والرياض تواصل بناء مدن المستقبل، والقاهرة تراقب البحر الأحمر، وطهران وواشنطن وتل أبيب تراجع كل منها حساباتها.
في غرف مغلقة، ينحني رجال فوق الخرائط، يحسبون مدى الصواريخ ومسارات الطائرات وموازين القوة.
وفي بيوت لا تظهر على تلك الخرائط، تنتظر أمهات أبناءهن، ويستعد أطفال ليوم جديد، ويحلم أناس عاديون بحياة لا تكون الحرب شرطًا لاستمرارها.
هناك من يرى في الحرب فرصة لإعادة ترتيب المنطقة، ومن يخشى أن تصبح الحماية اسمًا آخر للتبعية، ومن يبحث عن طريق إلى الأمن دون أن يتخلى عن حريته وقراره.
وفي قلب المشهد تبقى فلسطين، لا ورقة في حسابات القوى الكبرى، بل وطنًا لشعب يريد أن يعيش حرًا على أرضه.
وعند باب المندب، تمضي سفينة في عتمة البحر، تحمل بضائع لا تعرف شيئًا عن الخرائط المعلقة في غرف القرار.
أما المقال الذي غاب عن الصفحة، فقد ترك وراءه سؤالًا لا تستطيع صفحة واحدة أن تحتويه.
هل نسمح للحروب بأن تعيد رسم مستقبلنا، أم نملك من العقل والإرادة ما يكفي كي نرسمه بأنفسنا؟
إن أخطر ما قد يحدث لنا ليس أن نختلف حول الحرب القادمة، بل أن نفقد القدرة على مناقشة أسبابها قبل أن تبدأ.
ولهذا أتضامن مع عبد المجيد سويلم في حقه بأن يكتب، ومع القارئ في حقه بأن يقرأ، ومع كل عقل حر يرفض أن يصبح مستقبل هذه المنطقة قرارًا يُتخذ فوق رؤوس شعوبها.
فالحروب قد تبدأ حين يتحول الخوف إلى سياسة، والحماية إلى تبعية، والتحالف إلى ضرورة لا يملك أحد حق مناقشتها.
أما السلام، فلا يبدأ عندما تصمت المدافع وحدها، بل عندما تستعيد الشعوب حقها في أن تقرر لماذا تُرفع المدافع أصلًا، ولمن، ومن أجل ماذا.
يحيى بركات