عرض /محمد عباس محمد عرابي
المفارقة وأنواعها في قصص الأديب خالد الديب
إن المفارقة كأداة من الأدوات الفنية للعمل الأدبي السردي تمنح العمل
القصصي عمقه الدلالي وطاقته الإيحائية؛ إذ تقوم على إقامة مسافة بين ما
يبدو وما هو كائن، وبين ما تتوقعه الشخصية وما يحدث لها، وبين ما
تقوله وما تضمره، أو بين الصورة التي يقدمها الإنسان عن نفسه والحقيقة
التي يكشف عنها سلوكه. ومن خلال هذه المسافة تتولد الدهشة، وينكشف
التناقض، ويتحرر المعنى من دلالته المباشرة ليكتسب أبعادًا نفسية
واجتماعية وأخلاقية.
*ماهية المفارقة :
ليست المفارقة مجرد حادثة غريبة أو نهاية مفاجئة، بل هي بناء فني
يقوم على التناقض بين مستويين أو أكثر من مستويات الدلالة. فقد يقول
الإنسان عبارة ظاهرها الرضا وباطنها الاعتراض، وقد يسعى إلى تحقيق
غاية فينتهي إلى نقيضها، وقد يعتقد أنه يخدع الآخرين بينما تكشف أفعاله
عن خضوعه للأوهام نفسها التي يتستر وراءها.
وتتضح هذه الأبعاد في عدد من قصص الأديب إبراهيم الديب ، ومنها
«رحلة» و«المعلم عبده» و«بقرة جابر» و«الفتوة» و«النيش» و«الفيس
بوك» و«طريق الضباب». وتنبع أهمية المفارقة فيها من اتصالها
بتفاصيل الحياة اليومية؛ فالكاتب لا يحتاج دائمًا إلى مواقف استثنائية
لصناعتها، بل يستخرجها من العلاقات الأسرية، والعادات الاجتماعية،
والمصالح الاقتصادية، وطريقة الإنسان في تبرير أفعاله.
ويمكن رصد صور متعددة للمفارقة في قصص الديب، مع ملاحظة أن
هذه الصور قد تتداخل داخل النص الواحد، فتجتمع المفارقة النفسية
والاجتماعية والموقفية في مشهد واحد.
أولًا: المفارقة النفسية
تنبع المفارقة النفسية من التناقض داخل الذات الإنسانية؛ فقد يشعر
الإنسان بشيء ويدّعي نقيضه، أو يتمسك بسلوك يرهقه في الوقت الذي
يتمنى فيه التخلص منه، أو يرى نفسه حرًّا بينما تكشف أفعاله عن
خضوعه لقيود صنعها بنفسه.
وتظهر هذه الصورة بوضوح في قصة «رحلة»، التي تصور عم بشير،
وقد تجاوز السبعين، لكنه يواصل حياته اليومية بنشاط، ويذهب إلى السوق
قاطعًا المسافة بين بيته والسوق مشيًا، ويحرص على قضاء حاجات منزله
بنفسه، ولا يشعر بأنه فقد قدرته على الحركة أو الإقبال على الحياة.
غير أن بعض أقاربه ومعارفه يصرون على توصيله بالسيارات أو
الدراجات النارية، ويعرضون عليه إحضار احتياجاته بدلًا من الخروج
بنفسه. وتنبع المفارقة من التباين بين نيتهم المعلنة، وهي الرعاية والخوف
عليه، والأثر النفسي الذي تتركه تصرفاتهم في نفسه؛ إذ يشعر أنهم
يعاملونه باعتباره رجلًا عاجزًا لا ينبغي له مغادرة المنزل
ولا تقوم المفارقة هنا على أن الأقارب سيئو النية، فالنص يقرّ بأن
مشاعرهم نبيلة، وإنما تقوم على التباعد بين قصد الفعل ونتيجته. فهم
يريدون حمايته، لكنه يشعر بأن حمايتهم تمس استقلاله وحقه في إدارة
حياته.
وهذا التناقض هو الذي يمنح المشهد بعده الإنساني؛ فالمشكلة ليست في
المساعدة ذاتها، بل في الطريقة التي قد تتحول بها الرعاية إلى تقليل غير
مقصود من قدرة الإنسان على الاستقلال.
وتتعمق المفارقة حين ينظر عم بشير إلى الشيخوخة باعتبارها حالة نفسية
لا ينبغي أن تسلب الإنسان إقباله على الحياة. فالمحيطون به يربطون
العمر بالتراجع والاعتماد على الآخرين، بينما يصر هو على ممارسة
حياته وفق ما يشعر به من قدرة ونشاط.
فالمفارقة هنا تعد صراعًا بين صورتين للعمر: صورة يفرضها المجتمع
على المسن، وصورة يعيشها المسن في داخله.
أما في قصة «طريق الضباب»، فتظهر المفارقة في أن الشخصية التي
ترغب في كسر روتينها تجد أنها أسهمت بنفسها في إنشاء القيود التي
تعانيها. فهي تمارس حياتها تحت ضغط العادة، ثم تبحث عن مبررات
عقلية تقنع بها نفسها بأن اختياراتها كانت نابعة من إرادتها الحرة.
وتكشف هذه المفارقة عن تناقض بين الإرادة الفعلية والإرادة المتخيلة؛
فالإنسان قد يدافع عن اختياراته لا لأنه مقتنع بها حقًّا، بل لأنه يخشى
الاعتراف بأنه يعيش على خلاف ما يريد.
وبذلك لا تعود المفارقة النفسية مجرد وسيلة لإبراز اضطراب الشخصية،
بل تتحول إلى أداة لتحليل علاقتها بذاتها، وكشف الحيل التي قد يلجأ إليها
الوعي لحماية صورته عن نفسه.
ثانيًا: المفارقة الموقفية
المفارقة الموقفية هي التي تنشأ حين تتعارض النتيجة مع التوقع، أو حين
ينتهي الفعل إلى نتيجة تناقض الغاية التي سعى الفاعل إلى تحقيقها.
وتختلف عن المفارقة القولية؛ لأنها تتولد أساسًا من بنية الحدث وتطور
الموقف، لا من التناقض بين ظاهر العبارة وباطنها.
وتقدم قصة «بقرة جابر» نموذجًا بارزًا لهذا النوع؛ إذ يبدأ جابر من أزمة
مالية خانقة، ويبحث عن مخرج من الديون التي تحاصره. ثم تتحول
البقرة، التي كانت في البداية وسيلة محتملة للخلاص، إلى محور لمشروع
تتداخل فيه الأطماع والخداع والاحتيال.
ويبيع جابر حصصًا من البقرة لأكثر من مجموعة من المشترين، مستثمرًا
رغبتهم في امتلاكها والاستفادة من إنتاجها. ومع تضخم المبالغ التي
يجمعها، يتحول هدفه الأول، وهو التخلص من الضائقة المالية، إلى
انشغال بالمال ذاته، ثم إلى تفكير في الاستيلاء على أموال شركائه.
وتتدرج المفارقة هنا عبر مراحل متعاقبة؛ فالنجاة من الديون تتحول إلى
طمع، والطمع يتحول إلى تدبير احتيالي، ثم ينتهي جابر إلى قتل البقرة
وترويج خبر نفوقها عند الولادة، في محاولة للتخلص من التزاماته تجاه
المشترين.
إن المفارقة الأساسية أن جابر، الذي بدأ محاولته بحثًا عن مخرج من
مأزقه، يصنع بيده مأزقًا أخلاقيًّا أشد تعقيدًا. وما ظنه ذكاءً وقدرة على
التحكم في الظروف ينقلب إلى دليل على استسلامه للطمع.
وتقوم قوة المفارقة على التحول التدريجي في دوافع الشخصية؛ فلم يكن
المال في البداية غاية مطلقة، لكنه استحوذ على جابر حتى غدا هو الذي
يوجه سلوكه. وهكذا لا تفاجئنا النهاية بحدث غير مهيأ فحسب، بل تكشف
عن حقيقة كانت تتكون داخل الشخصية منذ البداية.
إنها مفارقة تكشف كيف يمكن للوسيلة أن تتحول إلى غاية، وكيف يمكن
للرغبة في الخلاص أن تنتهي إلى سقوط أخلاقي، حين ينفصل الطموح
عن الضوابط التي تمنحه مشروعيته.
ثالثًا: المفارقة الاجتماعية
تقوم المفارقة الاجتماعية على التناقض بين القيم التي يعلنها المجتمع
والسلوك الذي يمارسه أفراده، أو بين الصورة التي يحرص الناس على
إظهارها والحقيقة التي تكشفها تصرفاتهم.
وتبدو هذه الصورة واضحة في قصة «المعلم عبده»، من خلال تحول
مكانة الشخصية تبعًا لتحول الظروف والمصالح المحيطة بها. فعبده رجل
يعاني ضيق الرزق، ولا يحظى دائمًا بقبول المجموعة التي يجلس بينها،
ثم تتغير صورته حين يصبح قادرًا على استثمار مناسبة انتخابية وتحقيق
مكاسب منها.
وتنبع المفارقة من أن المكانة الاجتماعية لا تتحدد هنا بالضرورة بصفات
الإنسان الثابتة، وإنما بقدرته على التأثير في الآخرين ومسايرة مصالحهم.
فالشخص الذي لا يجد ترحيبًا في بعض المواقف يمكن أن يصبح موضع
اهتمام حين تتغير المنفعة المتوقعة منه.
و لا تكشف هذه المفارقة عن تناقض عبده وحده، بل تكشف كذلك عن
طبيعة العلاقات التي تحكم الجماعة؛ إذ تتبدل المواقف بتبدل المصلحة،
ويصبح الاعتراف الاجتماعي قابلًا للتغير وفق الظروف.
ومن ثم تتجاوز القصة حدود تصوير شخصية شعبية طريفة إلى مساءلة
مجتمع قد يمنح الإنسان قيمته بحسب ما يقدمه من منفعة، لا بحسب
جوهره الإنساني وحده.
وتتخذ المفارقة الاجتماعية صورة أخرى في قصة «النيش»، التي تناقش
تحوّل العرف الاجتماعي إلى سلطة تضاهي القانون في حياة الناس.
فالعادات التي نشأت بفعل الاختيار والتوافق البشري تكتسب، مع مرور
الزمن، قوة إلزامية تجعل الخروج عليها موضع اتهام وانتقاد.
وهنا تبدو المفارقة في أن ما صنعه المجتمع بإرادته أصبح يتحكم في
إرادته؛ فالناس الذين أسهموا في ترسيخ العرف يجدون أنفسهم لاحقًا
محكومين به، حتى إنهم قد يدافعون عنه كما لو كان حقيقة لا تقبل النقاش.
وتزداد المفارقة عمقًا حين تكتسب بعض المظاهر الاجتماعية منزلة تفوق
قيمتها العملية، فينشغل الأفراد بالمحافظة على الصورة التي يتطلبها
المجتمع، ولو جاء ذلك على حساب التوازن المادي أو الأولويات الأسرية.
وبهذا تصبح المفارقة أداة للكشف عن التناقض بين جوهر القيم الاجتماعية
ومظاهرها، وبين ما يفترض أن يخدم الإنسان وما ينتهي إلى فرض القيود
عليه.
رابعًا: المفارقة القولية أو اللفظية
تقوم المفارقة القولية على أن تحمل العبارة ظاهرًا دلاليًّا لا يتفق تمامًا مع
موقف قائلها أو مع السياق الذي وردت فيه. وقد تستخدم الشخصية ألفاظًا
توحي بالرضا، بينما تكشف نبرة الكلام أو ملابساته عن الاعتراض
والسخط.
ومن الشواهد الدالة على ذلك في قصة «المعلم عبده» حديثه عن أسرة
كانت تعيش في ضيق، ثم تحسنت أحوالها بعد المصاهرة واتسعت
مصالحها وثروتها، ليعقب على هذا التحول بعبارة «سبحان العاطي»، ثم
يقول بنبرة يُفهم منها الاعتراض: «اللهم لا اعتراض».
إن العبارة الأخيرة، في معناها الحرفي، إعلان للتسليم والرضا، غير أن
السياق يمنحها دلالة مغايرة. فطريقة الحكي والنبرة التي يوردها النص
تكشفان أن القائل ليس محايدًا تمامًا تجاه التحول الذي طرأ على أحوال
الأسرة.
وتنشأ المفارقة من المسافة بين القول والموقف؛ فاللسان يعلن عدم
الاعتراض، بينما توحي الملابسات بوجود اعتراض مكتوم أو استياء لا
يريد القائل التصريح به مباشرة.
وتكشف هذه الصورة عن جانب من طبيعة التعبير الشعبي، حيث قد
يستخدم الإنسان العبارات المألوفة لتمرير موقفه دون أن يعلنه صراحة.
فاللغة لا تؤدي وظيفتها المعجمية وحدها، بل تحمل إشارات اجتماعية
ونفسية يفهمها المتلقي من نبرة الكلام وسياقه.
وتمنح هذه المفارقة الشخصية طابعًا خاصًّا، لأنها تكشف ما وراء العبارة
المعلنة، وتتيح للقارئ أن يشارك في تفسير المقصود دون أن يتولى
الراوي شرحه شرحًا مباشرًا.
خامسًا: المفارقة بين المظهر والحقيقة
تقوم هذه الصورة على التناقض بين ما تبدو عليه الشخصية في أعين
الناس وما تكشفه حقيقتها، أو بين السمعة المتداولة عنها والوقائع التي
تظهر في مجرى الحكاية.
ويمكن رصد ملامح هذه المفارقة في قصة «الفتوة»، من خلال العلاقة
بين الصورة التي نسجها عم مصطفى عن نفسه، وما يكشفه السرد عن
شخصيته وقدراته الفعلية.
فهو رجل يحاول فرض حضوره على مجموعة المقهى، ويكثر من
الحكايات التي تمنحه صفات القوة والجرأة والقدرة على مواجهة الخصوم،
بينما يقدم النص شخصيته في البداية بصورة أقرب إلى السذاجة وضعف
البديهة.
ثم يأتي الحوار الذي يستعيد فيه أحد الجالسين حكايات عم مصطفى القديمة
عن معاركه ومواقفه، ويعيدها إلى مسامعه بطريقة تحمل قدرًا من
الاستخفاف به، وكأن الجماعة لم تعد تتعامل مع تلك الحكايات باعتبارها
حقائق مهيبة، بل باعتبارها مادة معروفة ومتكررة.
وتنبع المفارقة من الفجوة بين الصورة التي يحاول الرجل ترسيخها عن
نفسه وبين الطريقة التي يتلقاه بها الآخرون. إنه يريد أن يكون بطل
الحكاية، لكن الحكاية تتحول إلى أداة لكشف حدود بطولته المتخيلة.
وهنا تصبح سلطة الحكي نفسها موضعًا للمفارقة؛ فعم مصطفى اعتاد تقديم
روايته عن ذاته، لكن أحد أفراد الجماعة يستولي على حق السرد، ويعيد
تقديمه من زاوية مختلفة، فيسقط احتكاره لصناعة صورته أمام الآخرين.
وتكشف القصة بذلك عن أن السمعة ليست حقيقة ثابتة، بل صورة تتشكل
عبر روايات متعددة، وقد تتغير حين يتولى الآخرون إعادة سرد الماضي.
سادسًا: المفارقة بين القيم المعلنة والسلوك الفعلي
تتخذ المفارقة بعدًا أخلاقيًّا حين تتعارض المبادئ التي يعلنها الإنسان مع
أفعاله الواقعية. فالشخصية قد تتحدث عن الدين أو الفضيلة أو العدل، لكنها
تمارس سلوكًا لا ينسجم مع ما تعلنه من قيم، أو قد تستخدم المفردات
الأخلاقية لتبرير مصلحة شخصية.
وفي قصة «النيش»، لا يتجلى هذا التناقض في موقف فردي فحسب، بل
في منظومة اجتماعية تتحول فيها الأعراف إلى التزامات صارمة، وتُعامل
بعض المظاهر وكأنها من المسلمات التي لا يجوز الاعتراض عليها.
والمفارقة هنا أن المجتمع الذي يُفترض أن تكون عاداته وسيلةً لتنظيم
الحياة وتيسيرها قد يجعلها سببًا في إثقالها. فالعرف الذي نشأ نتيجة
الممارسة البشرية يكتسب مع الزمن سلطة تدفع الناس إلى الدفاع عنه،
حتى عندما يحتاج إلى مراجعة أو تعديل.
ولا يعني هذا أن كل عرف اجتماعي مرفوض، بل إن المفارقة تكمن في
تحول العادة من وسيلة مرنة لتنظيم الحياة إلى معيار جامد للحكم على
الناس وتحديد مكانتهم.
وتتصل بهذه الصورة مفارقة أوسع تتمثل في استخدام الخطاب الأخلاقي
لتغطية المصلحة أو الدفاع عن المظاهر؛ إذ لا تكون المشكلة في القيم
ذاتها، وإنما في المسافة بين معانيها الحقيقية والوظائف التي تُسخَّر لها في
الواقع.
ومن هنا تتحول المفارقة إلى وسيلة نقد اجتماعي، لأنها لا تكتفي بعرض
السلوك، بل تدفع القارئ إلى مساءلة المنظومة التي تمنحه شرعيته.
سابعًا: المفارقة السردية والميتاسردية
قد تنشأ المفارقة من طريقة تنظيم الحكاية نفسها، لا من مضمونها وحده؛
وذلك حين يصبح القارئ شاهدًا على تناقض بين ما تتوقعه الشخصية وما
يعرفه السرد، أو حين يتدخل النص في مساءلة طبيعة الحكاية وحدودها.
ويبرز هذا البعد في المقطع الذي يواجه فيه الأستاذ عابد، مؤلف القصة،
بطله ويطالبه بالخروج من قصته، بينما يرد البطل بأنه سيغادرها ويصنع
لنفسه نجاحًا خارجها.
فالمفارقة هنا مزدوجة: الشخصية التي يفترض أن تكون خاضعة للمؤلف
تعلن استقلالها عنه، والقصة التي يفترض أن تخفي آليات صنعها تكشف
للقارئ عن وجود المؤلف وسلطته.
إنها مفارقة سردية تتخذ من التمرد على البناء القصصي موضوعًا لها.
ويصبح الصراع بين المؤلف والبطـل انعكاسًا لصراع أوسع بين السلطة
والحرية، وبين الصورة التي يفرضها الآخرون على الفرد والصورة التي
يحاول أن يصنعها لنفسه.
وتختلف هذه المفارقة عن المفارقة الموقفية التقليدية؛ لأن المفاجأة لا تنشأ
من حدث يقع داخل عالم الحكاية فقط، بل من زعزعة الحدود التي تفصل
هذا العالم عن فعل الكتابة الذي أنشأه.
وتتجلى أهمية هذه التقنية في أنها تمنح النص قدرة على مساءلة ذاته،
وتفتح المجال لتأمل العلاقة بين الواقع والتخييل، وبين إرادة المؤلف
واستقلال الشخصية المتخيلة.
ثامنًا: المفارقة الزمنية بين الذاكرة والواقع
تظهر المفارقة الزمنية حين تتعارض صورة الماضي المستقرة في الذاكرة
مع واقع الحاضر، أو حين يكتشف الإنسان أن الزمن الذي عاشه في
ذاكرته يختلف عن الصورة التي يراه بها الآخرون.
وتتجلى بعض ملامحها في قصة «رحلة»، حيث يرى عم بشير نفسه
قادرًا على مواصلة حياته اليومية بنشاط، بينما يتعامل المحيطون به على
أساس أنه بلغ من العمر مرحلة تستدعي الانسحاب من النشاط المعتاد.
ولا تقوم المفارقة هنا على اختلاف في العمر الزمني، بل على اختلاف
في معنى العمر نفسه. فالمسن لا يشعر بأن السنوات أفقدته قدرته على
الحركة، في حين يرى الآخرون أن تقدمه في السن يستلزم تقليل نشاطه
والاعتماد عليهم.
وتكشف هذه المسافة عن أن الزمن لا يُعاش بطريقة واحدة؛ فقد يظل
الإنسان محتفظًا بإحساس داخلي بالحيوية، في الوقت الذي يتعامل فيه
المجتمع معه وفق تصنيف عمري جاهز.
وتتصل بهذه الصورة مفارقة الذاكرة في القصص التي تستعيد عادات
الماضي أو أماكنه؛ فما يبدو في الذاكرة جميلًا أو مألوفًا قد يظهر في
الحاضر على صورة مختلفة، وما كان يُعد أمرًا عاديًّا في زمن سابق قد
يصبح موضوعًا للتأمل بعد تغير الظروف.
وهكذا تصبح المفارقة الزمنية وسيلة لكشف المسافة بين التجربة كما
عاشها الإنسان، والتجربة كما يعيد تفسيرها في الحاضر.
تاسعًا: الوظائف الفنية للمفارقة في قصص إبراهيم الديب
إن تعدد صور المفارقة في القصص لا يمثل مجرد تنويع بلاغي، بل
يؤدي وظائف فنية وفكرية متشابكة.
أولًا: كشف المسكوت عنه. تتيح المفارقة للكاتب أن يكشف التناقض دون
أن يضطر إلى التصريح بالحكم على الشخصية أو المجتمع. فعبارة «اللهم
لا اعتراض» تكشف، في سياقها، ما تعجز العبارة المباشرة عن إظهاره
من استياء مكتوم.
ثانيًا: تعميق بناء الشخصية. تكشف المفارقة أن الشخصية ليست صورة
أحادية؛ فعبده يتأرجح بين الحكي والتذمر، وجابر بين الرغبة في الخلاص
والطمع، وعم بشير بين الامتنان لأقاربه والشعور بأن مساعدتهم تنتقص
من استقلاله.
ثالثًا: إشراك القارئ في إنتاج الدلالة. لا تقدم المفارقة المعنى دائمًا
بصورة جاهزة، بل تترك للمتلقي مهمة الربط بين القول والسياق، وبين
النية والنتيجة، وبين الصورة الخارجية والحقيقة الكامنة.
رابعًا: نقد الواقع الاجتماعي. تكشف المفارقة التناقض بين ما يُفترض أن
تحققه العلاقات الاجتماعية من تكافل واحترام وما قد ينشأ داخلها من
ضغط أو استغلال أو انتقاص غير مقصود من حرية الفرد.
خامسًا: توليد الدهشة وإعادة تفسير الأحداث. حين ينتهي سعي جابر إلى
التخلص من الديون إلى تورطه في الخداع، أو حين تتحول رعاية الأقارب
لعم بشير إلى سبب لحزنه، يعيد القارئ النظر في المقدمات التي بنى عليها
فهمه للموقف.
سادسًا: الجمع بين النقد والإمتاع. تمنح المفارقة النص طرافة فنية دون
أن تفقده عمقه؛ إذ يمكن للقارئ أن يبتسم من تناقض في القول أو السلوك،
ثم يكتشف وراءه قضية إنسانية أو اجتماعية جادة.
خاتمة
تكشف المفارقة في هذه القصص عن قدرة فنية على النفاذ من ظاهر
الوقائع إلى تناقضاتها الداخلية. فهي تتخذ صورة اجتماعية حين تكشف
التفاوت بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، وصورة موقفية حين تنتهي
الأفعال إلى نتائج تناقض أهدافها، وصورة نفسية حين يتعارض ما يشعر
به الإنسان مع ما يعلنه أو يفرضه على نفسه، وصورة قولية حين تحمل
العبارة ظاهرًا من الرضا يخفي اعتراضًا أو استياءً.
كما تتضح في التناقض بين الصورة والحقيقة، وبين المظهر والجوهر،
وبين الزمن الذي يعيشه الإنسان في داخله والزمن الذي يصنفه المجتمع
على أساسه. وقد تتداخل هذه الصور في النص الواحد، فيصبح الموقف
الاجتماعي في الوقت نفسه مفارقة نفسية، ويغدو القول الشعبي حاملًا
لمفارقة لفظية واجتماعية، وتتحول الحكاية إلى وسيلة لمساءلة آليات السرد
ذاته.
وتكشف هذه النماذج أن المفارقة ليست مجرد حيلة لإدهاش القارئ، وإنما
وسيلة لفهم الإنسان في تناقضاته، ورصد المسافة بين ما يريد أن يكونه
وما يكشف عنه سلوكه، وبين ما يراه المجتمع حقيقة وما يخفيه الواقع من
دوافع وملابسات.
ولعل أعمق صور المفارقة في هذه القصص تلك التي تجعل الإنسان
شريكًا في صناعة المأزق الذي يعانيه: فجابر يبحث عن الخلاص فيدفعه
الطمع إلى مزيد من السقوط، وعم بشير يتلقى الرعاية فيشعر بأن استقلاله
مهدد، والشخصية في «طريق الضباب» تصنع قيدها بيديها ثم تبحث عن
سبيل للخلاص منه، وصاحب الحكاية في «الفتوة» يحاول إحكام صورته
أمام الناس فتفضح الحكايات المتداولة حدودها.
وهكذا تصبح المفارقة أداة فنية للكشف والمساءلة، لا لأنها تعرض نقيضين
متجاورين فحسب، بل لأنها تجعل القارئ يكتشف أن الحقيقة الإنسانية
غالبًا ما تسكن المسافة بينهما؛ في المنطقة التي تتصادم فيها النيات مع
النتائج، والأقوال مع الأفعال، والطموحات مع الواقع، والصور التي
نصنعها لأنفسنا مع الحقائق التي تكشفها
المفارقة وأنواعها في قصص الأديب خالد الديب
إن المفارقة كأداة من الأدوات الفنية للعمل الأدبي السردي تمنح العمل
القصصي عمقه الدلالي وطاقته الإيحائية؛ إذ تقوم على إقامة مسافة بين ما
يبدو وما هو كائن، وبين ما تتوقعه الشخصية وما يحدث لها، وبين ما
تقوله وما تضمره، أو بين الصورة التي يقدمها الإنسان عن نفسه والحقيقة
التي يكشف عنها سلوكه. ومن خلال هذه المسافة تتولد الدهشة، وينكشف
التناقض، ويتحرر المعنى من دلالته المباشرة ليكتسب أبعادًا نفسية
واجتماعية وأخلاقية.
*ماهية المفارقة :
ليست المفارقة مجرد حادثة غريبة أو نهاية مفاجئة، بل هي بناء فني
يقوم على التناقض بين مستويين أو أكثر من مستويات الدلالة. فقد يقول
الإنسان عبارة ظاهرها الرضا وباطنها الاعتراض، وقد يسعى إلى تحقيق
غاية فينتهي إلى نقيضها، وقد يعتقد أنه يخدع الآخرين بينما تكشف أفعاله
عن خضوعه للأوهام نفسها التي يتستر وراءها.
وتتضح هذه الأبعاد في عدد من قصص الأديب إبراهيم الديب ، ومنها
«رحلة» و«المعلم عبده» و«بقرة جابر» و«الفتوة» و«النيش» و«الفيس
بوك» و«طريق الضباب». وتنبع أهمية المفارقة فيها من اتصالها
بتفاصيل الحياة اليومية؛ فالكاتب لا يحتاج دائمًا إلى مواقف استثنائية
لصناعتها، بل يستخرجها من العلاقات الأسرية، والعادات الاجتماعية،
والمصالح الاقتصادية، وطريقة الإنسان في تبرير أفعاله.
ويمكن رصد صور متعددة للمفارقة في قصص الديب، مع ملاحظة أن
هذه الصور قد تتداخل داخل النص الواحد، فتجتمع المفارقة النفسية
والاجتماعية والموقفية في مشهد واحد.
أولًا: المفارقة النفسية
تنبع المفارقة النفسية من التناقض داخل الذات الإنسانية؛ فقد يشعر
الإنسان بشيء ويدّعي نقيضه، أو يتمسك بسلوك يرهقه في الوقت الذي
يتمنى فيه التخلص منه، أو يرى نفسه حرًّا بينما تكشف أفعاله عن
خضوعه لقيود صنعها بنفسه.
وتظهر هذه الصورة بوضوح في قصة «رحلة»، التي تصور عم بشير،
وقد تجاوز السبعين، لكنه يواصل حياته اليومية بنشاط، ويذهب إلى السوق
قاطعًا المسافة بين بيته والسوق مشيًا، ويحرص على قضاء حاجات منزله
بنفسه، ولا يشعر بأنه فقد قدرته على الحركة أو الإقبال على الحياة.
غير أن بعض أقاربه ومعارفه يصرون على توصيله بالسيارات أو
الدراجات النارية، ويعرضون عليه إحضار احتياجاته بدلًا من الخروج
بنفسه. وتنبع المفارقة من التباين بين نيتهم المعلنة، وهي الرعاية والخوف
عليه، والأثر النفسي الذي تتركه تصرفاتهم في نفسه؛ إذ يشعر أنهم
يعاملونه باعتباره رجلًا عاجزًا لا ينبغي له مغادرة المنزل
ولا تقوم المفارقة هنا على أن الأقارب سيئو النية، فالنص يقرّ بأن
مشاعرهم نبيلة، وإنما تقوم على التباعد بين قصد الفعل ونتيجته. فهم
يريدون حمايته، لكنه يشعر بأن حمايتهم تمس استقلاله وحقه في إدارة
حياته.
وهذا التناقض هو الذي يمنح المشهد بعده الإنساني؛ فالمشكلة ليست في
المساعدة ذاتها، بل في الطريقة التي قد تتحول بها الرعاية إلى تقليل غير
مقصود من قدرة الإنسان على الاستقلال.
وتتعمق المفارقة حين ينظر عم بشير إلى الشيخوخة باعتبارها حالة نفسية
لا ينبغي أن تسلب الإنسان إقباله على الحياة. فالمحيطون به يربطون
العمر بالتراجع والاعتماد على الآخرين، بينما يصر هو على ممارسة
حياته وفق ما يشعر به من قدرة ونشاط.
فالمفارقة هنا تعد صراعًا بين صورتين للعمر: صورة يفرضها المجتمع
على المسن، وصورة يعيشها المسن في داخله.
أما في قصة «طريق الضباب»، فتظهر المفارقة في أن الشخصية التي
ترغب في كسر روتينها تجد أنها أسهمت بنفسها في إنشاء القيود التي
تعانيها. فهي تمارس حياتها تحت ضغط العادة، ثم تبحث عن مبررات
عقلية تقنع بها نفسها بأن اختياراتها كانت نابعة من إرادتها الحرة.
وتكشف هذه المفارقة عن تناقض بين الإرادة الفعلية والإرادة المتخيلة؛
فالإنسان قد يدافع عن اختياراته لا لأنه مقتنع بها حقًّا، بل لأنه يخشى
الاعتراف بأنه يعيش على خلاف ما يريد.
وبذلك لا تعود المفارقة النفسية مجرد وسيلة لإبراز اضطراب الشخصية،
بل تتحول إلى أداة لتحليل علاقتها بذاتها، وكشف الحيل التي قد يلجأ إليها
الوعي لحماية صورته عن نفسه.
ثانيًا: المفارقة الموقفية
المفارقة الموقفية هي التي تنشأ حين تتعارض النتيجة مع التوقع، أو حين
ينتهي الفعل إلى نتيجة تناقض الغاية التي سعى الفاعل إلى تحقيقها.
وتختلف عن المفارقة القولية؛ لأنها تتولد أساسًا من بنية الحدث وتطور
الموقف، لا من التناقض بين ظاهر العبارة وباطنها.
وتقدم قصة «بقرة جابر» نموذجًا بارزًا لهذا النوع؛ إذ يبدأ جابر من أزمة
مالية خانقة، ويبحث عن مخرج من الديون التي تحاصره. ثم تتحول
البقرة، التي كانت في البداية وسيلة محتملة للخلاص، إلى محور لمشروع
تتداخل فيه الأطماع والخداع والاحتيال.
ويبيع جابر حصصًا من البقرة لأكثر من مجموعة من المشترين، مستثمرًا
رغبتهم في امتلاكها والاستفادة من إنتاجها. ومع تضخم المبالغ التي
يجمعها، يتحول هدفه الأول، وهو التخلص من الضائقة المالية، إلى
انشغال بالمال ذاته، ثم إلى تفكير في الاستيلاء على أموال شركائه.
وتتدرج المفارقة هنا عبر مراحل متعاقبة؛ فالنجاة من الديون تتحول إلى
طمع، والطمع يتحول إلى تدبير احتيالي، ثم ينتهي جابر إلى قتل البقرة
وترويج خبر نفوقها عند الولادة، في محاولة للتخلص من التزاماته تجاه
المشترين.
إن المفارقة الأساسية أن جابر، الذي بدأ محاولته بحثًا عن مخرج من
مأزقه، يصنع بيده مأزقًا أخلاقيًّا أشد تعقيدًا. وما ظنه ذكاءً وقدرة على
التحكم في الظروف ينقلب إلى دليل على استسلامه للطمع.
وتقوم قوة المفارقة على التحول التدريجي في دوافع الشخصية؛ فلم يكن
المال في البداية غاية مطلقة، لكنه استحوذ على جابر حتى غدا هو الذي
يوجه سلوكه. وهكذا لا تفاجئنا النهاية بحدث غير مهيأ فحسب، بل تكشف
عن حقيقة كانت تتكون داخل الشخصية منذ البداية.
إنها مفارقة تكشف كيف يمكن للوسيلة أن تتحول إلى غاية، وكيف يمكن
للرغبة في الخلاص أن تنتهي إلى سقوط أخلاقي، حين ينفصل الطموح
عن الضوابط التي تمنحه مشروعيته.
ثالثًا: المفارقة الاجتماعية
تقوم المفارقة الاجتماعية على التناقض بين القيم التي يعلنها المجتمع
والسلوك الذي يمارسه أفراده، أو بين الصورة التي يحرص الناس على
إظهارها والحقيقة التي تكشفها تصرفاتهم.
وتبدو هذه الصورة واضحة في قصة «المعلم عبده»، من خلال تحول
مكانة الشخصية تبعًا لتحول الظروف والمصالح المحيطة بها. فعبده رجل
يعاني ضيق الرزق، ولا يحظى دائمًا بقبول المجموعة التي يجلس بينها،
ثم تتغير صورته حين يصبح قادرًا على استثمار مناسبة انتخابية وتحقيق
مكاسب منها.
وتنبع المفارقة من أن المكانة الاجتماعية لا تتحدد هنا بالضرورة بصفات
الإنسان الثابتة، وإنما بقدرته على التأثير في الآخرين ومسايرة مصالحهم.
فالشخص الذي لا يجد ترحيبًا في بعض المواقف يمكن أن يصبح موضع
اهتمام حين تتغير المنفعة المتوقعة منه.
و لا تكشف هذه المفارقة عن تناقض عبده وحده، بل تكشف كذلك عن
طبيعة العلاقات التي تحكم الجماعة؛ إذ تتبدل المواقف بتبدل المصلحة،
ويصبح الاعتراف الاجتماعي قابلًا للتغير وفق الظروف.
ومن ثم تتجاوز القصة حدود تصوير شخصية شعبية طريفة إلى مساءلة
مجتمع قد يمنح الإنسان قيمته بحسب ما يقدمه من منفعة، لا بحسب
جوهره الإنساني وحده.
وتتخذ المفارقة الاجتماعية صورة أخرى في قصة «النيش»، التي تناقش
تحوّل العرف الاجتماعي إلى سلطة تضاهي القانون في حياة الناس.
فالعادات التي نشأت بفعل الاختيار والتوافق البشري تكتسب، مع مرور
الزمن، قوة إلزامية تجعل الخروج عليها موضع اتهام وانتقاد.
وهنا تبدو المفارقة في أن ما صنعه المجتمع بإرادته أصبح يتحكم في
إرادته؛ فالناس الذين أسهموا في ترسيخ العرف يجدون أنفسهم لاحقًا
محكومين به، حتى إنهم قد يدافعون عنه كما لو كان حقيقة لا تقبل النقاش.
وتزداد المفارقة عمقًا حين تكتسب بعض المظاهر الاجتماعية منزلة تفوق
قيمتها العملية، فينشغل الأفراد بالمحافظة على الصورة التي يتطلبها
المجتمع، ولو جاء ذلك على حساب التوازن المادي أو الأولويات الأسرية.
وبهذا تصبح المفارقة أداة للكشف عن التناقض بين جوهر القيم الاجتماعية
ومظاهرها، وبين ما يفترض أن يخدم الإنسان وما ينتهي إلى فرض القيود
عليه.
رابعًا: المفارقة القولية أو اللفظية
تقوم المفارقة القولية على أن تحمل العبارة ظاهرًا دلاليًّا لا يتفق تمامًا مع
موقف قائلها أو مع السياق الذي وردت فيه. وقد تستخدم الشخصية ألفاظًا
توحي بالرضا، بينما تكشف نبرة الكلام أو ملابساته عن الاعتراض
والسخط.
ومن الشواهد الدالة على ذلك في قصة «المعلم عبده» حديثه عن أسرة
كانت تعيش في ضيق، ثم تحسنت أحوالها بعد المصاهرة واتسعت
مصالحها وثروتها، ليعقب على هذا التحول بعبارة «سبحان العاطي»، ثم
يقول بنبرة يُفهم منها الاعتراض: «اللهم لا اعتراض».
إن العبارة الأخيرة، في معناها الحرفي، إعلان للتسليم والرضا، غير أن
السياق يمنحها دلالة مغايرة. فطريقة الحكي والنبرة التي يوردها النص
تكشفان أن القائل ليس محايدًا تمامًا تجاه التحول الذي طرأ على أحوال
الأسرة.
وتنشأ المفارقة من المسافة بين القول والموقف؛ فاللسان يعلن عدم
الاعتراض، بينما توحي الملابسات بوجود اعتراض مكتوم أو استياء لا
يريد القائل التصريح به مباشرة.
وتكشف هذه الصورة عن جانب من طبيعة التعبير الشعبي، حيث قد
يستخدم الإنسان العبارات المألوفة لتمرير موقفه دون أن يعلنه صراحة.
فاللغة لا تؤدي وظيفتها المعجمية وحدها، بل تحمل إشارات اجتماعية
ونفسية يفهمها المتلقي من نبرة الكلام وسياقه.
وتمنح هذه المفارقة الشخصية طابعًا خاصًّا، لأنها تكشف ما وراء العبارة
المعلنة، وتتيح للقارئ أن يشارك في تفسير المقصود دون أن يتولى
الراوي شرحه شرحًا مباشرًا.
خامسًا: المفارقة بين المظهر والحقيقة
تقوم هذه الصورة على التناقض بين ما تبدو عليه الشخصية في أعين
الناس وما تكشفه حقيقتها، أو بين السمعة المتداولة عنها والوقائع التي
تظهر في مجرى الحكاية.
ويمكن رصد ملامح هذه المفارقة في قصة «الفتوة»، من خلال العلاقة
بين الصورة التي نسجها عم مصطفى عن نفسه، وما يكشفه السرد عن
شخصيته وقدراته الفعلية.
فهو رجل يحاول فرض حضوره على مجموعة المقهى، ويكثر من
الحكايات التي تمنحه صفات القوة والجرأة والقدرة على مواجهة الخصوم،
بينما يقدم النص شخصيته في البداية بصورة أقرب إلى السذاجة وضعف
البديهة.
ثم يأتي الحوار الذي يستعيد فيه أحد الجالسين حكايات عم مصطفى القديمة
عن معاركه ومواقفه، ويعيدها إلى مسامعه بطريقة تحمل قدرًا من
الاستخفاف به، وكأن الجماعة لم تعد تتعامل مع تلك الحكايات باعتبارها
حقائق مهيبة، بل باعتبارها مادة معروفة ومتكررة.
وتنبع المفارقة من الفجوة بين الصورة التي يحاول الرجل ترسيخها عن
نفسه وبين الطريقة التي يتلقاه بها الآخرون. إنه يريد أن يكون بطل
الحكاية، لكن الحكاية تتحول إلى أداة لكشف حدود بطولته المتخيلة.
وهنا تصبح سلطة الحكي نفسها موضعًا للمفارقة؛ فعم مصطفى اعتاد تقديم
روايته عن ذاته، لكن أحد أفراد الجماعة يستولي على حق السرد، ويعيد
تقديمه من زاوية مختلفة، فيسقط احتكاره لصناعة صورته أمام الآخرين.
وتكشف القصة بذلك عن أن السمعة ليست حقيقة ثابتة، بل صورة تتشكل
عبر روايات متعددة، وقد تتغير حين يتولى الآخرون إعادة سرد الماضي.
سادسًا: المفارقة بين القيم المعلنة والسلوك الفعلي
تتخذ المفارقة بعدًا أخلاقيًّا حين تتعارض المبادئ التي يعلنها الإنسان مع
أفعاله الواقعية. فالشخصية قد تتحدث عن الدين أو الفضيلة أو العدل، لكنها
تمارس سلوكًا لا ينسجم مع ما تعلنه من قيم، أو قد تستخدم المفردات
الأخلاقية لتبرير مصلحة شخصية.
وفي قصة «النيش»، لا يتجلى هذا التناقض في موقف فردي فحسب، بل
في منظومة اجتماعية تتحول فيها الأعراف إلى التزامات صارمة، وتُعامل
بعض المظاهر وكأنها من المسلمات التي لا يجوز الاعتراض عليها.
والمفارقة هنا أن المجتمع الذي يُفترض أن تكون عاداته وسيلةً لتنظيم
الحياة وتيسيرها قد يجعلها سببًا في إثقالها. فالعرف الذي نشأ نتيجة
الممارسة البشرية يكتسب مع الزمن سلطة تدفع الناس إلى الدفاع عنه،
حتى عندما يحتاج إلى مراجعة أو تعديل.
ولا يعني هذا أن كل عرف اجتماعي مرفوض، بل إن المفارقة تكمن في
تحول العادة من وسيلة مرنة لتنظيم الحياة إلى معيار جامد للحكم على
الناس وتحديد مكانتهم.
وتتصل بهذه الصورة مفارقة أوسع تتمثل في استخدام الخطاب الأخلاقي
لتغطية المصلحة أو الدفاع عن المظاهر؛ إذ لا تكون المشكلة في القيم
ذاتها، وإنما في المسافة بين معانيها الحقيقية والوظائف التي تُسخَّر لها في
الواقع.
ومن هنا تتحول المفارقة إلى وسيلة نقد اجتماعي، لأنها لا تكتفي بعرض
السلوك، بل تدفع القارئ إلى مساءلة المنظومة التي تمنحه شرعيته.
سابعًا: المفارقة السردية والميتاسردية
قد تنشأ المفارقة من طريقة تنظيم الحكاية نفسها، لا من مضمونها وحده؛
وذلك حين يصبح القارئ شاهدًا على تناقض بين ما تتوقعه الشخصية وما
يعرفه السرد، أو حين يتدخل النص في مساءلة طبيعة الحكاية وحدودها.
ويبرز هذا البعد في المقطع الذي يواجه فيه الأستاذ عابد، مؤلف القصة،
بطله ويطالبه بالخروج من قصته، بينما يرد البطل بأنه سيغادرها ويصنع
لنفسه نجاحًا خارجها.
فالمفارقة هنا مزدوجة: الشخصية التي يفترض أن تكون خاضعة للمؤلف
تعلن استقلالها عنه، والقصة التي يفترض أن تخفي آليات صنعها تكشف
للقارئ عن وجود المؤلف وسلطته.
إنها مفارقة سردية تتخذ من التمرد على البناء القصصي موضوعًا لها.
ويصبح الصراع بين المؤلف والبطـل انعكاسًا لصراع أوسع بين السلطة
والحرية، وبين الصورة التي يفرضها الآخرون على الفرد والصورة التي
يحاول أن يصنعها لنفسه.
وتختلف هذه المفارقة عن المفارقة الموقفية التقليدية؛ لأن المفاجأة لا تنشأ
من حدث يقع داخل عالم الحكاية فقط، بل من زعزعة الحدود التي تفصل
هذا العالم عن فعل الكتابة الذي أنشأه.
وتتجلى أهمية هذه التقنية في أنها تمنح النص قدرة على مساءلة ذاته،
وتفتح المجال لتأمل العلاقة بين الواقع والتخييل، وبين إرادة المؤلف
واستقلال الشخصية المتخيلة.
ثامنًا: المفارقة الزمنية بين الذاكرة والواقع
تظهر المفارقة الزمنية حين تتعارض صورة الماضي المستقرة في الذاكرة
مع واقع الحاضر، أو حين يكتشف الإنسان أن الزمن الذي عاشه في
ذاكرته يختلف عن الصورة التي يراه بها الآخرون.
وتتجلى بعض ملامحها في قصة «رحلة»، حيث يرى عم بشير نفسه
قادرًا على مواصلة حياته اليومية بنشاط، بينما يتعامل المحيطون به على
أساس أنه بلغ من العمر مرحلة تستدعي الانسحاب من النشاط المعتاد.
ولا تقوم المفارقة هنا على اختلاف في العمر الزمني، بل على اختلاف
في معنى العمر نفسه. فالمسن لا يشعر بأن السنوات أفقدته قدرته على
الحركة، في حين يرى الآخرون أن تقدمه في السن يستلزم تقليل نشاطه
والاعتماد عليهم.
وتكشف هذه المسافة عن أن الزمن لا يُعاش بطريقة واحدة؛ فقد يظل
الإنسان محتفظًا بإحساس داخلي بالحيوية، في الوقت الذي يتعامل فيه
المجتمع معه وفق تصنيف عمري جاهز.
وتتصل بهذه الصورة مفارقة الذاكرة في القصص التي تستعيد عادات
الماضي أو أماكنه؛ فما يبدو في الذاكرة جميلًا أو مألوفًا قد يظهر في
الحاضر على صورة مختلفة، وما كان يُعد أمرًا عاديًّا في زمن سابق قد
يصبح موضوعًا للتأمل بعد تغير الظروف.
وهكذا تصبح المفارقة الزمنية وسيلة لكشف المسافة بين التجربة كما
عاشها الإنسان، والتجربة كما يعيد تفسيرها في الحاضر.
تاسعًا: الوظائف الفنية للمفارقة في قصص إبراهيم الديب
إن تعدد صور المفارقة في القصص لا يمثل مجرد تنويع بلاغي، بل
يؤدي وظائف فنية وفكرية متشابكة.
أولًا: كشف المسكوت عنه. تتيح المفارقة للكاتب أن يكشف التناقض دون
أن يضطر إلى التصريح بالحكم على الشخصية أو المجتمع. فعبارة «اللهم
لا اعتراض» تكشف، في سياقها، ما تعجز العبارة المباشرة عن إظهاره
من استياء مكتوم.
ثانيًا: تعميق بناء الشخصية. تكشف المفارقة أن الشخصية ليست صورة
أحادية؛ فعبده يتأرجح بين الحكي والتذمر، وجابر بين الرغبة في الخلاص
والطمع، وعم بشير بين الامتنان لأقاربه والشعور بأن مساعدتهم تنتقص
من استقلاله.
ثالثًا: إشراك القارئ في إنتاج الدلالة. لا تقدم المفارقة المعنى دائمًا
بصورة جاهزة، بل تترك للمتلقي مهمة الربط بين القول والسياق، وبين
النية والنتيجة، وبين الصورة الخارجية والحقيقة الكامنة.
رابعًا: نقد الواقع الاجتماعي. تكشف المفارقة التناقض بين ما يُفترض أن
تحققه العلاقات الاجتماعية من تكافل واحترام وما قد ينشأ داخلها من
ضغط أو استغلال أو انتقاص غير مقصود من حرية الفرد.
خامسًا: توليد الدهشة وإعادة تفسير الأحداث. حين ينتهي سعي جابر إلى
التخلص من الديون إلى تورطه في الخداع، أو حين تتحول رعاية الأقارب
لعم بشير إلى سبب لحزنه، يعيد القارئ النظر في المقدمات التي بنى عليها
فهمه للموقف.
سادسًا: الجمع بين النقد والإمتاع. تمنح المفارقة النص طرافة فنية دون
أن تفقده عمقه؛ إذ يمكن للقارئ أن يبتسم من تناقض في القول أو السلوك،
ثم يكتشف وراءه قضية إنسانية أو اجتماعية جادة.
خاتمة
تكشف المفارقة في هذه القصص عن قدرة فنية على النفاذ من ظاهر
الوقائع إلى تناقضاتها الداخلية. فهي تتخذ صورة اجتماعية حين تكشف
التفاوت بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، وصورة موقفية حين تنتهي
الأفعال إلى نتائج تناقض أهدافها، وصورة نفسية حين يتعارض ما يشعر
به الإنسان مع ما يعلنه أو يفرضه على نفسه، وصورة قولية حين تحمل
العبارة ظاهرًا من الرضا يخفي اعتراضًا أو استياءً.
كما تتضح في التناقض بين الصورة والحقيقة، وبين المظهر والجوهر،
وبين الزمن الذي يعيشه الإنسان في داخله والزمن الذي يصنفه المجتمع
على أساسه. وقد تتداخل هذه الصور في النص الواحد، فيصبح الموقف
الاجتماعي في الوقت نفسه مفارقة نفسية، ويغدو القول الشعبي حاملًا
لمفارقة لفظية واجتماعية، وتتحول الحكاية إلى وسيلة لمساءلة آليات السرد
ذاته.
وتكشف هذه النماذج أن المفارقة ليست مجرد حيلة لإدهاش القارئ، وإنما
وسيلة لفهم الإنسان في تناقضاته، ورصد المسافة بين ما يريد أن يكونه
وما يكشف عنه سلوكه، وبين ما يراه المجتمع حقيقة وما يخفيه الواقع من
دوافع وملابسات.
ولعل أعمق صور المفارقة في هذه القصص تلك التي تجعل الإنسان
شريكًا في صناعة المأزق الذي يعانيه: فجابر يبحث عن الخلاص فيدفعه
الطمع إلى مزيد من السقوط، وعم بشير يتلقى الرعاية فيشعر بأن استقلاله
مهدد، والشخصية في «طريق الضباب» تصنع قيدها بيديها ثم تبحث عن
سبيل للخلاص منه، وصاحب الحكاية في «الفتوة» يحاول إحكام صورته
أمام الناس فتفضح الحكايات المتداولة حدودها.
وهكذا تصبح المفارقة أداة فنية للكشف والمساءلة، لا لأنها تعرض نقيضين
متجاورين فحسب، بل لأنها تجعل القارئ يكتشف أن الحقيقة الإنسانية
غالبًا ما تسكن المسافة بينهما؛ في المنطقة التي تتصادم فيها النيات مع
النتائج، والأقوال مع الأفعال، والطموحات مع الواقع، والصور التي
نصنعها لأنفسنا مع الحقائق التي تكشفها