نصوص بقلم نزار سرطاوي

يَعبُر أوشوميلوف رئيسُ الشرطة السوقَ بمعطفه الجديد، وقد تأبطّ طردًا. يتبعه شرطيٌ أُحمرُ الشعر يحمل بين يديه بعضًا من الفاكهة المُصادَرَة. يَسودُ الصمت في الجوار. ليس ثمّة أحدٌ في السوق. أبوابُ ونوافذُ المحلاتِ التجارية والحاناتِ المفتوحة بدت وكأنها أفواهُ فاغرةٌ جائعة. لم يكن ثمّةَ أحدٌ في...
أنا لست سوى بدويٍّ أسكن خيمةْ – سكنًا تعمُره البهجة والدفءُ نسيجًا خشنًا من شعر الماعِز يمنحني الظل إذا ما أقبل صيفٌ ويقيني من عصف الريح إذا ما حلَّ شتاءْ ------ أمتعتي: ثوب فضفاضٌ أسودُ نعلان عتيقانِ ودلّةُ قهوةْ وخليطٌ من أشياءٍ أحملها في جعبةْ – أشياءٍ لا...
– اليوم 746 وقف إطلاق النار الثالث، اليوم 12 عادت من المقبرة لتجدَ جثثَ أفرادِ عائلتها: ولدِها، وبناتِها الأربع وزوجِها. هي الوحيدة المتبقيّة من بين كل اؤلئك الذين عاشت معهم، أحدُ أبنائها لم يزل مفقودًا، لم يزل تحت الأنقاض. ما عاد التعرف على بيتها ممكنًا. رجعت لتجلس بين قبور الذين دفنتهم منذ...
أحبّكَِ مثلما أغَمّس الخبزَ في الملح وآكله مثلما أصحو ليلًا وقد انتابتني حمّى شديدةُ الوطء وأشرب الماءَ، والصنبورُ في فمي مثلما أفتح الصندوقَ الثقيلَ الذي يحمله ساعي البريد دون أن أدري ما هو فأرفرف فَرَحًا وأغرق في الحيرة أحبّكِ كما لو كنتُ أحلّق فوق البحر في طائرةٍ للمرّة الأولى كما لو...
راح صديقي المهندس المعماري، الذي يمكن أن نعتبره رحّالة، يعرض علينا تُحَفًا متنوعة كان قد جمعها أثناء زيارته للشرق. قال وهو يلتقط علبةً صغيرةً ويُقلّبها بيده: " هذه لكِ. أنتِ مُدَخّنة؛ خذيها معك إلى البيت. أهدانيها في القاهرة رجلٌ من الفقراء المتصوفة خُيّل إليه أنني أسديتُ إليه معروفًا". كانت...
هواجس نزار سرطاوي 1 همسًا يتحدّثُ كي لا تسمعَهُ الريحُ وتنقلَ أصداءَ الكلماتِ إلى صدفاتِ البحر يقولُ لها: ها قد شَحَّتْ أمطاري جفّ النهر ها قد شِختُ أخيرًا... شِختُ كثيرًا عيناي تنكّستا شفتاي تيبّستا ويداي تشقّقتا وتقوّس منّي الظهر وتغضَّنَ هذا الجلدُ وودّع رأسي الشَعر وما هي إلا بضعةُ...
1 نجمٌ يتقدّم نجمٌ آخرُ يتهاوى لعبةُ شطرنج ~ ~ ~ ~ 2 هذا البيدرُ مهجورٌ منذ سنينْ قلبٌ متصحّر ~ ~ ~ ~ 3 القطةُ ترنو قلبُ العصفور يدقّ الحبُّ الأول؟ ~ ~ ~ ~ 4 أسرابُ طيورٍ تنقضّ على الشاطئ – غارات الناتو ~ ~ ~ ~ 5 صوتُ رصاصاتٍ لصٌّ يحمي صاحبَهُ شرفُ المهنة ~ ~ ~ ~ 6 ضيفي هذا لا...
ثقيلةٌ يدُك أيها الليلُ على جفني. لا أحمل قلبًا زئبقيًا كما السَحاب حتى أقف في وجهك محراثُكَ الماكر يمعن في تعذيبي. ثمّةَ امرأة، تستلقي على هلال البحر كالصَدَفة. رأيتَ عينَك الغيورةَ تُطفئُ وميضَ البحر، ترقص على وقع الخفقان المتلاحق للأمواج. ووقفتُ وقد استُنزفِتْ قُواي مستسلمًا كالرمال،...
كم ترهقني يا ظلّي يا هذا الشبحُ الشائِهُ للوجعِ الساكنِ بين ضلوعي...! كم تدفعني أن أتوارى في العتمة فَزَعًا منكْ...! حين تلاحقُني صورتُكَ الناحلةُ السوداءُ المشؤومةُ أو تسبقُني هيأتكُ الخرقاءُ المرسومةُ فوق طريقي أشعرُ أني أعدو قُدّامَكَ أو خلفَكَ رغمًا عني أنّك تنخزُني في عنقي أو تسحبُني من...
أحيانًا أكاد ألمحهم، حول رؤوسنا، كالبعوض حول عمود إنارة في الشارع صيفًا، أولئك الأطفال الذين كان في وسعنا أن نحظى بوميضهم. أحيانًا أشعر بهم ينتظرون، وقد غلبهم النعاسُ في غرفةِ انتظار – يعملون خَدَمًا، يصيخون السمعَ قليلًا لنداءِ الجرس. أحيانًا أراهم مطروحين كما رسائلُ حبٍّ في مكتبِ الرسائلِ...
إلبا، نيويورك، شتاء 1850 عزيزي السيدة هاربر، شكرًا لك على دولارك. كنّا نأتي على آخر رغيف لدينا. الجو جدُّ بارد – الأرض حديدية، لا بد لي أن أطلب من الرجال أن يسدوا إليّ معروفًا – أن يُقطّعوا الأخشاب. تسألني في رسالتك عن ما أومن به. أنت أول من يسألني عن ذلك. أسمعُ ذوي القلوب الطيبة – وأظنهم...
قصائد في زمن الفيروس 2 هذا الصباح ظهرَتِ الغربان كأنها ظلالٌ مترهّلة، تغنّي أغنيتها الهستيرية حاملةً في داخلها كل ما في الدنيا من جمالٍ وقسوة؛ في مجد الصباح الأزرق الداكن رأيتُ ساعاتِ الانتظار، وقد بهتَ لونُها – لكنْ كان هنالك أيضًا ضحكٌ، وفوانيسُ عنبِ الدُّبِّ الصغيرةِ؛* ها أنا وحيدةٌ في...
كلَّ مساءٍ نجلس في الحانِ أنا وصديقي والصوت الثالثْ الصوتُ الثالثُ يشربُ قهوتَهُ وأنا وصديقي نشربُ كأسين وننفثُ دُخّان سجائرِنا ونثرثرْ الصوتُ الثالثُ أمسِ اسْتَدرَجَنا فتَحاوَرْنا حولَ الحُكّام الصوتُ الثالثُ فاجأنا: من يَرِثُ الحُكّامَ إذا... لا سمحَ اللهُ؟ أجيبُ: متى سمحَ اللهُ – ولا بد...
حين طلّقتكَ أمّنا شعرنا بالفرح. لكم كابدَت وكابدت بصمت كل تلك السنين، ثمّ على حين غرّة ركلتك خارجًا، ولكم أسعد ذلك أطفالَها. ثم طُردتَ، وابتسمنا في أعماقنا، كما ابتسم الناس حين أقلعت مروحية نيكسون من الساحة الجنوبية للبيت الأبيض للمرة الأخيرة. لقد دغدغتْنا مشاعرُ البهجة ونحن نتخيلك وقد خسرتَ...
الرجل موسم، وأنت الخلود، ومن أجل أن تعلمني هذا تركتَني أقذف بشبابي مثل القطع النقدية بين أيدٍ شَتّى، تركتَني أتزاوج مع الظلال، تركتَني أغَنّي في أضرحة فارغة، تركتَ زوجتَك تبحث عن النشوة بين ذراعيْ رجلٍ آخر. لكنني رأيتُ كل ظِلٍّ يرمي بصورتك الضبابية في كأسي، على نحوٍ ما بدت الكلمات والإيماءات...
أعلى