جدي الذي علق بشملته غبار الحقول، وتسلّلت إلى بياض كوفيته، صفرة الشمس، آوى إلى بيت ابنه الوحيد، بعد أن أنهكه الدهر، وأرهقته السنون، بناته كُنّّ يتقاطرن لزيارته، شريكاته في أعمال الحقل ورعاية الأشجار، وسقاية صغار النبت، الأرض، وشائج الحياة ورائحة التراب، تلك الرابطة التي لا تهن ولا ترِثّ، سمٍعتْهُ...
كنا نلجأ من غربة الشارع، إلى فضاء المقهى، نلتمس الألفة في وجه نادل نعرفه، يحيينا بابتسامة مختصرة، ويوفر بقيتها للزبائن الآخرين، هذه المرة لبّى نادلٌ جديد، أبدينا دهشتنا وسألناه عن صاحبنا،قال إنه تقاعد، هل يتقاعد النّدال؟ وكأنه اكتشاف بالنسبة إلينا،قال إنه هرم، ولم يعد يقدر على الجولات المكوكية،...
لا أعرف كيف تغيرت، أصبحتُ إنساناً آخر، كنت شاباً ساخراً ومستهتراً، وفاقد الثقة بكل شيء... لا شيء سيتغير سواءّ انضممت لخزبٍ سياسي، تكرّس له كل جهدك، أم وضعت ساقاً على ساق في مقهى، وجلست تراقب تفاصيل الحياة، لا بل إن التأمل الهاديء الرائق، وسط هذا الضجيج المتنامي، أفضل بدرجاتٍ من الإنغماس فيه، إذ...
ربما لن يقتلك الداء، ولكن ستقتلك الكبرياء، والكبرياء: تلك
القلعة السوداء، التي تغلق قلبك دون الدعاء، إلى هؤلاء أم إلى هؤلاء، إنها إذن محنة وابتلاء، على أي جنب ستلقاه، حين يسألك كشف الحساب؟
ولمن ستمدُّ حبل الوداد، لمن غداً ستلقاه، أم لمن سينساك فور انفضاض اللقاء؟
لا يهم على أي أرض ولدت،وليس...
تمّ نقلي فجأة إلى بلدة نائية، وشعرت أنني طفلٌ انتُزع من حضن أمّه، وكانت تلك حقيقة لا مجازاً، فقد كنت شديد التعلّق بأمي التي تقيم معي، كأعزب يرتّب خطواته للزواج القادم، كانت أمّي مؤنستي وناصحتي، وفيما عدا ذلك كانت مديرة شؤون حياتي، وشجرتي الظليلة، التي آوي إليها من هجير العالم ، أما ذروة المأساة...
ْهذا الصباح خرجتُ للتنزّه على شاطيء البحيرة،تلألأت الأضواء المنعكسة على سطحها في عيني،وكأنّها تومض لي بابتسامة،بدا كُلُّ شيء مبتهجاً والأمواج الخفيفة تتواثب في مرح،وحتى النساء القليلات اللاتي خرجن مبكّرات للنزهة،كانت شهيتهن مفتوحة للثرثرة،مما يعني أن كل شيء مرّ بسلام في الليلة الفائتة،ولم يكسر...
اتركي أورقك تنام على المكتب،وارفعي بصرك لتشاهدي العالم في تقلُّباته المدهشة،لا ترتكبي الخطيئة التي ارتكبتها أنا، قبل أن أُطرد من جنّة الأوراق،إلى هامش الإهمال والإنكار!
اتركي أوراقك بيضاء ناصعة، لأنّ تسويدها يزعجهم،يقاطع مخططاتهم الماكرة في منتصف الطريق،ويعيدها إلى أول الطريق ليرسم لها مساراً...
مرّت السنوات وكأنها طرفة عين، تجدّدت مياه النهر، وبقي النهر على حاله، النّهر هو النهر، يواصل سفره الأبدي، لعله يعانق البحر،في لحظة شوق، أبّدها السفر الطويل، كَسَهمٍ مشدودةٍ إلى قوسها، ويرخي قبضته في نشوة اللقاء، فتنطلق عابرةً أُفُق الخلود وتنداح مسلمةً جسدها لسرير الموج الوثير في نوبة سخاءٍ لا...
تحلو بكِ الدنيا
ويعذُبُ ريقُها
ُويدُبّ في أوصالها الإحساس
ٌلولاك لم تبسم لعاشقَ وردة
ٌفي كُمّها وتفتّح الإيناس
ٍفي ظلّ جفنك
ٌتستريحُ يمامة
أخنت عليها
ٌسكرةٌ ونعاس
ٍما ضرّ من أوليتٍ حُبّك
لو غدرت به
ِكفُّ الملامة
أو جفاه الناسُ
نزار حسين راشد
لقد أخبرتُ الجميع
برسالةٍ واضحة
وقفتُ كبرج ساعة
في ميدانٍ عام
حميتٌ فمي براحتي
وأطلقت نفير حبّكِ
من فم بوقي الموهوم
ولكن أحداً
لم ينتبه
كان الزحام شديداً
والضوضاء عالية
آه...
ليتني فعلتها
في ميدان الحمام
حيث تسود السكينة
ولكن الميدان
في هذا الصباح البارد
خالٍ من الخطى
وأدركت أنني
استيقظت...
سألتُكِ الله
َلِمَ َ لا تكبُرينَ
في حضرتي؟
لِمَ لا نُصبحُ ندّينِ
ويغدو بوُسْعكِ
أن تعشقي؟
لماذا ذكرتُ
تفاصيل حياتِكِ
في قصتي؟
هذا لأنّكِ
أجملُ المحطّاتِ
!في رحلتي
تعالِي إليّ
حُبّاً إذن
واكسري مراياكِ
في مُقلتي
دعيني أُسرّحُ عينيّ
هوناً
في مُرُوجِ عينيكِ
وأَنْتَقي من
سِحرِكِ
ما أنتقي!
أطلقي...
بعد طرقٍ خفيف، لم تتريث لأفتح لها الباب، بل عبرت مسرعة واتجهت مباشرة إلى المطبخ، معلنة بجذل:
- سأعدّ لك الطعام،لقد أوصتني الوالدة أن أعتني بك قبل أن تسافر!
تبادلنا الحديث بينما هي منهمكة في إعداد الطعام، اتجهت إلى الحوض لتغسل يديها معلنة أن كل شيء جاهز،ولم تتجه لباب الخروج مباشرة، بل توقفت...
كنتُ صبيّا مشاغباًُ،وكثيراً ما كنت أرافق والدي إلى معسكرات الجيش،فأقود سيارة اللاند روفر الخاصة به دون خشية،في فضاء المعسكر المفتوح،وأعبث بالسلاح المفرغ من الرصاص،أو أقلّد حركات الجنود أثناء الطابور!
كلّ هذه الإمتيازات كانت من بركات كون والدي وكيل السريّة،المسؤول عن منح الإجازات،وصرف...
" سبسطية " تلك البلدة، الّتي أتقاسمها فقط مع صديقي مُحمّد، حيث لا صديق لي غيره، والّتي لا يميّزها شيءٍ، سوى ذلك الموقع الأثري، الّذي تتعاقب عليه أفواج السيّاح، بين الفينة والفينة، والّذين كنّا نتسلّى أنا ومحمّد بالتفرُّج عليهم، والتعليق على تصرُّفاتهم،أو الضّحك عليها أحياناً، قاطعين بذلك ساعات...
عمّتي القرعاء نُهيلة،كانت تزورنا على فتراتٍ متباعدة تتجاوز الشّهور،وأحياناً تصلُ إلى سنة كاملة،كانت تحضر ومعها بعض الأوراق تسلّمها لوالدي ليستكملها لها من الدوائر الرسميّة،ولم تكن تمكث أكثر من ليلة واحدة،إلّا إذا اقتضى استكمال الأوراق ذلك!وكان رحيلها السّريع مبعث سرورٍ لوالدتي الّتي لم تكن...