أدب السجون والمعتقلات

عندما عُيّنْتُ طبيباً مندوباً إلى السجن لثلاثة أشهر اعتبرْتُها نوعاً من العقوبة الوظيفيّة .. وطرقت باب السجن كارهاً وفُتح لي ودخلت من بابٍ إلى باب ومن دهليزٍ إلى سرداب ، وأقفلوا خلفي بالحديد ونفسي تغصّ كأنها تغوص من دركٍ إلى أعمق. وصحيحٌ أنّ هنالك مكتباً لي يسمّونه مستوصفاً للسجن لكنّ نوافذه...
قرأت مرة في عمل روائي لسجين يحكي كيف كان يتدبر الزمن داخل زنزانته. و كيف كان يشغل تفكيره كي يظل داخل المنطق و التعقل. و هو من أجل ذلك، لم يكن يتوقف للحظة عن قياس مختلف الأبعاد لزنزانته. معتمدا في كل مرة وحدة قياس مختلفة، كراحة يده أو باطن قدمه أو أنامله و أظافره... و يعمد إلى اختبار ذاكرته...
في المعتقل، كان صديقي مجاهد الدومة صامداً، الأمنجي الذي كُلّف بمهمة التحقيق معه أزعجه صمود وشجاعة مجاهد، فأراد أن يرى مجاهداً مهزوماً منكسراً، فمارس ضده أبشع أنواع الضرب، ورغم ذلك لم ينكسر صديقي. أصبحت أمنية الأمنجي الوحيدة في الحياة هي رؤية دموع مجاهد، فكان يضربه يومياً، لكن صديقي كان صامداً...
صمت رهيب , قاتل .. لا يقطعه غير سقط أقدام ثقيلة , منتظمة , رتيبة .. أجهدني ثقل الظلام وثقل الصمت .. ألقيا في قلبي الرعب .. اتجهت صوب الباب .. خلعتُ عيناي علي صاحب الخطوات ــ كدقات عقارب الساعة المنتظمة ــ ألمح ظلاُ ألقاه ضوء المصباح علي الأرض ... ناديتُ .. فلم يرد .. فضربت الباب بعصبية .. اقترب...
كنت أجلس على الأرض في زنزانتي في سجن الحلة ألعب الشطرنج مع زميل لي حينما سمعت الحارس ينادي على اسمي، فنهضت لأرى ما يريده مني. قال لي الحارس، مستعجلاً إياي: – هيا جهز نفسك، سوف تنقل إلى بغداد بعد قليل. قلت مستغرباً، وقد فاجأني الأمر: – خير، إطلاق سراح إن شاء الله!. نظر إليّ مستهزئاً: – من أين...
- حلم أسير.. مَنْ هؤلاء الذين يصّاعدون بعباءاتهم البيضاء، ويخترقون سقف الزنزانة، كأنهم ضوء أو هيولا؟ ومَنْ الذين يلفّون سماء الزنزانة بغلالات شفيفة كأنها الغيم الخفيف، ويرحلون مع الهواء؟ ومَنْ ذاك الذي يقف في الفراغ، ويمدّ ذراعيه، فتتدلى أكمامه الواسعة، لتلامس الأرض، كأنه ينتظر مَنْ يعانقه؟...
لم تبرح ذهني صورة والدي وهو يتلقى صفعة من شرطي بالمحكمة ، لم يكن في وسعي أن أفعل شيئا. كنت صغيرا لكن حزني كان كبيرا. كان قلة من الطلبة يتوزعون في المقصف استعدادا للافطار، منهم من اكتفى بكأس شاي أو قهوة وضعه على العارضة، يناوب التدخين والرشف على مهل.اثر دخولي طلبت من النادل كأس شاي على أمل أن...
اليوم يختلف تماماً عن أي يوم مضى .. لا ادري ما الذي يحدث في الخارج ..؟! , ولماذا لم يُفتح السجن حتى الآن.. ولماذا الزنازين مغلقة على من فيها في العنبر وحتى الآن , ماذا جرى بحق السماء.. وماذا يحدث ..؟!! .. اليوم ليس كأي يوم عادي .. الصمت يلف كل شيء.. والكل في سكون رهيب.. وفي هدوء الصمت الذي يسبق...
لم يتناول وجبة الغذاء، لم يكلم أصدقاءه في الشامبري، مذ وشوش في أذنه الكابران عن علاقة زوجته بصديق طفولته... انزوى في ركن من المرحاض يدخن معجون سجائر... التف بسحاب من سجائره المزيتة... عينان حمراوان يغشاهما دخان من أنفه حين يجذب بشدة من فمه نصف جوان في شفطة واحدة... لم يقو على النهوض حين نهره...
وسط عتمة معتقل تزمامارت الرهيب، حيثُ قضّى سنين طويلة من عمره رفقة مجموعة من الضباط المشاركين في انقلاب عام 1971، استطاع المعتقل السابق أحمد المرزوقي، رفقة المعتقلين على خلفية الانقلاب العسكري، أن يحفظوا القرآن الكريم كاملا، وفي ظرف سنة ونصفَ السنة فقط. ويعود السرّ في تلك المبادرة، كما كشفه أحمد...
في سنة 1977، كنتُ قد انتقلت إلى السنة الثالثة فلسفة بكلية الآداب ( وكنتُ التحقتُ بكلية الآداب، بعد سنتين قضيتهما في كلية العلوم، وبعد أن انسحبتُ من هذه الأخيرة آسفاً لأسباب وأسباب)، ففكرت أنه بإمكاني أن أشتغل وأستمر في دراسة الفلسفة والتهيّؤ للامتحانات عن بعد. وبالفعل، تقدّمتُ بطلب لوزارة...
الفرضية الأساسية التي تدور حولها هذه المقالة هي على الشكل التالي: إن أدبيات الاعتقال السياسي بالمغرب لا تعبر عن تجارب إنسانية شخصية فقط بقدر ما تعبر عن فعل مقاومة للاستبداد السياسي في فترة التوتر بين الدولة و المجتمع و واجهة للنضال من اجل الديمقراطية و حقوق الإنسان. يعتبر الأدب أحد الفنون...
للمغاربة نصيبهم من ثقافة السجن، وهم يسجنون ويسجنون منذ العصر التاريخي القديم. والسجن آثاره عظيم في نفوس المغاربة وخاصة في تاريخ الزمان الراهن. لذلك جرى التفكير مليا في تناول موضوع السجن، وآدابه، وتاريخه، وثقافته لدى المغاربة القدماء والمحدثين، وحسبنا أن ثقافة العنف لا تزال تؤثر سلبا على الحكامة...
تفاصيل الموت البطيء والنجاة بأعجوبة من معتقل تازمامارت ماتزال مختبئة رغم القصص التي رويت على لسان الناجين، منهم ضيف حلقاتنا عبد الله أعكاو (كان برتبة رقيب ميكانيكي متخصص في الذخيرة) الذي مازال لم ينشر بعد مذكراته على غرار جل الذين نجوا بأعجوبة، وهو الذي كُتب له العيش بعد قضائه 17 سنة داخل...
"ترحيل لسجن الحضرة". أظن أنه كان يوم 18 كانون الأوّل/ ديسمبر 2013... نادى مخبر على اسمي من "النضّارة" (فتحة مستطيلة صغيرة في الباب الحديدي)، بمديرية أمن الإسكندرية. في سجن الحضرة، مكثت أياماً في زنزانة الإيراد، ثم وُزّعتُ على زنزانة سُكني. كانت باردة كثلاجة. فكرت أن الميزة الكبرى لتلك الثلاجة هي...

هذا الملف

نصوص
473
آخر تحديث
أعلى