رضا أحمد

ولدتُ في السابع عشرَ من مارس، لم أخطط مطلقا لهذا؛ أمي لم يكن يعنيها انتظارُ الغرباء ووالدي لم يحتط ليتركني آمنة في سلَّة ظهره. كان الحبُّ هادرًا وقتها، شابًا، قادرًا على العدو أمامنا، ولم يكن شارعُنا ثكنة أسمنتية خالية من سخف الأشجار وانفلات الزهر. سقطتُ من رحم السماء في حجر أمي، ولم تمنحها...
هل يمكن أن تكون الموهبة سببًا في اضطراب الشخصية النرجسي؟ هل الشعور بالنقص يشكل انسحاباً من المجتمع إلى الهامش الكريه للوحدة؟ هل تصير المعرفة في جوانبها الأكثر جنوحًا، وحشا يصعب التحكم في سلوكه؟ هذه الأسئلة وأخرى يطرحها الألماني "زوسكيند" في روايته "العطر" التي تعد تحفة نادرة في فن الرواية عموما،...
في المرآة لن أدرك جسدي لن أتحسّسه وأغمره بلمعة الحياة لكن سأركل الحائط خلفي، وأتسع كفجوة لا تنتهي... الإنكار ورطتي الأبدية كان لا بد من إيجاد حيلة، صنع نمط مستقل، يجري اختباره في حياة بأكملها؛ لعله ينجح معي، في تخطي نوبات البكاء والهلع، تجاهل الألم وتضميد جروحي. بذهن صاف ومرتب، برفق وحياد،...
على الرغم من أنني تعرفت شخصيا إلى الشاعر الراحل محمود قرني متأخر بعض الشيء، إلا أنني أشكر الشعر المختلف الذي جعلني أتعرف إليه إبداعيا من قبل في قراءة بعض قصائده بشكل متفرق في الدوريات الأدبية، أثناء محاولاتي تتبع قصيدة النثر وأجيالها، والانفتاح على عالمها المدهش المختلف عن ما تعلمته وخبرته أثناء...
الليل يغربل نظراتنا ويرمينا لكلاب الشارع، النهار يتجول بذقنه الطويلة في أرزاقنا يفتش في ضمائرنا عن روح الله ومِنْسَأتُنا الكسولة جلست بجوار رفاتنا تلقّن الأسف قصائد تخلع على أرواحنا المهابة والخوف، أخبرتك حكاية الحطاب الذي اِلتهَم فأسه فأعطيتني سكين المطبخ وأشرت إلى عضو يتنزه بخمول في جسدي،...
تخيل أنكَ بلا أجنحة فعلاً تحمل رصيف انتظار بكامل قمامته على كتفيكَ ومارة يجلبون عناوين بيوت ضائعة يلصقونها على أنفكَ كذئب منتشٍ تلعقُ رماد حيوات قديمة، العواء عندها فرصة لا تتكرّر لإزاحة أتربة ووهن علق بقلبكَ؛ فترة نقاهة تستثمر فيها مدّخرات عاطفتكَ من كلمات رتيبة عن الحب والجنس وحنين يفكك سيرتكَ...
تقول امرأة: أنا وحيدة جدًّا لم أعد أرى شيئا في المرآة، يطمئنها عابر سبيل: بل أنا الوحيد حتى كوابيسي المعتادة لا تزورني في المنام، تنهرهما عجوز: مازلت أجمع ترابي من بين أحذية العيال لم تترك لي السماء موضعًا غير ملبّد بنظرات الأحباء، وأقول إنني صنعت آباء كثر لأطفالي أويت المجاذيب والأمراض تحت جلدي...
على الضفة وقفت أغنية تنقر مكانكَ في قلبي، "محناش فراش هيموت" هنا بالضبط أريد أن أحبك ببساطة الليلة، سأرسم للغياب هوية: شمعة بعنق مكسور قرب مرآة تذوي بيننا في الفراش، محبة يحملها قارب مثقوب إلى حيث يمضغ الزمن قلوبنا المكسورة مع عصير القصب وشرائح الليمون، عازف كمان يمرر العصا على عنقي حتى يصير...
ما أطول دقائق الحداد في عمر الواحد منا. أمسح عن وجهي صدأ وأحدق في تجاعيد الفراغ أمامي؛ هل كان الحب خطأ حسابيًّا في ذاكرة حواسي أم خوفًا من قفزة أبعد من الوحدة وسؤالًا غامضًا لم يجد إجابة إلهية؟ أسقط لستُ من أبطال شاشات العرض الأول كذا لن أحرر النساء ولن أستطيع الطهي بشهيتي هذه، ربما أنسى يميني...
وأحيانا حورية وعائشة، تذكر أنني حلوة... هكذا قالت القابلة لتذيب المرارة في حلق أبي، وهكذا أثنى الجيران على جلبابي الطويل وملامحي المهشمة وقدرتي على السير بخصر ناحل يتودد إلى الرياح عاريا ولا يستطيع الإفلات من الموسيقى ويحمل تاريخه من الندوب والقبل، لا تجارب كبيرة لمخالبي وأبدو مطفأة وبعيدة،...
مررت بموكب الأميرة ترتدى فستانها القرمزى رأسها الصغير غافٍ تحت التاج وعيناها حافظتا أسرار زهرتان ذابلتان، طفلها ينقر بأصابعه غيمة وتلحس المشاعل عينيه وأصابعه، والحاشية تغنى خلفهما: عاش الليل الطويل عاشت الشمس أينما كانت، القصر بنفسجى وعال لكنى رأيت العصافير وميزت أحذيتها الصغيرة والآنية الزجاجية...
حين قبَّلتُ الصليبَ لم أقبل الأخشاب التي رفعتك ولا المسامير التي دقت كفيك لم أخِط غلالة الحزن بتنهيدة فراق لم أنظر لكل الذين ساقوا جسدك إلى المذبح ولم أرتجف لرؤية الحواريين بلا كتاب مقدس ولا إشارة ضوء. كل ما هنالك أنك كنت حبيبي وأن عيني لم تشيعك على صهوة السماء كما يجب رأتك النسور التي لم تعرفك...
لم يكن حبلًا الخط الذي رسمته فوق عنقي داخل إطار في صيغة ملزمة للموت لكني أستطيع الآن بمقص صغير أن أسحب رأسي خارج مسودة الحياة أو فوق جسد تفوح منه رائحة جادة لقلب متعفن، بعيدون نحن؛ وجبة بدائية لليل برأس يومض ويسترق النظرات يولد البعض منا بقلوب متجمدة سلفًا ومصابون بصداع مزمن بمجرد إطلاعهم على...
أنا أثق بالسكين لا باليد التي تحمله؛ أجدادي هم أسياد لعبة الموت يقضون حياتهم كطقس جنائزي غاب عنه "أنوبيس" لذا حين يتكرم علينا بزيارة ويقرأ جدول أعماله نسقط كقطع الدومينو ساعة التفتيش المفاجئ، أنا أثق بالسكين... قشر مازوت العمى لحاء اللون الأسود بيت الظلال مغلف كتاب الموتى أقماع الخلود التي...
تبحثين عن علاج لرأسك وهو يبحث عن شارب للحيته، تبحثين في الورد المختنق في مزهرتيك عن معنى الهدية وعن سبل رعاية الجثث وما تخلف من الربيع بين تجاعيد وجهك وهو يبحث عن سكين يلعق دمك من بين أصابعه وعلى الملاءات، تبحثين عن أثر للودائع المنتهية في رحمك وتكورين أنفاسك بين شفتيه؛ كبيرة هي الرغبة والخطوة...

هذا الملف

نصوص
149
آخر تحديث
أعلى