العينان الضاحكتان كطفل شقي لا تستقران في محجريهما
حتي تلك الخصلة من الشعر التي ظهرت بها شعيرات بيضاء
بدت كأول لقاء لنا كحارس علي وجه القمر
سألته
- كل هذا الغياب
- سرقنا الزمن
- دائما ما نتهم الزمن نحن لصوص أعمارنا
- لم تتغير لا زلت تفلسف كل شيء الحياة أبسط وأعقد من كل تفسير لا أقصد عبثيتها...
وحدك
دون سيجارة أو كوب شاي
لا فكرة تجول بخاطرك
لا صديق يهاتفك
لا ولد يتأكد أنك لا زلت علي قيد الحياة
قبل أن يلقي بنفسه في الزحام
الزحام الذي تشتهيه الآن
تلك الوكزات التي تأتيك من كل اتجاه
استسلامك للتيار
حتي لا تسقط تحت الأقدام
كصديقك الذي داسه راجمو ابليس
في طريق الجمرات
والصراخ الذي كان يصم...
لا أجد ما يليق بك
كل الكلام معاد
والمجاز أصبح مطية التجريب والمغامرة
لا شيء حقيقي
والأكاذيب تركب المرسيدس
والليموزين
وأنا لست صعلوكا ولا أميرا
لست سيرانو دي برجراك
ولا قيس ابن الملوح
ولا "صايع بحر"
ببالوناته ودباديبه
أنا فقط
أردت أن ألفت نظرك
ولو بحركة مجنونة
لن ألقي بنفسي في البحر
لأنني...
كان هنا منذ قليل
ربما كان شبحا
كان يشبه خيال المآتة الذي كنا نطارد به الطيور في الحقول
لا ملامح للوجه
وقفته لم تترك أثرا
لكني لمحت ظله فوق الجدار قبل أن يختفي
لم يطرق الباب وهو يخرج
هل اخترق الحائط كما في أفلام هيتشكوك
لست خائفا
ولا أومن بالأشباح والعفاريت
لكنه كان هنا
اخرج توا من الفراغ وتقدم...
أسير علي رأسي
مع أن الشارع غير مقلوب
والناس يشيرون علي ضاحكين
أيها الأوغاد لا أستطيع أن أعدل نفسي
وآه لو تدركون متعة أن تسير فوق رأسك
أن تري كل شيء مقلوبا
وأنت تعمل رأسك المثقلة بحمل جسدك
كي تستوعب بانوراما الشارع
والعربات معلقة في الفضاء
كطوافات أفلام الخيال العلمي
الأطفال يلوحون لك والصبايا...
حين مدت طالبة الطب شفتيها الطازجتين
سقط مدرس اللغة العربية في ندوة الاثنين
وفاز الشاعر الضليل في ندوة الأربعاء
وبينهما صراع العاصمة والأقاليم
.....................
جذوا شعرها وروحها ونصوصها
وفر العاهر البوهيمي لفريسة أخري
كانت الدكاكين مفتوحة
والنصوص والأقواس والزينات
وكان الأحفاد واللقطاء...
ها انت
تحاول المستحيل
كي تستعيد أعوامك المهدرة
وأنت تتسكع بنواصي التاريخ
وفي يدك حفنة من الكلمات
التي تجعدت وتقوست ظهورها
واضطررت للصلاة علي كرسي في الصف الأخير
في الصف الأخير يعبرك المصلون للخارج
الخارج الذي كنت فارسه وأنت تشق البطن
وتنتزع الوليد الذي يتخطفه الموت
الموت الذي داعٍبك أكثر من مرة...
يستوي الأمر
في أول الليل أو في آخره
لا أريد تلك المقدمات الطويلة
عن شجاعة فرسان المائدة المستديرة
ومدافع نافارون
وسبارتاكوس
وبيرل هاربر
وهيروشيما وناجازاكي
والفلاح الذي أرشد عن أرنستو جيفارا
وفضائح سجن أبو غريب
والخونة الذين باعوا البشرية
كفئران تجارب ولقاحات
دعك من ثرثرة الساسة
وبارونات...
ذلك الوحش الذي يقضم جسدي قطعة قطعة
ويزدردها في تنطع واحتقار
أيها الرعب المزلزل
أيتها العتمة الموغلة في القتل
أيها الجحيم
يا زغاريد الجنيات وصرخات الثكالي
والحوامل لا يضعن حملهن
والقابلات يلطمن الخدود
ويندبن البطون المنتزعة الأجنة
في قدور بلا ماء ولا بخور أوسعوط وحناء
هكذا تسفر اللحظة عن رعبها...
هكذا مر العمر سريعا
كحلم يقظة
كبرق خاطف
كذبابة طائرة
لا تقبض عليها
مهما أغلقت عينيك وفتحتهما
هكذا فجأة
وجدت نفسي وحيدا
بين خرائبي
وركام أنقاضي
أفتش عن كراسات حبنا
ووردات أهديتنيها
كنت أبثها أشواقي
كلما غلبني الحنين
الحنين الذي كان يرافقني
كملاك يرعي حبنا
ويعبث بشعره الذي طالته يد الزمن
وتقصفت...
كل شيء يفقد قيمته
دعك من حكاية الثمن
وتذكر خدعة الحياة التي غررت بنا جميعا
عشنا في أوهام كثيرة
وتكشفت عوراتنا
حيث الرعب والموت الجماعي والنجاة العشوائية
الفقراء ليس لديهم مايدفعونه
ولا يملكون ما يصدون به غوائل الزمن
الزمن الذي جرفنا في متاهته
والبحث عن الحلم المفقود
لا شيء نقبض عليه
لا فتيات...
هأنذا
بعد خيبات كثيرة
أعدد ما تبقي لي
في لعبة الحياة الخاسرة
وأنا أقبض بعنف
علي ما تبقي لي من أيام
حتي لا تتبعثر
علي أرصفة متآكلة
ومحطات خاوية من المسافرين
بعد أن اشتد هطول المطر
وسقطت أعمدة الكهرباء المتهالكة
لا أحد يزيحها من الطريق
الطريق الذي قطعته آلاف المرات
مودعا حبيباتي الخائنات
وعائدا...
كل هذا اللغط
والضجة التي يثيرها الأوغاد الصغار
والعمامة التي أزاحها الشيخ ليهرش رأسه
دون أن يفطن للكاميرا
والمرأة التي كشفت عن ساقيها
وهي تمسح الصالة
ليست خادمة ماركيز
ولا فتاته البكر النائمة
ليست البنت التي تزوجت السائق
ولا أخوها الذي تزوج الخادمة
في مليودراما الحياة المتهافتة
كل شيء صار مالوفا...
ليس لدي وقت
لأعيد ترتيب حياتي
حياتي التي بعثرتها
كطفل شقي
كسفيه يطوح بالنقود
كأمي يدعي القراءة
في صحيفة مقلوبة
حياتي التي تعج بأصدقائي اللدودين
وحبيباتي الخائنات
وأحلامي الساذجة
بتغيير العالم
العالم الذي لفظني
ككرة تلاعبت بها الأقدار
الأقدار التي نحملها فشلنا
في أن نكون صادقين مع أنفسنا
الممزقة...