شريف محيي الدين إبراهيم

جلس الأب على المقعد المقابل للطبيبة النفسية. كفّاه منطبقتان فوق ركبتيه، ظهره مستقيم، عيناه ثابتتان لا تطرفان. إلى جواره جلست الأم، متحفظة، تضم حقيبتها إلى صدرها كدرع. الطفلة في المنتصف، رأسها منكس، تحدّق في البلاط. أما الأخت الكبرى فكانت تراقب الوجوه جميعًا، كأنها تفهم أكثر مما ينبغي لعمرها...
يقدّم الدكتور جمال التلاوي نصًا مكثّفًا، يعمل على الرمز أكثر من الحكاية، وعلى الإيحاء أكثر مما يشتغل على التفسير. هذا نصّ رؤيوي، وجوديّ مغلق، حيث يكاد الحدث لا يتقدّم، أو الزمن لا يتحرّك، إلا بالقدر الذي تتعمّق فيه الدلالة. نحن أمام مشهد بوصفه بنية دائرية مغلقة، حيث يبدأ النص بمشهد الجلوس في...
هل نسي؟ أعود إلى السؤال نفسه، لا لأنه ملحّ، بل لأنه يرفض أن يغادرني. أكرّره كما تُكرَّر الصلاة حين لا يكون الإيمان يقينًا، بل رجاءً خائفًا. هل يمكن لرجلٍ أن ينسى حبَّه الأوّل حقًّا؟ أن ينسى تلك اللمسة الأولى التي لا تشبه أي لمسة بعدها، اللمسة التي لا تعرف الجسد بعد، لكنها تُشعل القلب دفعة...
في شارع العِزَب… حيث تتلاصق البيوت كأنها تحرس بعضها بعضًا، كانت فيلا جدّي وجدّتي تقف شامخة، شاهدة على حياة عائلة امتدت عبر أجيال. لم تكن مجرد فيلا، بل علامة، بيتًا يُقال عنه في الشارع: بيت الحاجة ملك … وكفى. وفي معظم الوقت كنت أقيم هناك، في حضرة الجدّين، أتنقّل بين غرف الفيلا كأنني واحد من...
يسهر، يسكر، يعربد!! وكأن العالم بأسره مسرحٌ ينتظره. يضحك عاليًا، يتحدث عن نفسه أكثر مما يتنفس، ويضيق صدره إن حلّ الصمت؛ فالصمت عنده ليس لحظة تأمل، بل فقدان كاميرا، فقدان أضواء، فقدان فرصة لإظهار ذاته. وسيم إلى حدّ الاستفزاز. ملابسه مصمَّمة بعناية مفرطة: ألوان جريئة، قصّات حادة. كان نديم سليل...
جلستُ على الأرض الهاتف يثقل بين يديّ كأنه قطعة من نفسي التي تبتلعها الأيام. ضغطتُ على الرقم الأول… رفيق طال الرنين، كدتُ أظن أنني أخطأت الرقم، ثم جاء صوته، مترددًا، كأنه يحاول تذكّر نفسه. رفيق : أهلاً… معقول؟ أنا: رفيق … صديق الطفولة. صمت رفيق لحظة، ثم قال بصوت خافت: … إنت جاري القديم...
جالسٌ على الأرضِ وحيدًا، يستند بظهره إلى شجرةِ شارعِنا الوحيدة، لا يضحك ولا يتحرّك كثيرًا، وكأن العالم كلّه قد انسحب من حوله. هو شابٌّ مستهتر؛ يدخّن الحشيش أحيانًا، ويشرب الخمر متى سنحت له الفرصة، ويغازل فتيات الشارع، ويتحرّش بهن بلا خجل، لكنه فاشلٌ حتى في إقامة علاقةٍ واحدةٍ جادّة؛ فهو مادةٌ...
تُقدّم قصة «شرفة تطل على النهر» للدكتور جمال التلاوي نصًا سرديًا فريدًا يجمع بين حرارة التجربة الإنسانية وعمق التأويل الرمزي وتحولات الوعي الوطني، القصة تبدو بسيطة في ظاهرها: أسرة تفقد بيتها القديم وشرفتها المطلة على النهر، لكنها في الحقيقة تقدم قراءة كاملة لرحلة مصر من زمن الحلم إلى زمن...
في صباحٍ ضبابي من أيام الشتاء، كان العجوز يجلس على أحد مقاعد الترام، يتكئ على عصاه الخشبية المزخرفة بنقوش دقيقة. من خلف الزجاج المبلل بالندى، كان يراقب الأرضية المرصوفة بالرمل والغبار، ويستنشق هواءً مبللًا برائحة البحر البعيدة. عيناه… كانتا ما تزالان تحملان بريقًا خافتًا لذكريات شبابه الطويلة؛...
عاد عمر من مأموريّته الطويلة في القاهرة، مُتعَبًا، شديد التلهّف إلى مكتبه الذي تركه قبل شهر. دخل الإدارة بخطوات يعرفها الجميع… ثم توقّف فجأة. الزملاء، المعتادون على صخبه وضحكته، بدا عليهم التردّد، وكأنهم يختبئون من شيء ما. كان الهدوء مُريبًا… والترحيب باهتًا… والنظرات متردّدة. ثم رآها. ليلى...
حينما فتح باب الشقة ودلف إلى الداخل، تجمّد عند العتبة، ثم صاح في دهشةٍ: "فيه إيه؟! مالك يا أبا… مين الرجلين دول؟!" لم يجبه أبوه… أو مَن ظنّه أباه. كان يجلس كما لو أن الحكم صدر للتو، وقرار الإعدام وُقّع باسمه. تقدّم أحد الرجلين خطوة، وفتح ملفًا سميكًا: "اسمك الحقيقي… عُمَر. مش حودة." ارتدّ...
"أبوكم طري… رجل طري…" هكذا قالت سعاد لبناتها... بدت الكلمات وكأنها حجارة ثقيلة تهوي على قلب زوجها. جلس عزيز في غرفة المعيشة، يداه متشابكتان على الطاولة، ونظره شاخص في الفراغ. كان يشعر أن اليوم لن يكون سهلاً. كل شيء حوله بدا أثقل…. البيت، العمل، الناس. صوت الساعة على الحائط بدا وكأنه يقرع قلبه...
في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتسارعت فيه الإصدارات، ينهض صوت متوترٍ عميق، مشتعلٍ كقلب عاشق، وهادئٍ كحكمة شيخٍ عرف الطريق ثم عاد ليحكيه. إنه شريف محيي الدين إبراهيم، الكاتب الذي تستطيع أن تقول عنه مطمئنًا: "لو نُزع اسمه عن كثير من نصوصه، لظننت أنك أمام كافكا أو سارتر… لكنه يكتب بالعربية، بلغةٍ...
صرخ الدكتور سامي العريان: – دعوني! في شارعٍ لا يعرفه أحد، في شقةٍ صغيرةٍ... ، كان الضوءُ المتسللُ من الفتحاتِ يرقصُ على الحائطِ ككائنٍ يبحثُ عن خلاص. أبوابُ الحجراتِ تُخرجُ أشباحًا بوجوهٍ مألوفةٍ تتحدثُ إليه. تردَّد صدى صوته بين الأطياف الزاحفةِ من كل مكان. – دعوني... اتركوني وحدي! لم يعُد...
لا تبكِ يا صغيرتي... أرجوكِ يا مريم. حين تبكي مريم، يضيق صدري، وأشعر أن شيئًا فيَّ ينكسر. قالت وهي تمسح دموعها بيدٍ صغيرةٍ متوترة: ــ زميلاتي يتنمّرن عليّ، لم أعد أحتمل، بابا انقلني من هذه المدرسة. ترددتُ قليلًا. أعلم أن النقل في منتصف العام الدراسي ليس أمرًا يسيرًا، فالإجراءات والقيود لا...

هذا الملف

نصوص
325
آخر تحديث
أعلى