شريف محيي الدين إبراهيم - قرين الحب الأول...

هل نسي؟
أعود إلى السؤال نفسه، لا لأنه ملحّ، بل لأنه يرفض أن يغادرني.
أكرّره كما تُكرَّر الصلاة حين لا يكون الإيمان يقينًا، بل رجاءً خائفًا.

هل يمكن لرجلٍ أن ينسى حبَّه الأوّل حقًّا؟
أن ينسى تلك اللمسة الأولى التي لا تشبه أي لمسة بعدها،
اللمسة التي لا تعرف الجسد بعد،
لكنها تُشعل القلب دفعة واحدة؟

أتخيله…
وهو يمد يده إليها للمرة الأولى،
ارتباكه،
تردده،
ذلك التماس الخاطف الذي لا يُقال عنه شيء،
لكنه يظلّ يُعاد داخل الجسد سنوات طويلة.

يقولون إن الرجال ينسون.
وأنا لا أصدق.
النسيان كلمة سهلة، لكنها لا تشرح هذا الثقل الذي كان يسكن صدره أحيانًا بلا سبب،
ولا تشرح تلك النظرة التي كانت تبتعد عني فجأة،
كأنها تتبع شخصًا لا أراه.

كنت أراه أحيانًا يسهو،
وحين أسأله:
يبتسم،
كأن ابتسامته جاءت من زمن آخر.

كنت أقول: تعب.
أقول: شرود عابر.
أقول: هذا حقه… لكل إنسان غرفة داخلية لا يفتحها.

لكنني لم أكن أعرف
أن تلك الغرفة كانت تطل على شارع.

شارع بعينه.
شارع إذا مرّ به،
تسارعت خطواته دون وعي،
وخفق قلبه كما لو كان شابًا في أول الطريق.
شارع لا يعني شيئًا لأحد،
لكنه كان يعني له كل شيء.

لم أكن أعرف
أن رائحة برفانٍ بعينها
كانت قادرة على أن تنتزعه مني في لحظة.
أن تمرّ امرأةٌ قربنا،
فيتغير وجهه،
لا لأنه اشتهى،
بل لأنه تذكّر.

رائحة واحدة
كانت كافية
لتفتح بابًا لم أره يومًا.

لكن حين ظهرت…
لم تظهر كضيفة،
ولا كذكرى،
بل كحقيقة مؤجلة.

نظرتُ إليها،
وشعرتُ بشيء يتشقق داخلي ببطء.
لم يكن انكسارًا حادًا،
بل وعيًا قاسيًا، متدرجًا،
كمن يرى حياته تُعاد قراءتها أمامه،
جملةً جملة.

نفس الجسد…
لا أقول ذلك بسطحية،
بل بنفس الانحناءات،
بنفس الامتلاء الخفي،
كأن الجسد ذاته اختار أن يتجسد مرتين.

نفس العينين…
نظرة ليست جميلة فحسب،
بل مألوفة،
نظرة كان يعرف كيف تبدأ، وكيف تنتهي.

حتى رسمة الوجه،
ذلك التوازن الغريب بين البراءة والصرامة،
ذلك التفصيل الصغير عند الفم
الذي كنت أظنه سرّي الوحيد.

والشعر…
نفس الطول،
نفس الإهمال المتعمّد،
نفس الطريقة التي يُترك بها كأنه قرار قديم لا يُراجع.

وقفتُ أمامها،
وأدركت فجأة أنني لم أُختر عبثًا.
ولا صدفة.

هل هذا معناه أنني كنت بديلة؟
الكلمة جارحة،
لكن تجاهلها أكثر إيلامًا.

أنا أعرف أن حياتنا كانت حقيقية.
أعرف ذلك كما أعرف ملمس يده،
وكيف كان ينام مطمئنًا حين أكون إلى جواره.
أعرف ضحكته،
وأعرف خوفه،
وأعرف ضعفه الذي لم يره أحد غيري.

لكن المعرفة لا تمنع السؤال:
هل أحبني لذاتي؟
أم لأنني كنت المسافة الآمنة بينه وبينها؟

ثم جاءت الحقيقة الأشد قسوة:
أن التشابه لم يكن في الشكل فقط.
حتى الملابس…
ذائقتي التي ظننتها نابعة مني،
كانت امتدادًا لذاكرة لا أعرفها.

حتى طريقتي في الكلام،
في اختيار الكلمات،
في الصمت في اللحظة المناسبة.

كأنني كنت أتعلم دون أن أدري
كيف أكون امرأة
لم يحتج أن يتعرف إليها من البداية.

وحين مات زوجها،
وعادت،
شعرت أن الموت لم يكن نهايته،
بل كان مفتاحًا.
كأن الزمن قال:
الآن فقط يمكن للحكاية أن تُستأنف.

هل أشعر بالغيرة ؟!
الغيرة شعور بسيط،
له حدود.
أما ما شعرتُ به
فكان شكًّا في جذور نفسي.

من أنا،
بعيدًا عن هذا التشابه المذهل؟
هل لي أنا لمسة أولى تخصّني؟
شارع لا يقوده إلى غيري؟
رائحة إذا مرّت به
تُعيده إليّ أنا،
لا إلى امرأة سبقتني؟

ثم فهمت شيئًا آخر،
شيئًا أكثر عدلًا، وإن كان أكثر ألمًا:

هو لم يكن كاذبًا.
ولم يكن خائنًا.
كان إنسانًا لم يُغلق بابًا،
فاختار أن يبني بيتًا بجواره.

الحب الأول لا يموت،
لكنه لا يعيش أيضًا.
يبقى معلقًا،
كخفقة قلب في شارع قديم،
كرائحة عطرٍ لا نعرف مصدرها،
كلمسةٍ أولى
لم تتكرر
لكنها لم تُنسَ.

هي كانت زمنه.
وأنا كنت حياته.

والزمن لا يطالب بالحياة،
كما أن الحياة لا تعتذر للزمن.

لكنني أنا…
أنا التي وقفت في المنتصف،
أحمل تشابهًا لم أطلبه،
وأدفع ثمن قصة لم أبدأها.

ومع ذلك،
لن أكره نفسي.
ولن أكرهها هي لأنها تشبهني،
ولا أكرهني لأنني كنت صادقة.

سأقبل الحقيقة كما هي:
كنت امرأة حقيقية،
في حياة حقيقية،
حتى لو كانت تلك الحياة
قد كُتبت
بحبرٍ قديم…
بدأ
بلمسة،
ومرّ بشارع،
وظلّ
عالِقًا
في رائحة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى