صرخ الدكتور سامي العريان:
– دعوني!
في شارعٍ لا يعرفه أحد، في شقةٍ صغيرةٍ...
، كان الضوءُ المتسللُ من الفتحاتِ يرقصُ على الحائطِ ككائنٍ يبحثُ عن خلاص.
أبوابُ الحجراتِ تُخرجُ أشباحًا بوجوهٍ مألوفةٍ تتحدثُ إليه.
تردَّد صدى صوته بين الأطياف الزاحفةِ من كل مكان.
– دعوني... اتركوني وحدي!
لم يعُد يريدُ رؤيةَ أحدٍ...
أيَّ أحدٍ...
وخاصةً أولئك الذين ادَّعوا له بطولاتٍ لم يعُد يراها إلا وهمًا.
أولئك الذين صاغوا فيه قصائدَ من أعذبِ الكلمات، وصنعوا له مجدًا بات يحسبه زائفًا.
هل كانوا يُشجِّعونه، ويمنحونه الجوائزَ والأوسمةَ، ويدفعونه دفعًا لارتقاءِ سُلَّمِ التفوّق؟
أم أنهم كانوا يرقصون رقصةَ الموت المقدسة على بقايا جسده؟
الدكتور سامي العريان، هو أحد نوابغ عصره ،
فقد كان متفوقا دائمًا،
في كلِّ مراحله الدراسيةٍ
حتى في بعثاته العليا خارج البلاد، كان الأوّلَ على شتى الجنسيات.
بدأت ذكرياته تتحرّك ككائناتٍ تمشي في الغرفة، تلمس كتفه وتهمس له: "هل تتذكر؟"
لكنه لم يُجب.
الأشباحُ في الزوايا تُراقبه، تتنفّس معه، وتُعيد إليه ذكرياتٍ مضت.
الشقةُ أصبحت أكثرَ غرابة...
الدواليبُ تنحني، المقاعدُ تتكلم بأصواتٍ خافتة، والأبوابُ تكشف عن وجوهٍ أحبّها وفقدها.
كلُّ وجهٍ يحمل رسالةً أو تحذيرًا.
في تلك اللحظة، انفتح بابُ الغرفةِ ببطء...
دخلت زوجته نجلاء، وقالت بنبرةٍ حادّة:
– ماذا أفادنا اجتهادك؟
بدت له الأشباحُ وكأنها تجلسُ معه تحاوره.
أغلق عينيه، فلم يعُد بحاجةٍ إلى أحد، ولا إلى أصواتِ العالمِ الخارجي.
وحدتُه أصبحت الحقيقةَ الوحيدة، والأشباحُ شُهودَها.
في الغرفةِ المزدحمةِ بالأوراقِ والكتب، كانت نجلاء تصرخُ من المطبخ:
– ماذا سنأكل الليلة؟
أنت لا ترى شيئًا سوى أوراقك!
مرّ ابنه كريم عابسًا، يحمل هاتفه القديم، وقال:
– أبي، كلُّ زملائي يركبون سياراتٍ جديدة!
قال سامي بهدوءٍ مُرهَق:
– نحن لا نُقاسُ بما نرتدي من ملابس ، ولا بما نحمل من هواتف ، ولا بما نركب من سيارات.
قال كريم بدهشة:
– فبماذا إذن يُقاس الناس؟
قال سامي وهو ينظر في عينيه بثباتٍ حزين:
– لا نُقاسُ بما نملك، بل بما نتركه من أثر.
ضحك كريم ساخرًا:
– الأثرُ لا يُطعم خبزًا يا أبي!
قالت نجلاء، بنبرةٍ فيها لومٌ وسخرية:
– وهل أنت سعيدٌ بهاتفك القديم وسيارتك المتهالكة؟
قال كريم مؤيدًا:
– الناس لا تُقدّر إلا المال يا أبي!
عندها أمسك سامي بذراع ابنه بعنفٍ مفاجئ، وصاح غاضبًا:
– خطأ!
تفكيرك خطأ! أنا لم أُعلّمك هذا أبدًا!
تدخلت زوجته بسرعة، وسحبت كريم من يده قائلةً باستياء:
– الدنيا مظاهر يا دكتور، واللي ما يسايرها يُدهَس!
في تلك اللحظة، دخلت ابنته الصغيرة مي، تحمل دفترًا رسمت فيه بيتًا وشمسًا كبيرة، وقالت ببراءة:
– بابا، لما أكبر هأرسم بيتنا حلو كده... فيه ضوء وشجر.
ابتسم سامي وربّت على رأسها قائلاً:
– أهمُّ شيءٍ يا مي... أن تظلَّ يداكِ نظيفتين، لا ترسمي بالكذب.
لكن صوت نجلاء عاد كالعاصفة، حادًّا وجافًّا:
– كفى فلسفةً يا دكتور! لا أحدَ يأكل الكلمات!
أغمض سامي عينيه، فغمره ضوءٌ مختلف...
قاعةٌ مضيئة، تصفيق، كاميرات، ومذيعٌ يعلن:
– نستقبلُ العالمَ الكبيرَ الدكتور سامي العريان!
يتسلّم شهادةَ تقديرٍ وقطعةَ نحاسٍ صغيرةٍ منقوشٍ عليها اسمه.
وتكتب الصحف:
"العالمُ المصري سامي العريان يرفع اسمَ الوطن عاليًا."
لكن حين عاد إلى بيته، سألته نجلاء:
– هل دفعتَ مصاريفَ مدرسةِ البنت؟
فلم يُجب.
نزل الليلُ ثقيلاً.
جلس أمام النافذة يسمع نباحَ الكلاب وصريرَ الريح.
دمعةٌ متحجّرةٌ في عينيه، وسؤالٌ لا يهدأ:
– كيف يمكن للمرء أن يظلَّ مخلصًا في زمنٍ لا يُقدّرُ إلا المال؟
اقتربت منه مي، وضعت رأسها على كتفه.
ابتسم، وأخرج قطعةَ النحاس، وقال:
– هذا كلُّ ما تبقّى من عمرٍ من السهر والإخلاص... قطعةُ نحاس!
كان يسمع تصفيقَ القاعة، وضحكةَ زوجته، وسخريةَ ابنه.
في غرفته،
رأى وجهَ أمه في المرآة، وسمع صوتَ أبيه.
حاول أن يتحدثَ إليهما، صاح بهما:
– لقد رفضتُ جميع الإغراءات، وبقيتُ هنا، لم أتغيّر، ولم أنسَ شيئًا مما علّمتُماني!
نظرت إليه أمه في حزن، وصاح أبوه:
– المهمُّ ألّا تخسر نفسَك!
ثم رأى ابنه كريم يدخل مرتديًا بدلةً أنيقة، قال ساخرًا بنبرةٍ مشبعة بالزهو:
– كنت تظنُّ أن المبادئ تبني بيتًا؟
انظر إليَّ الآن: إلى ساعتي الذهبية، وهاتفي الأحدث، وسيارتي الألمانية.
كنت الأوّل على دفعتك، وأنا أيضًا كنت الأوّل،
لكن الفرق بيننا يا أبي أنني عرفت كيف أمسك بالحياة من عنقها، بينما تركتها أنت تفلت منك حين رفضت كل العروض الذكية.
أتذكر حين عرضت عليّك دولةً أجنبيةً: جنسية، مالًا، وسكنًا فاخرًا؟
أنت رفضت، ولكني أنا لم أفعل…
أنا الصورة الأخرى منك، الأحدث،و الأفضل.
أنت رفضت، وأنا قبلت.
تجمّد سامي للحظة، كان قلبه يخفق بعنف.
شعر أن الوريث الذكي الذي رآه في نفسه منذ الصغر قد اختار الطريق الذي رفضه هو يومًا.
ابتعد ووضع يده على قلبه هامسًا
بابتسامةٍ مريرة صامتة:
– نعم، ورثت عني الذكاء… لكنك للأسف لم ترث قلبي.
أخرج كريم من جيبه عقدًا ماسيًا طوّق به عنق والدته نجلاء، التي صاحت فرحًا:
– طيلة عشرتي معك لم أتلقَ منك هدية ثمينة مثل هذا العقد الرائع!
همس كريم:
– هذا هو العالم الذي نعيشه، يا دكتور… الناس لا تُقدّر إلا ما يلمع.
ظهرت مي من الركن، وقالت بصوتٍ مرتجف:
– أبي… كنت تقول إن الصدق خلاص الإنسان. همس بصوتٍ خافتٍ يختلط فيه الأسى بالحنين:
– سامحيني يا ابنتي… ظننت أن العالم يستحق الصدق، لكنه لا يراه إلا ضعفًا...
ما أغربَ الوحدة... إنها أصدقُ من كلِّ البشر.
ثم أغمض عينيه ببطء...
كانت الأشباحُ تقتربُ منه في دوائرَ ، كأنها جاءت لترافقه.
وسمع صوتَ أبيه يقول:
– الوحدةُ ليست عقوبةً يا سامي، بل اختبار... ومن اجتازها صار حرًّا.
انهمرت دمعةٌ أخيرةٌ على خدّه، وهمس بصوتٍ متعبٍ :
– إذن أنا حرٌّ أخيرًا... حرٌّ في وحدتي.
لم يعُد بحاجةٍ إلى أحدٍ ليشهدَ وجودَه، ولا إلى أصواتِ العالمِ الخارجي لتأكيدِ ذاتِه.
وحدتُه كانت الحقيقةَ الوحيدة، والأشباحُ والذكرياتُ شهودَها.
حتى لو عاد الجميع، لن يجرؤ أحدٌ على الاقترابِ منه.
الأشباحُ ستوقفُهم، والذكرياتُ ستسقطُ أمامهم كستائرَ من ضباب.
لن يستطيعوا اقتلاعَ صمته، أو فرضَ حضورهم المزيّف.
– دعوني!
في شارعٍ لا يعرفه أحد، في شقةٍ صغيرةٍ...
، كان الضوءُ المتسللُ من الفتحاتِ يرقصُ على الحائطِ ككائنٍ يبحثُ عن خلاص.
أبوابُ الحجراتِ تُخرجُ أشباحًا بوجوهٍ مألوفةٍ تتحدثُ إليه.
تردَّد صدى صوته بين الأطياف الزاحفةِ من كل مكان.
– دعوني... اتركوني وحدي!
لم يعُد يريدُ رؤيةَ أحدٍ...
أيَّ أحدٍ...
وخاصةً أولئك الذين ادَّعوا له بطولاتٍ لم يعُد يراها إلا وهمًا.
أولئك الذين صاغوا فيه قصائدَ من أعذبِ الكلمات، وصنعوا له مجدًا بات يحسبه زائفًا.
هل كانوا يُشجِّعونه، ويمنحونه الجوائزَ والأوسمةَ، ويدفعونه دفعًا لارتقاءِ سُلَّمِ التفوّق؟
أم أنهم كانوا يرقصون رقصةَ الموت المقدسة على بقايا جسده؟
الدكتور سامي العريان، هو أحد نوابغ عصره ،
فقد كان متفوقا دائمًا،
في كلِّ مراحله الدراسيةٍ
حتى في بعثاته العليا خارج البلاد، كان الأوّلَ على شتى الجنسيات.
بدأت ذكرياته تتحرّك ككائناتٍ تمشي في الغرفة، تلمس كتفه وتهمس له: "هل تتذكر؟"
لكنه لم يُجب.
الأشباحُ في الزوايا تُراقبه، تتنفّس معه، وتُعيد إليه ذكرياتٍ مضت.
الشقةُ أصبحت أكثرَ غرابة...
الدواليبُ تنحني، المقاعدُ تتكلم بأصواتٍ خافتة، والأبوابُ تكشف عن وجوهٍ أحبّها وفقدها.
كلُّ وجهٍ يحمل رسالةً أو تحذيرًا.
في تلك اللحظة، انفتح بابُ الغرفةِ ببطء...
دخلت زوجته نجلاء، وقالت بنبرةٍ حادّة:
– ماذا أفادنا اجتهادك؟
بدت له الأشباحُ وكأنها تجلسُ معه تحاوره.
أغلق عينيه، فلم يعُد بحاجةٍ إلى أحد، ولا إلى أصواتِ العالمِ الخارجي.
وحدتُه أصبحت الحقيقةَ الوحيدة، والأشباحُ شُهودَها.
في الغرفةِ المزدحمةِ بالأوراقِ والكتب، كانت نجلاء تصرخُ من المطبخ:
– ماذا سنأكل الليلة؟
أنت لا ترى شيئًا سوى أوراقك!
مرّ ابنه كريم عابسًا، يحمل هاتفه القديم، وقال:
– أبي، كلُّ زملائي يركبون سياراتٍ جديدة!
قال سامي بهدوءٍ مُرهَق:
– نحن لا نُقاسُ بما نرتدي من ملابس ، ولا بما نحمل من هواتف ، ولا بما نركب من سيارات.
قال كريم بدهشة:
– فبماذا إذن يُقاس الناس؟
قال سامي وهو ينظر في عينيه بثباتٍ حزين:
– لا نُقاسُ بما نملك، بل بما نتركه من أثر.
ضحك كريم ساخرًا:
– الأثرُ لا يُطعم خبزًا يا أبي!
قالت نجلاء، بنبرةٍ فيها لومٌ وسخرية:
– وهل أنت سعيدٌ بهاتفك القديم وسيارتك المتهالكة؟
قال كريم مؤيدًا:
– الناس لا تُقدّر إلا المال يا أبي!
عندها أمسك سامي بذراع ابنه بعنفٍ مفاجئ، وصاح غاضبًا:
– خطأ!
تفكيرك خطأ! أنا لم أُعلّمك هذا أبدًا!
تدخلت زوجته بسرعة، وسحبت كريم من يده قائلةً باستياء:
– الدنيا مظاهر يا دكتور، واللي ما يسايرها يُدهَس!
في تلك اللحظة، دخلت ابنته الصغيرة مي، تحمل دفترًا رسمت فيه بيتًا وشمسًا كبيرة، وقالت ببراءة:
– بابا، لما أكبر هأرسم بيتنا حلو كده... فيه ضوء وشجر.
ابتسم سامي وربّت على رأسها قائلاً:
– أهمُّ شيءٍ يا مي... أن تظلَّ يداكِ نظيفتين، لا ترسمي بالكذب.
لكن صوت نجلاء عاد كالعاصفة، حادًّا وجافًّا:
– كفى فلسفةً يا دكتور! لا أحدَ يأكل الكلمات!
أغمض سامي عينيه، فغمره ضوءٌ مختلف...
قاعةٌ مضيئة، تصفيق، كاميرات، ومذيعٌ يعلن:
– نستقبلُ العالمَ الكبيرَ الدكتور سامي العريان!
يتسلّم شهادةَ تقديرٍ وقطعةَ نحاسٍ صغيرةٍ منقوشٍ عليها اسمه.
وتكتب الصحف:
"العالمُ المصري سامي العريان يرفع اسمَ الوطن عاليًا."
لكن حين عاد إلى بيته، سألته نجلاء:
– هل دفعتَ مصاريفَ مدرسةِ البنت؟
فلم يُجب.
نزل الليلُ ثقيلاً.
جلس أمام النافذة يسمع نباحَ الكلاب وصريرَ الريح.
دمعةٌ متحجّرةٌ في عينيه، وسؤالٌ لا يهدأ:
– كيف يمكن للمرء أن يظلَّ مخلصًا في زمنٍ لا يُقدّرُ إلا المال؟
اقتربت منه مي، وضعت رأسها على كتفه.
ابتسم، وأخرج قطعةَ النحاس، وقال:
– هذا كلُّ ما تبقّى من عمرٍ من السهر والإخلاص... قطعةُ نحاس!
كان يسمع تصفيقَ القاعة، وضحكةَ زوجته، وسخريةَ ابنه.
في غرفته،
رأى وجهَ أمه في المرآة، وسمع صوتَ أبيه.
حاول أن يتحدثَ إليهما، صاح بهما:
– لقد رفضتُ جميع الإغراءات، وبقيتُ هنا، لم أتغيّر، ولم أنسَ شيئًا مما علّمتُماني!
نظرت إليه أمه في حزن، وصاح أبوه:
– المهمُّ ألّا تخسر نفسَك!
ثم رأى ابنه كريم يدخل مرتديًا بدلةً أنيقة، قال ساخرًا بنبرةٍ مشبعة بالزهو:
– كنت تظنُّ أن المبادئ تبني بيتًا؟
انظر إليَّ الآن: إلى ساعتي الذهبية، وهاتفي الأحدث، وسيارتي الألمانية.
كنت الأوّل على دفعتك، وأنا أيضًا كنت الأوّل،
لكن الفرق بيننا يا أبي أنني عرفت كيف أمسك بالحياة من عنقها، بينما تركتها أنت تفلت منك حين رفضت كل العروض الذكية.
أتذكر حين عرضت عليّك دولةً أجنبيةً: جنسية، مالًا، وسكنًا فاخرًا؟
أنت رفضت، ولكني أنا لم أفعل…
أنا الصورة الأخرى منك، الأحدث،و الأفضل.
أنت رفضت، وأنا قبلت.
تجمّد سامي للحظة، كان قلبه يخفق بعنف.
شعر أن الوريث الذكي الذي رآه في نفسه منذ الصغر قد اختار الطريق الذي رفضه هو يومًا.
ابتعد ووضع يده على قلبه هامسًا
بابتسامةٍ مريرة صامتة:
– نعم، ورثت عني الذكاء… لكنك للأسف لم ترث قلبي.
أخرج كريم من جيبه عقدًا ماسيًا طوّق به عنق والدته نجلاء، التي صاحت فرحًا:
– طيلة عشرتي معك لم أتلقَ منك هدية ثمينة مثل هذا العقد الرائع!
همس كريم:
– هذا هو العالم الذي نعيشه، يا دكتور… الناس لا تُقدّر إلا ما يلمع.
ظهرت مي من الركن، وقالت بصوتٍ مرتجف:
– أبي… كنت تقول إن الصدق خلاص الإنسان. همس بصوتٍ خافتٍ يختلط فيه الأسى بالحنين:
– سامحيني يا ابنتي… ظننت أن العالم يستحق الصدق، لكنه لا يراه إلا ضعفًا...
ما أغربَ الوحدة... إنها أصدقُ من كلِّ البشر.
ثم أغمض عينيه ببطء...
كانت الأشباحُ تقتربُ منه في دوائرَ ، كأنها جاءت لترافقه.
وسمع صوتَ أبيه يقول:
– الوحدةُ ليست عقوبةً يا سامي، بل اختبار... ومن اجتازها صار حرًّا.
انهمرت دمعةٌ أخيرةٌ على خدّه، وهمس بصوتٍ متعبٍ :
– إذن أنا حرٌّ أخيرًا... حرٌّ في وحدتي.
لم يعُد بحاجةٍ إلى أحدٍ ليشهدَ وجودَه، ولا إلى أصواتِ العالمِ الخارجي لتأكيدِ ذاتِه.
وحدتُه كانت الحقيقةَ الوحيدة، والأشباحُ والذكرياتُ شهودَها.
حتى لو عاد الجميع، لن يجرؤ أحدٌ على الاقترابِ منه.
الأشباحُ ستوقفُهم، والذكرياتُ ستسقطُ أمامهم كستائرَ من ضباب.
لن يستطيعوا اقتلاعَ صمته، أو فرضَ حضورهم المزيّف.