مجيدة محمدي

الطفل الذي رسم الشمس على التراب، وحين مرّت العاصفة، محتها دون اعتذار، المرأة التي حاكت ثوبًا من الصبر، لكن الريح سرقته قبل أن ترتديه ، الوجوه المتعبة التي تحمل مواسم الهزائم، الأيدي التي نسيت طعم اللمس، العيون التي تحمل حكاياتها كخناجر مغروسة، الضحكات المبتورة، و الأغاني التي لم تُكمل...
الأنوالُ ، ضلوعٌ مقلوبة على صبرٍ قديم، كل خيطٍ يمتدّ من نبضٍ مهمل، من حلمٍ لُفّ بعهن متشابك ، من صوتٍ لم يجد فمه بعد. و هنّ لا يقلن شيئًا، لكن السجادة تنطق، بلغةٍ الوخز، وبالانتظار الممتدِّ كشَعرٍهن الأبيض الذي تخلص من ألوانه... اللون الأزرق؟ دمعةٌ وقفت على بابها ولم تطرق. والأحمر؟ صرخةُ...
القصيدة التي بين أيدينا ليست مجرّد نص شعري، بل مرآة ناطقة لعلاقة الإنسان – لا الشاعر فحسب – مع اللغة، مع المعنى، مع الخوف، ومع فكرة الخلق ذاتها. إنها ليست فقط قصيدة عن الشعر، بل عن ذلك الصدع الخفيّ الذي يتكوّن في الروح حين تحاول التعبير عما لا يُقال، عن تلك الولادة المؤلمة لكل نص، التي لا تتم...
أبجديةٌ مكسورة، تزحف على أطرافها كالعقارب، كلّما رتّبتها، عادت فوضى، كأحلام النائم في حريق. بعض الكلماتِ، تأتي حافية القدمين، تُدمي السطور، وتغادر بلا وداع... كأنها تعرف أن لا قلبَ لي ولا قبرَ لها. هناك، في ركنٍ خفي من الرأس، تجلس القصيدةُ، تقضم أظافرها بأسنانها، تضحك... تهمس للمداد ، "لن أخرج...
حين وُلدتُ، أخبرتني الملائكة أنها كانت تنتظرني ، سمعت صوتَها فأقتعنت بالبقاء. كنتُ أكتب الشعرَ ولا أعرف أنني كنتُ أنسخُ صوتَها. كلُّ استعارةٍ سرقتها من طريقةِ إبتسامتها الخجولة ، وهي تطرز الدفء. وكلُّ تشبيهٍ من خطواتها وهي تقفل الباب برفق، كي لا توقظ الليلَ. أمي تؤمنُ أن الغناءَ يمكن أن يُصلح...
هؤلاء الذين يقفون عند الحافة، لا إلى الضوء ولا إلى الظل، لا يزرعون، ولا يحصدون، يرتدون قميص "ربما"، ويعلّقون أعمارهم على شماعة "لاحقاً". يمشون بخطى مترددة. خشية أن يوقظوا رغباتهم، يشربون الماء قطرة قطرة كمن يخشى أن يُبلّل ذاته. يتنفسون بنفس متقطع ، كأن الحياة لا ينبغي أن تلاحظ وجودهم. في...
لا ينكر احد ان مسألة التعليم تتربع على رأس الأولويات، بوصفها المحرك الأول للنهضة والمقياس الحقيقي لمكانة الشعوب بين الأمم. لكن التعليم في منطقتنا، لا سيما التعليم الخاص، لم يعد ذلك الكيان البريء الباحث عن التميز فحسب، بل صار ميدانًا لجدل حارق، تتقاطع فيه خيوط الهوية، والمصالح، والاستراتيجيات...
في المساءِ الخامس والعشرين بعد الألفين ، حين كان القمرُ مستلقياً على خاصرةِ الضيم ، نمتُ على ظهري كمن يخلعُ التاريخَ عن كتفيه، ـــــــــ وفي الحلم، وصلني بريدٌ مستعجل، مختومٌ بشفاهٍ قُبْلتُها البنادق، مُرسلٌ من جهةٍ لا تُحددها الخرائطُ ولا تعترفُ بالجغرافيا فتحته، فخرجَت منه رائحةُ الزعترٍ،...
يا الله، لستُ قديسةً تلفُّها هالاتُ الضوء، ولا نبيّةً تنشقُّ لها البحارُ وتتسعُ لها المعجزات، ولا آدم، الذي وهبَ نبيّك داوودَ أربعينَ عامًا من فجرِ عمره، أنا فقط ، امرأةٌ تقصُّ على صغارها قصائدَ من رملٍ وجدرانٍ متداعية، أمٌّ تشمُّ رمادَ ألعابهم، تعدُّ الشظايا كما تُعدُّ العصافيرُ في هجرتها...
"حين تنطق الأرض: جدلية الألم والصمود في شعر الوطن" هاتان القصيدتان – "سلام على أرض السلام" لـ نادية عوض، و"يا فلسطين" لـ مجيدة محمدي – تمثلان صوتين نسويين معاصرين، يوظفان الشعر بوصفه مقاومة رمزية، ووسيلة لاستعادة المعنى في وجه الفقد، والحفاظ على الذاكرة في زمن المحو. ورغم تشابه السياق العام بين...
ينبت في قلب الإنسان وهم المقارنة كأشواك في حديقة كان يفترض أن تنمو فيها الزهور. ننظر حولنا، نحدّق في حيوات الآخرين كما لو أنها شرفات مطلة على الجنة، وننسى أن نلتفت إلى حقلنا الداخلي، إلى التربة التي نحرثها بأيدينا كل يوم، وإلى البذور التي سقيناها من وجعنا، من صبرنا، ومن أحلامنا التي لا تشبه...
ثمة صوت خافت، أشبه بطقطقةٍ مستمرة، لا نكاد نسمعه ولكننا نرى آثاره كل يوم. إنه ليس قنبلة تنفجر، ولا انقلابًا عسكريًا، ولا استعمارًا ناعمًا. بل هو شيء أشد خبثًا، وأكثر صبرًا: نظرية التورمايت، أو النمل الأبيض، كما يسميها علماء النفس والثقافة الحديثة. هذه النظرية لا تتحدث عن هدمٍ مباشر، بل عن...
أم الغرف ، غرفة خضراء ، حُدودُها بلا جُدران، بل من دفءِ كَفّينِ مُمتدَّتينِ إلى الضّوء. غُرفةٌ تُشبهُ حضنَ أمٍّ تُسمّى جنة ، غُرفةٌ تشبهُ فجرَ العيونِ قبلَ أنْ تُبصرَ اللّونَ، غُرفةٌ بلا وقتٍ، بلا ذاكرةٍ، بمَنفذٍ وحيد إلى العالَمِ. (1) في غُرفةِ الطّفولةِ كانَتِ الجدرانُ لوحاتٍ بِخُطوطٍ...
منذ عامٍ، لم أكتب قصيدةً جديدة. لم أفتح النافذة على الفراغ، لم أضع إصبعي في فم الليل لأقيس حرارته، لم أعد أختبر الكلمات على لساني كما يفعل الطهاة، لم أضع الحروف فوق النار لأرى أيُّها يصير رمادًا وأيُّها ينبت أجنحة. منذ عام، وأنا أراقب اللغة وهي تشيخُ في المرآة. أحرفٌ مترهّلة، نقاطٌ تتساقط...
كان فينا نورٌ، أو هكذا قيل. كان لنا وجوهٌ لا تخجلُ من انعكاسها في الماء، وأيدٍ لا تخافُ أن تمتدَّ إلى يدٍ مرتجفة، وقلوبٌ تشبهُ العصافيرَ إذا ارتعشت الأرضُ من البرد. متى انطفأنا؟ في أيِّ ليلةٍ نامت ضمائرُنا ولم تستيقظ؟ في أيِّ صباحٍ شربنا القهوةَ بدمٍ باردٍ، ونظرنا من النوافذِ إلى الظلمِ كما لو...

هذا الملف

نصوص
125
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى