لقد كانت أياماً مليئة بالحياة. جادها الغيث إذا الغيث همى
جلسنا بعد سير طويل عند مدخل البهو ذي الأعمدة، واخذ بعض الرفقة ينطقون أوتار المزهر والكمان والقانون فترتفع مقاطعها المتآلفة المتناسقة بأحسن الأنغام وأطيب الألحان ثم تجاوبت الأصداء العجيبة من نواحي ذلك البهو الفسيح، فإذا الجو له يطن بأمواج...
فتىً في ربيع العمر. رأيته مرة قبل خمس سنين، وكنت أعهده فتى صموتاً مع رفاقه، يغرق بالتفكير، ويحدق بعينيه إلى جهة من الجهات، وعندما يحول نظره إلى جهة أخرى، يعقب التفاتته بحسرة. لا يكلم صحبه إلا بين آونة وأخرى، وأن ضحك فضحكة قصيرة هادئة.
التقيت به مرة في حياتي. وحاولت لقائه ثانية فما أفلحت، حتى...
إنها الراعية. لها معزة تحبها حبا جما. كل الراعيات في الحقيقة، متعلقات بمعزاتهن، وهن جميعا. بمعزاتهن يشكلن قطيعا يتنقل بين التلال المعشوشبة، حيث تنعدم أشجار التين والزيتون وحيث تكثر مختلف أنواع النباتات العطرة الشوكية وغيرها. ففي الغابة. يشعر الجميع بالراحة. والوقت هناك يمر بسرعة، تتفسح وتمرح...
إلي الذين يموتون دون أن يدركوا وينقذهم الموت
أنا متأكّد أنّه هنا من أجلي. يراقب منذ الصباح كلّ خطوة من خطواتي، كلّ نظرة، كلّ تردّد من تردّداتي، يحلّلها، يزِنها، محاولا أن يكتشف من خلالها الخوف الذي يعرف أنّه بداخلي.
لقد قرّروا إذن أنني سأموت مرتجفا، ومرتديا ثوب الرعب القديم. ولم أعد أشكّ في...
سألَتْه زوجته عند مغادرة البيت في ذلك الصباح إلى مقرّ عمله أن يأتيها في المساء بليرة إنكليزيّة ذهبيّة لتقدمها هديّة إلى ابنتهما الوحيدة في عيد ميلادها . وكان ذلك اليوم يوم مولدها الثاني عشر . فاغتبط الوالد بفكرة الوالدة ووعدها خيراً .
وعند العصر عادت الصبية من مدرستها وفي وجهها الحلو ما ينمّ عن...
قالت ربة المنزل، وقد حف بها أولادها وأحفادها، وجلسنا نحن على مقعدين نصبوهما لنا في صدر الغرفة:
قالت أصغوا ألي فأني قاصة عليكم الليلة قصة واقعة. شاهدت حوادثها بعيني رأسي. ولا يزال أشخاصها أحياء يرزقون، وليس كل ما تمتاز به أنها واقعة، ففي الواقع كثير من التوافه، ولكنها تمتاز بأنها مؤثرة وان فيها...
لقد ماتت وأنا في الثانية من
عمري أتذكرها تماماً.. لقد كان
شعرها أزرق وعيناها حمراوين
(جيمس الابن)
ها أنذا أعود بعد أن نفضت يدي من تراب أمي.
كنت أسير وئيداً وأتلفت حوالي بحذر، ثم رفعت طرف سروالي لأمسح حذائي بجوربي لأخلص من تراب المقبرة .. كيف هربت هكذا بعد الجنازة؟ ماذا يقول الناس؟ إلى الجحيم...
لقد واتاه الحظ، ومشى إليه السعد، وحفلت حيلته الجديدة بما تحفل به حياة رجل عظيم!. لم يعد الشيخ (ياقوت) رجلاً عادياً في القرية، بل أضحى رجلاً مرموقاً. فأنت ترى الجلوس في آخر الطريق ينهضون على أقدامهم عندما يبدو في أوله في جبة من الجوخ. وقفطان من السكروتة، وعمامة متقنة يبدو شاشها دائماً ناصعاً...
سكت القوم وكأنهم ينصتون إلى نغم سماوي جميل. وكأن النغم قد حملهم من الأرض الدنسة إلى السماء الطاهرة، واستمرت هي في عزفها تهز أوتار القلوب هزاً ضعيفاً مطرباً ثم أتمت عزفها والتفتت إلى السامعين فإذا كل منهم مشدوه، ألهاه الطرب وأنساه النغم أن يظهر إعجابه أو سروره. ورنت ضحكتها العذبة الجميلة فتنبه...
(من المظنون إن العبقرية لا تغيب طويلا عن (كرمة ابن هاني) فان البواكير التي تتفتح عنها قريحة حسين شوق في الشعر والقصص لابد أن تذكرها بمهبطها الاول ومألفها القديم. ولعلك واجد في هذه القصة الساذجة من رقة الحديث وخفة الأسلوب ما يبعث الأمل في هذا الظن)
إذا سقت إليك الحديث الآن عن كلبتى (بلوتا) فإنما...
1- الاعتقال
الاشجار الخضراء في الشارع كفت عن الغناء لحظة تحلق عدد من رجال الشرطة المتجهمي الوجوه حول رجل يمشي على الرصيف سيفا هرما، رمحا متعبا، آن له أن يخلد الى الراحة بعد انتصاره في آلاف المعارك، وابتدره واحد منهم قائلا له بلهجة فظة: »أعطنا هويتك«.
فتقبل الرجل لهجة الشرطي باستنكار، وأوشك أن...
أجمع أصدقائى واتفقوا فيما بينهم أن أمرى عجيب ، وأن رأسى ناشفة ، وكثيرا ما أركبها .. فى لحظات الانبساط والتجلى كنت أضحك عاليا وأرد عليهم :"هذا طول ذيل منكم ، فلو لففتم الكون كله فلن تجدوا رأسا كرأسى " ..
وفى أوقات الضيق والمشاكل وما أكثرها كنت أرد في حدة بالغة: "رأسي وأنا حر فيها ، أنشفها ،...
عرفته في الثامنة عشرة، طويل القامة في غير افراط، نحيل الجسم في غير هزال، مهيب الطلعة في غير تأنق، حلو الحديث في غير تكلف، ولست أذكر وقد مضى على تعارفنا نحو ستة أعوام ما الذي جذبني إليه حينما رأيته لأول مرة حتى لقد امتزجت روحي بروحه، أهو هدوءه ورزانته ام نشاطه وهيبته؟ وكل ما أتذكره الآن هو...
كان ذلك في يوم جمعة في شهر فبراير سنة 1919، ولم أكن وقتها حديث عهد بجبل المقطم، أو قليل خبرة بوديانه وطرقاته، ولكنها حالة طارئة من النوع الذي يبتلى به رواد الصحراء. فتودي بهم أو تجعلهم يتخبطون فيها على غير هدى، إلى أن تنتشلهم العناية الألهية (كانت تجربة قاسية ولكن الله سلم)، ولا يظنن القارئ...
كان يجري كالشبح الهائم وأنا أجري وراءه، وبدا في إطاره وهلاهيله كأنه جوادة نحيلة الجسد نحيلة الساقين. أدركته بعد أن كاد قلبي يتوقف وشددته من كم ردائه وسألت: لم تجري يا شيخ ؟
رفع الي عينين ضارعتين واسترد أنفاسه اللاهثة وقال:
- دعني يا ولدي. دعني. حاولت أن أضع يدي على كتفه فمنعتني النظرة الباكية...