كان الصبي الملاّح ينساب بزورقه الجميل على مياه البحيرة السويسرية الهادئة ، قاصداً كوخه عند الساحل ، ونغمات الأرغن المحمّلة بأعمق المشاعر وأرق الأحاسيس ، تنطلق من النافذة ، وتغمر الفضاء المحيط بالبحيرة ، جعلت الصبي يُبطئ في انطلاقه ، ثم يعود ليلقي مرساته ، ويتوقف بجانب القصر الأنيق العتيق المطل بسوره السميك على ساحل البحيرة الحالمة .
إجتذبته هذهِ الأنغام بسحرها وحنانها ، وهيمنت على حواسه ، فبدا كالشارد ، إذ كان أول عهده بسماع الأرغن .
كانت تلك الساعة في ليلة من ليالي الربيع ، ونور البدر قد طلى البحيرة بصبغة رقيقة تبعث في النفوس الشاعرة : الخيال والبهجة والأطمئنان .
كانت في غرفة من غرف ذلك القصر القديم ، فتاة ايطالية جميلة في ربيعها السابع عشر ، حلت مع أمها في ذلك القصر لتقضيا فيه فصل الربيع وبرهة من الصيف .
كانت الفتاة ــ وهي تعزف على الأرغن ، والشموع الأربع الكبيرة قد كست الغرفة بصبغتها الشاحبة ــ تذيب وجدانها مع الألحان ، ثَمِلة بالنشوة الروحية ، والأم تقشعر كلما لامست الأغنام وتراً من فؤادها ، وهزت عصباً من شعورها ، فتارة تتطلع إلى محيا أبنتها المنار بالشمعة الصغيرة في الشمعدان على الأرغن ، وتارة إلى أصابعها المتحركة برشاقة ولطف ، والصبي مأخوذ ، ينصت ويطرب .
وبعد ساعة إنقطع اللحن ، وساد الهدوء ، وعمّ السكون ، والفتى ما زال جامداً في موضعه ، يتوقع تتابع الألحان ، لكن الظلام ازداد ادلهماماً بعد أن توارى البدر وراء الجبال المكللة جباهها بالثلوج ، وظل السكون شاملاً المكان ، فانتبه من وجومه ، وانطلق بمجدافيه نحو الساحل مسرعاً ، لأن والديه بانتظار أوبته ليشاركهما العشاء والسمر ، ثم النوم الهاديء .
لما عاد الملاّح الصغير في الليلة التالية من نفس المسار الذي سلك بالأمس ، سمع ذات العزف السحري ، فتوقف يصغي ، لم يألف هذا الصبي السويسري سوى أغاني الملاحين ، وعزفهم على القياثير الصغيرة والنايات ، لكنه حين أرهف السمع للأرغن ، جُنَّ بحبه وشغف بألحانه الشجية ، فكانت تلك حالة معظم ليالي ذلك الربيع البهيج ، حتى انطبعت تلك الألحان في خاطره ، وأصبحت جزءاً منه ، يرددها وهو يجذف ، قاطعاً تلك البحيرة من أقصاها إلى أقصاها ، من مطلع الفجر ، حتى حلول الظلام .
كانت حنجرته ذات صوت عذب رخيم ، ففي فجر يوم من أيار ، والفتاة تتلو صلاتها الصباحية ، تهافت على سمعها صوت خافت ، تردده البحيرة ، لكنه كان لحنها المحبوب " صلاة الأمل " ، فاستغربت الأمر ، وخفق قلبها خفقاناً شديداً ، وارتجف في صدرها ، فنهضت واقفة والنغم مسترسل ، وهرعت إلى الشرفة المطلة على البحيرة ، تتطلع بلهفة ، فلمحت الصبي الذي لم تقع عليه عيناها قبل تلك اللحظة ، كان يقطع البحيرة بزورقه الجميل ، وقد وضع قبعة صغيرة على رأسه ، تاركاً ظهره للقصر ، ووجهه للبحيرة ، حتى تضاءل صوته وتلاشى منظره ، فعادت إلى غرفتها مطرقة متثاقلة ، وارتدت ملابس الصباح ، لكنها ركنت إلى الجلوس ، غارقة في تفكيرها وأحلامها ، وكان فؤادها يتكلم بصمت : تُرى من يكون ؟! كيف يعرف اللحن ؟! يبدو أنه ملاح صغير ... لابد لي من الوقوف على جوهر الحقيقة .....
وحين جلست الفتاة وأمها لتناول الفطور ، ألفت الأم وحيدتها غافلة ، في مهمه التفكير ، وعلى غير عادتها من الكلام والمرح ، فسألتها :
ــ ما بكِ يا ابنتي ؟
ــ لا شيء يا أماه ، ألم تسمعي ؟
ــ ما هو ؟ ماذا سمعتِ ؟
ــ " صلاة الأمل " ! كان يرددها هذا الفجر نوتي عابر !
ــ ماذا تقولين يا عزيزتي ؟!
ــ الصدق ما أقول ، فهذا ما سمعت وشاهدت يا أمي .
فنظرت إليها الأم نظرة خاطفة ، وواصلت تناول الفطور صامتة .
ظل إنشاد الفتى سحابة ذلك النهار مهيمناً على حواسها ، حتى خيّم الغروب الذي شمل تلك البحيرة بجلاله وجماله ، فتناولت كتاب ( النبي ) لجبران خليل جبران بالأيطالية ، وجلست في غرفتها قريباً من الشرفة تقرأ ، ولما بلغت هذهِ العبارة : " إذا أشارت المحبة إليكم فاتبعوها .... المحبة تضمكم إلى قلبها كأغمار حنطة ، وتدرسكم على بيادرها كي تُظهر عُريكم ، وتغربلكم كي تحرركم من قشوركم ، وتطحنكم كي تجعلكم أنقياء كالثلج ، ثم تُعدّكم لنارها المقدسة كي تصيروا خبزاً مقدساً يُقرّب على مائدة الرب المقدسة " ، أطالت التأمل فيها ، وقرأتها مراراً ، وغابت عن وعيها تحلم ، حتى أفاقت على صفير الغلام الملاّح ، منسرباً بزورقه الجميل بمحاذاة القصر ، أطلّت من وراء زجاج النافذة ن وارتعش كيانها حين لمحت جماله الساذج ، وقسماته التي تنمّ على الوداعة والطهر وصفاء القلب .
ولما بلغ النافذة التي اعتاد الوقوف تحتها ، هدأ وشرع يرتل أنغاماً خافتة ، رافعاً رأسه بين الحين والآخر نحو النافذة ، كأنه يستحث أهل الدار على إسماعه الموسيقى ، كما أعتاد منهم كل مساء ، وكانت هي تبصره من حيث لا يراها ، واقفة إزاء الستائر الرقيقة الزرقاء ، لكنها أحسّت بأنها تندفع نحو الشرفة ، وتطل عليه منحنية إنحناءة بسيطة ، ثم تحييه :
ــ أسعد الله مساءك أيها الملاّح الصغير .
ــ مساء الخير ، آنستي ، هل أنتِ التي تعزفين الموسيقى في هذا القصر ؟
ــ نعم أنا ، وهل أنتَ الذي تردد هذا اللحن منذ لحظة .... وعند الفجر ؟
ــ نعم ، يا آنسة ، فقد حفظته في قلبي لأني أحببته كثيراً ، أني أردده دائماً ، إلا أنني لا أعرف الآلة التي تُطلقه ، أتصورها آلة كبيرة !
ــ أجل ، وكيف استطعت حفظ اللحن ؟
ــ أقصد هذا الموضع كل يوم مثل هذهِ الساعة ، وأُرهف سمعي ، بتّ وأنا على هذا الحال ما يقرب من شهر ، فتغلغلت الألحان إلى أعماق نفسي ، وأضحت سروري وابتهاجي في وحدتي وساعات عملي .
ــ هل أنت وحيد في هذا العالم ؟
ــ أنا وحيد والديَّ .
كان الغلام ، وهو في ربيعه الخامس عشر ، يتكلم بلهجة لطيفة ساذجة ، تُحبب إليه القلوب ، وتفتح نوافذها وأكمامها ، لكن الظلام قد زحف بعصائبه ، وتعسَّر على كل منهما مشاهدة الثاني ، وعندما بلغ أذن الأم صوت الحديث المتبادل ، جاءت وأصغت ، فأمسى الملاّح خجلاً ، وقال : " هل لكِ يا آنستي أن تُسمعيني هذا اللحن ، قبل أن أودّع هذا المكان ؟ " ، وتناول القيثارة الصغيرة ، وداعب أوتارها ، مرسلاً مقدمة اللحن الحبيب ، فاقشعرّ جسم الفتاة النحيف ، لأنه إنما غمز أوتار قلبها الحساسة ، فانتفضت من روعة التأثير العميق ، ثم قال : " ما اسم هذا اللحن البديع ؟ " ، أجابت بعد برهة صمت : إسمه ... " صلاة الأمل " ، ودلفت إلى الغرفة ، فجلست إلى الأرغن ، وشرعت تعزف تلك القطعة وأخرى للموسيقار هنري برسيل عنوانها ( أنظر والآن اعبد الرب ) ، وعندما فرغت من العزف ، كان الغلام قد أوشك أن يصل الكوخ ، وهو مفعم بالحبور والنشوة .
ولما أصبح اليوم التالي ، ألقى كل منهما نفسه بين ذراعي أمه ، وطفقا يبكيان كالأطفال من جذوة المحبة وتباريحها الأولى ، فقالت أم الفتاة العذراء لابنتها : " هيا إبنتي .... هَيِئي نفسك وامتعتك للسفر ، علينا أن نغادر هذا المكان " .
عام 1982
========
يعقوب أفرام منصور
مِنْ مَوالِيد البَصْرَة 5- 5- 1926 م .
تَنَقَّلَ ما بَيْنَ البَصْرَة والمَوْصِل وبَغْداد، حَيْثُ ولِدَ في البَصْرَة ونَشَأَ فيها، ثُمَّ سَكنَ المَوْصِل خَمْس سَنَوات مِنْ 1940م ـ 1945م ، في صَيْف 1945 عادَ إِلى البَصْرَة وهو في الصَفّ الرَابِع الإِعْدادِيّ، وفي حِيْنِها أَكْمَلَ الدِرَاسَة الإِعْدادِيَّة في البَصْرَة، وحَصَلَ على المَرْكزِ الثَاني على عُمومِ المُحافَظَة في أَمْتِحانِ البَكالُوريا، غادَرَ البَصْرَة إِلى بَغْداد عام 1957 وتَرَكها إِلى أَرْبيل في أَوائلِ عام 2011 م .
تَوَظَّفَ في شَرِكةٍ لِلطيرَان في المَعْقَل/ البَصْرَة بَعْدَ تَخَرُّجِهِ .
تَزَوَّجَ عام 1950 وأَنْجَبَ سَبْعةَ أَطْفَال، ثَلاث بَنَات وأَرْبعة بَنين .
مُنْذُ صِغَرِهِ كانَ مُولَعاً بِالقِراءَةِ ، وكانَ خَالَهُ (وهو رَسَّام) مُولَع أَيْضاً بِمُطالَعةِ الكُتُب ويَدْعوهُ لِيَقْرأَ على مَسَامِعهِ بَعْضَ الأَشْعار، وكذلِك والِدَهُ كانَ يُزَوّدهُ بِبَعْضِ الكُتُبِ مِنْ المكْتَبَةِ العامَّة في المَوْصِل .
بَدأَ بِكِتَابَةِ بَعْضِ الخَواطِرِ الأَدبِيَّة مُنْذُ عام 1949م، ولِكوْنِهِ يُجِيدُ اللُغَة الأَنْكليزِيَّة شَرعَ في وَقْتِها بِتَرْجَمَةِ الشِعْر والَّذِي يُعْتَبَرُ أَصْعَب مِنْ النَثْر، وبَدأَ يَنْشُرُ مُنْذُ ذاكَ العام 1949 في مَجَلَّة الأَدِيب وبَعْضِ الصُحُفِ المَوْصِليَّة والبَغْدادِيَّة والبَصْرِيَّة .
لَهُ عشَرَات الرَسَائل والأَبْحاث النَقْدِيَّة والدِرَاسَاتِ والمَقَالات .
نَشَرَتْ جرِيدَة (المُحرِر) المَغْربِيَّة في 30- 3- 1979، والمُوافِق ليَوْم الأَرْض الفلسطينِيَّة مَقَالَهُ المَوْسوم (رِسالَة مَفْتُوحة إِلى الرَئيس الأَمْرِيكي جيمي كارتر) ، كما نَشَرَتْ في 26 ـ 27- 11- 1978 مَقَالَهُ عَن المُوسِيقار الأَلْمانِيّ ـ النَمْساويّ فرانز شوبرت بِمُنَاسبَةِ ذِكْرَى مرورِ 150 سنَة على وَفَاتِهِ .
نَشَرَتْ جرِيدَة الزَمان البَغْدادِيَّة في 2- 6- 2012 مَقَالاً عَنْهُ بِقَلَمِ فوزي نعيم في الصَفْحَةِ التَاسِعة تَحْتَ عُنْوان (يعقوب أفرام منصور يُحرِّر الأَفْكار فتُصْبِحُ مُلْكاً لِلجَميع ـ سُنْبُلَة ثَرِيَّة وطائِرٌ رَحَّال عِبْرَ الحقُول) .
إجتذبته هذهِ الأنغام بسحرها وحنانها ، وهيمنت على حواسه ، فبدا كالشارد ، إذ كان أول عهده بسماع الأرغن .
كانت تلك الساعة في ليلة من ليالي الربيع ، ونور البدر قد طلى البحيرة بصبغة رقيقة تبعث في النفوس الشاعرة : الخيال والبهجة والأطمئنان .
كانت في غرفة من غرف ذلك القصر القديم ، فتاة ايطالية جميلة في ربيعها السابع عشر ، حلت مع أمها في ذلك القصر لتقضيا فيه فصل الربيع وبرهة من الصيف .
كانت الفتاة ــ وهي تعزف على الأرغن ، والشموع الأربع الكبيرة قد كست الغرفة بصبغتها الشاحبة ــ تذيب وجدانها مع الألحان ، ثَمِلة بالنشوة الروحية ، والأم تقشعر كلما لامست الأغنام وتراً من فؤادها ، وهزت عصباً من شعورها ، فتارة تتطلع إلى محيا أبنتها المنار بالشمعة الصغيرة في الشمعدان على الأرغن ، وتارة إلى أصابعها المتحركة برشاقة ولطف ، والصبي مأخوذ ، ينصت ويطرب .
وبعد ساعة إنقطع اللحن ، وساد الهدوء ، وعمّ السكون ، والفتى ما زال جامداً في موضعه ، يتوقع تتابع الألحان ، لكن الظلام ازداد ادلهماماً بعد أن توارى البدر وراء الجبال المكللة جباهها بالثلوج ، وظل السكون شاملاً المكان ، فانتبه من وجومه ، وانطلق بمجدافيه نحو الساحل مسرعاً ، لأن والديه بانتظار أوبته ليشاركهما العشاء والسمر ، ثم النوم الهاديء .
لما عاد الملاّح الصغير في الليلة التالية من نفس المسار الذي سلك بالأمس ، سمع ذات العزف السحري ، فتوقف يصغي ، لم يألف هذا الصبي السويسري سوى أغاني الملاحين ، وعزفهم على القياثير الصغيرة والنايات ، لكنه حين أرهف السمع للأرغن ، جُنَّ بحبه وشغف بألحانه الشجية ، فكانت تلك حالة معظم ليالي ذلك الربيع البهيج ، حتى انطبعت تلك الألحان في خاطره ، وأصبحت جزءاً منه ، يرددها وهو يجذف ، قاطعاً تلك البحيرة من أقصاها إلى أقصاها ، من مطلع الفجر ، حتى حلول الظلام .
كانت حنجرته ذات صوت عذب رخيم ، ففي فجر يوم من أيار ، والفتاة تتلو صلاتها الصباحية ، تهافت على سمعها صوت خافت ، تردده البحيرة ، لكنه كان لحنها المحبوب " صلاة الأمل " ، فاستغربت الأمر ، وخفق قلبها خفقاناً شديداً ، وارتجف في صدرها ، فنهضت واقفة والنغم مسترسل ، وهرعت إلى الشرفة المطلة على البحيرة ، تتطلع بلهفة ، فلمحت الصبي الذي لم تقع عليه عيناها قبل تلك اللحظة ، كان يقطع البحيرة بزورقه الجميل ، وقد وضع قبعة صغيرة على رأسه ، تاركاً ظهره للقصر ، ووجهه للبحيرة ، حتى تضاءل صوته وتلاشى منظره ، فعادت إلى غرفتها مطرقة متثاقلة ، وارتدت ملابس الصباح ، لكنها ركنت إلى الجلوس ، غارقة في تفكيرها وأحلامها ، وكان فؤادها يتكلم بصمت : تُرى من يكون ؟! كيف يعرف اللحن ؟! يبدو أنه ملاح صغير ... لابد لي من الوقوف على جوهر الحقيقة .....
وحين جلست الفتاة وأمها لتناول الفطور ، ألفت الأم وحيدتها غافلة ، في مهمه التفكير ، وعلى غير عادتها من الكلام والمرح ، فسألتها :
ــ ما بكِ يا ابنتي ؟
ــ لا شيء يا أماه ، ألم تسمعي ؟
ــ ما هو ؟ ماذا سمعتِ ؟
ــ " صلاة الأمل " ! كان يرددها هذا الفجر نوتي عابر !
ــ ماذا تقولين يا عزيزتي ؟!
ــ الصدق ما أقول ، فهذا ما سمعت وشاهدت يا أمي .
فنظرت إليها الأم نظرة خاطفة ، وواصلت تناول الفطور صامتة .
ظل إنشاد الفتى سحابة ذلك النهار مهيمناً على حواسها ، حتى خيّم الغروب الذي شمل تلك البحيرة بجلاله وجماله ، فتناولت كتاب ( النبي ) لجبران خليل جبران بالأيطالية ، وجلست في غرفتها قريباً من الشرفة تقرأ ، ولما بلغت هذهِ العبارة : " إذا أشارت المحبة إليكم فاتبعوها .... المحبة تضمكم إلى قلبها كأغمار حنطة ، وتدرسكم على بيادرها كي تُظهر عُريكم ، وتغربلكم كي تحرركم من قشوركم ، وتطحنكم كي تجعلكم أنقياء كالثلج ، ثم تُعدّكم لنارها المقدسة كي تصيروا خبزاً مقدساً يُقرّب على مائدة الرب المقدسة " ، أطالت التأمل فيها ، وقرأتها مراراً ، وغابت عن وعيها تحلم ، حتى أفاقت على صفير الغلام الملاّح ، منسرباً بزورقه الجميل بمحاذاة القصر ، أطلّت من وراء زجاج النافذة ن وارتعش كيانها حين لمحت جماله الساذج ، وقسماته التي تنمّ على الوداعة والطهر وصفاء القلب .
ولما بلغ النافذة التي اعتاد الوقوف تحتها ، هدأ وشرع يرتل أنغاماً خافتة ، رافعاً رأسه بين الحين والآخر نحو النافذة ، كأنه يستحث أهل الدار على إسماعه الموسيقى ، كما أعتاد منهم كل مساء ، وكانت هي تبصره من حيث لا يراها ، واقفة إزاء الستائر الرقيقة الزرقاء ، لكنها أحسّت بأنها تندفع نحو الشرفة ، وتطل عليه منحنية إنحناءة بسيطة ، ثم تحييه :
ــ أسعد الله مساءك أيها الملاّح الصغير .
ــ مساء الخير ، آنستي ، هل أنتِ التي تعزفين الموسيقى في هذا القصر ؟
ــ نعم أنا ، وهل أنتَ الذي تردد هذا اللحن منذ لحظة .... وعند الفجر ؟
ــ نعم ، يا آنسة ، فقد حفظته في قلبي لأني أحببته كثيراً ، أني أردده دائماً ، إلا أنني لا أعرف الآلة التي تُطلقه ، أتصورها آلة كبيرة !
ــ أجل ، وكيف استطعت حفظ اللحن ؟
ــ أقصد هذا الموضع كل يوم مثل هذهِ الساعة ، وأُرهف سمعي ، بتّ وأنا على هذا الحال ما يقرب من شهر ، فتغلغلت الألحان إلى أعماق نفسي ، وأضحت سروري وابتهاجي في وحدتي وساعات عملي .
ــ هل أنت وحيد في هذا العالم ؟
ــ أنا وحيد والديَّ .
كان الغلام ، وهو في ربيعه الخامس عشر ، يتكلم بلهجة لطيفة ساذجة ، تُحبب إليه القلوب ، وتفتح نوافذها وأكمامها ، لكن الظلام قد زحف بعصائبه ، وتعسَّر على كل منهما مشاهدة الثاني ، وعندما بلغ أذن الأم صوت الحديث المتبادل ، جاءت وأصغت ، فأمسى الملاّح خجلاً ، وقال : " هل لكِ يا آنستي أن تُسمعيني هذا اللحن ، قبل أن أودّع هذا المكان ؟ " ، وتناول القيثارة الصغيرة ، وداعب أوتارها ، مرسلاً مقدمة اللحن الحبيب ، فاقشعرّ جسم الفتاة النحيف ، لأنه إنما غمز أوتار قلبها الحساسة ، فانتفضت من روعة التأثير العميق ، ثم قال : " ما اسم هذا اللحن البديع ؟ " ، أجابت بعد برهة صمت : إسمه ... " صلاة الأمل " ، ودلفت إلى الغرفة ، فجلست إلى الأرغن ، وشرعت تعزف تلك القطعة وأخرى للموسيقار هنري برسيل عنوانها ( أنظر والآن اعبد الرب ) ، وعندما فرغت من العزف ، كان الغلام قد أوشك أن يصل الكوخ ، وهو مفعم بالحبور والنشوة .
ولما أصبح اليوم التالي ، ألقى كل منهما نفسه بين ذراعي أمه ، وطفقا يبكيان كالأطفال من جذوة المحبة وتباريحها الأولى ، فقالت أم الفتاة العذراء لابنتها : " هيا إبنتي .... هَيِئي نفسك وامتعتك للسفر ، علينا أن نغادر هذا المكان " .
عام 1982
========
يعقوب أفرام منصور
مِنْ مَوالِيد البَصْرَة 5- 5- 1926 م .
تَنَقَّلَ ما بَيْنَ البَصْرَة والمَوْصِل وبَغْداد، حَيْثُ ولِدَ في البَصْرَة ونَشَأَ فيها، ثُمَّ سَكنَ المَوْصِل خَمْس سَنَوات مِنْ 1940م ـ 1945م ، في صَيْف 1945 عادَ إِلى البَصْرَة وهو في الصَفّ الرَابِع الإِعْدادِيّ، وفي حِيْنِها أَكْمَلَ الدِرَاسَة الإِعْدادِيَّة في البَصْرَة، وحَصَلَ على المَرْكزِ الثَاني على عُمومِ المُحافَظَة في أَمْتِحانِ البَكالُوريا، غادَرَ البَصْرَة إِلى بَغْداد عام 1957 وتَرَكها إِلى أَرْبيل في أَوائلِ عام 2011 م .
تَوَظَّفَ في شَرِكةٍ لِلطيرَان في المَعْقَل/ البَصْرَة بَعْدَ تَخَرُّجِهِ .
تَزَوَّجَ عام 1950 وأَنْجَبَ سَبْعةَ أَطْفَال، ثَلاث بَنَات وأَرْبعة بَنين .
مُنْذُ صِغَرِهِ كانَ مُولَعاً بِالقِراءَةِ ، وكانَ خَالَهُ (وهو رَسَّام) مُولَع أَيْضاً بِمُطالَعةِ الكُتُب ويَدْعوهُ لِيَقْرأَ على مَسَامِعهِ بَعْضَ الأَشْعار، وكذلِك والِدَهُ كانَ يُزَوّدهُ بِبَعْضِ الكُتُبِ مِنْ المكْتَبَةِ العامَّة في المَوْصِل .
بَدأَ بِكِتَابَةِ بَعْضِ الخَواطِرِ الأَدبِيَّة مُنْذُ عام 1949م، ولِكوْنِهِ يُجِيدُ اللُغَة الأَنْكليزِيَّة شَرعَ في وَقْتِها بِتَرْجَمَةِ الشِعْر والَّذِي يُعْتَبَرُ أَصْعَب مِنْ النَثْر، وبَدأَ يَنْشُرُ مُنْذُ ذاكَ العام 1949 في مَجَلَّة الأَدِيب وبَعْضِ الصُحُفِ المَوْصِليَّة والبَغْدادِيَّة والبَصْرِيَّة .
لَهُ عشَرَات الرَسَائل والأَبْحاث النَقْدِيَّة والدِرَاسَاتِ والمَقَالات .
نَشَرَتْ جرِيدَة (المُحرِر) المَغْربِيَّة في 30- 3- 1979، والمُوافِق ليَوْم الأَرْض الفلسطينِيَّة مَقَالَهُ المَوْسوم (رِسالَة مَفْتُوحة إِلى الرَئيس الأَمْرِيكي جيمي كارتر) ، كما نَشَرَتْ في 26 ـ 27- 11- 1978 مَقَالَهُ عَن المُوسِيقار الأَلْمانِيّ ـ النَمْساويّ فرانز شوبرت بِمُنَاسبَةِ ذِكْرَى مرورِ 150 سنَة على وَفَاتِهِ .
نَشَرَتْ جرِيدَة الزَمان البَغْدادِيَّة في 2- 6- 2012 مَقَالاً عَنْهُ بِقَلَمِ فوزي نعيم في الصَفْحَةِ التَاسِعة تَحْتَ عُنْوان (يعقوب أفرام منصور يُحرِّر الأَفْكار فتُصْبِحُ مُلْكاً لِلجَميع ـ سُنْبُلَة ثَرِيَّة وطائِرٌ رَحَّال عِبْرَ الحقُول) .