من لا شيء
تداهمني غصة تحرّك ماء عينيّ
أتذكّر..
لا أجد شيئًا
لا أجد أحدًا
أشكو حالتي لصديقتي
أعلِمها: الدنيا دارت بي ليلة أمس
وكدت أسقط
لولا صوت حفيدتي:
"متى ستأتي لزيارتنا حبيبي أبو النور"
قالت صديقتي:
ضاقت المسافة بينك وبينك
.....
لم أدعها تكمل
خرجتُ للشرفة
أطللت من الطابق العشرين
كانت...
إلى الكاتب المسرحي الكبير السيد حافظ
تعال نقتسم المتاهةَ في كواليس الفجيعة؛
أنت، تكتب فوق وجوه الممثلين أسماء المنافي
أنا، أعتقل المخرجين كي لا ينفشوا شعورهم
أمام النصوص والمشاهدين
وتأتي أنت، تحمل أطناناً من عنب الحروف
تعصرها على خشبات المسارح
كي تؤثّث الحكاية بالنبيذ؛
أنا، أقود السكارى إلى...
في هذا الليل ال يشبه قطة عزباء حزينة
أحتاج وسادة فاقدةَ للذاكرة..
قبل هذه الرغبة،
أحتاج امرأة ناضجةً لأكتبها
كتابةٌ، تشبه جمجمتي،
الملقاةَ على ظهر امرأةٍ سمراء
قادمةٍ من غابةِ جوز الهند
تشبه وجهي، بين ثديي إلهةٍ من الهلال الخصيب
وهَيامي، أنا الشاعرُ الماكر،
على وجهِ شابةٍ خليجيةٍ
ضمخت أطرافَها...
جئتَ من سردية الدم
كل أمانيكَ، أن تبني مملكةً لضحاياك
أنا ما قتلتكَ أو حرقتُ أباك
لكن رأيتك حين سرقتَ عباءة جدي
وقفتَ أمام مرآتي وأعلنتَ وأدي
وأن ظلالك كانت هنا قبل شمسي
وكي تواري سوءة التاريخ
قررت قتلي
ولم تعلم؛ ظلي أطولُ مني
وأجملُ مني
يتناسل كالأسطورة في غيابي
فكيف لو عانقتُ شمسي وقبّلتها...
لم أكتب إليكَ منذ ثلاثين قصيدةً
ثلاثين صداعاً نصفياً
ثلاثين قلقاً مزمناً
أبجديتي مصابةٌ بالتنميل
طلب الطبيب صورة رنين مغناطيسي
للاوعيي
خفت ان يعثروا على خلايا نائمةٍ
لم أكتبها بعدُ
على مراسلاتنا
كنت سأتهمكَ بالشذوذ اللغوي
وخيانتي
وأطالبُ النساءَ برجمكَ بحروفِ العلّة
كي تكتبَ لي
وتخبرَني: كلُّ...
لا رغبة لي بالقراءة
أكتفي بالفهرس النحيف
لا مزاج لي لمقارعة جاري
اقنع نفسي بأنه كفيف
لا همة لي للاتصال بحبيبتي
سأدعي أمام شهوتي بأني عفيف
لا شهية لارتشاف البحر
قيل لي تاويله مخيف
كذبت منذ الصباح عليّ
حين قيل ارتقى أنس الشريف
بل إنني ضحكت كالمجانين
كي أخبئ في اللاوعي حزني
وأدفن رأسي كالنعام...
(إلى الشاعر الغرناطي فدريكو غارثيا لوركا)
أريد أن أسقي المسافة بيني وبين حبيبتي بعض دمي ودمعَ اللوز رشوةً،
لينعم العائدون بعدي ببعض موتٍ آمنٍ
يهرّبون حريتي لسجني الأخير،
أريد أن أصبح طائراً بألف جناح
يعمي قلب القبة الحديدية
يبني عشّاً في المفاعل النووي
يفقس ثم يرفرف، يهتف ثم يندف يقصف
ثم...
حين توقفت عن تعاطي الشعر
صرت أكثر تركيزاً بعينيّ قطة جارنا
وأكثر وعياً باحتكاكها بساقيّ
وبصوتها المليء بالتشابيه
وفهمت لاحقاً سرّ توسّلها لي
للدخول إلى شقتنا الصغيرة الدافئة
وأدركت نظرة جارنا الغاضبة
لحظة أمسّد رقبتها
وجنونه حين تتغنّج بقربي
وانفجاره أخيراً بي وشتمي
يوم قرأت لها شعراً رومنسياً...
(إلى الشاعر جواد العقاد في قطاع غزّة الذي يتعرّض للحصار والإبادة للعام الثاني..)
..
تعال يا جواد
أعلم أنّك لا تسمعني
لكن، عرّفني على خطاك
عن أثر الشّعر في منع الإبادة
عن أحجيات الشهادة
قال: "كل شيء كما تركناه وأكثر؛
غبار يغطّي البحر
والموجُ آخذٌ في النزوح.."
قلت: "هل حاورتَ اللازوردي قبل يلمّ...
سأغتال الشعرَ العاجزَ عن تأليفِ قلوبِ الشعراء
سأغتاله، في لحظة الترنّح خارجاً من ملهى الحلاّج
سأخنُقُه، بالخيط الذي لا يمر بين زانٍ وزانيةٍ،
وإذ يدلّى لسانُه على البحر الطويل
أنشره على حبل غسيلٍ، يجفّ وحيدا، ثم يموت
لا أحد يشفع له: "أما آن لهذا الفارسِ أن يترجّل!"،
أحمِلُه لمضاربَ ليلى، ليُعفّرَ...
كان يمكن أن ينتهي النص هنا
مع صدى ال دي ي ي يي
لو تمكنت من التقاط صورةٍ لمشاعري
للغصّة التي تناثرت في رئتي
لمجرى الدمعِ المسدود
لو تمكّنتُ من التقاطِ صورةٍ لذاكرتي حين تقزّم الكون واستحال مقبرةً مغطاةً بوجه أمي
والتقاط صورةٍ لحاجتي الملحّة للبكاء
لخوفي
حين أخافُ أن أموت وحدي
لعجزي التام عن رسم...
لا تكتبوا الشهداء
اكتبوا أنفسكم
واختاروا طريقة موتكم
ليس من معاني الغياب خروج الروح من الجروح
ذلك طقس يشبه كل شيء إلا الموت
يشبه أكثر الدرب المؤدي
إلى رقصة في الضباب
لا إشكالية في المناخ
ربما في شهقةٍ عابرةٍ للحدود
أو دمعةٍ هاربةٍ من بسمتها
أو قلبٍ ينصب فخاً للقصيدة
كلها أشياء تافهة كما يراها...